بورتريه

"آبي" إثيوبيا.. "نبي" يواجه الانقلابات أم مستبد ذكي؟

 

 

يونس مسكين

في يوم سبت طويل وافق تاريخ 22 يونيو/حزيران 2019، تناثرت شظايا أخبار آتية من إثيوبيا تفيد بتعرّضها لمحاولة انقلاب فاشلة، ليقفز نظام رئيس الوزراء آبي أحمد علي إلى واجهة الأحداث الدولية، لما يجسده من مشروع إصلاحي شامل لإخراج إثيوبيا من اضطرابات هزتها في السنوات القليلة الماضية.

سرعان ما توجّهت أصابع الاتهام نحو المنطقة العربية، وتحديدا المحور الذي يقود موجة الانقلابات والسطو على الثورات الشعبية، فقد زعم – بشكل شبه فوري- حسابٌ في موقع تويتر يحمل اسم "نائب تائب" أن الإمارات العربية المتحدة تقف وراء المحاولة الانقلابية التي أسفرت عن مقتل مسؤولين إثيوبيين من بينهم رئيس أركان الجيش، علما بأن أبو ظبي ظلت تُعتبر أحد أكثر الداعمين لنظام آبي بدعم واستثمارات مباشرة تقدر بثلاثة مليارات دولار[1].

وهو زعمٌ تحوّل إلى موجة تدوين النشطاء بوسائل التواصل الاجتماعي الذين ألمحوا إلى أن دولا عربية معينة تقف وراء الانقلاب الفاشل الذي شهدته إثيوبيا، سعيا لإفشال الوساطة السياسية التي تقوم بها أديس أبابا لإنهاء الأزمة بالسودان، بما يكفل حقن دماء السودانيين وانتقالهم للدولة المدنية التي ينشدونها[2].

فهل شكّل آبي أحمد بالفعل مشروعا إصلاحيا ديمقراطيا، أم أنه تجربة أخرى من تجارب تزيين الواجهة وتلميع الاستبداد الخفي؟ هل جاء هذا الرجل -الذي سبق أن نجا من محاولة اغتيال بواسطة عبوة متفجرة منتصف 2018- لإعادة إثيوبيا إلى سكة النمو أم أنه مبعوث آخر من المؤسسات المالية الدولية التي تخدم لوبيات نافذة؟ هل بهذه السرعة وبمجرّد تفكيره في الوساطة بين السودانيين على أرضية حل وسط بات آبي مستهدفا على غرار أردوغان في تركيا؟

أمة عظيمة.. ولكن

إثيوبيا -وهي الدولة التي تضم بين حدودها واحدة من أكبر الأمم الأفريقية بأكثر من مائة مليون نسمة- ظلّت على مدى العقدين الماضيين توصف بأنها صاحبة أسرع الاقتصادات الأفريقية نموا، ويدوّن تاريخها الحديث بافتخار أنها من بين الاستثناءات القليلة في العالم الثالث للدول التي لم تخضع للاستعمار.

وقبل 28 عاما، خرجت إثيوبيا من حقبة الحروب الأهلية والمجاعات التي سبّبها حكم منغيستو هايلي ماريام الموالي للاتحاد السوفياتي، بصعود ائتلاف يقوده مِلّس زيناوي أحد قادة الجبهة الثورية الديمقراطية التي اقتحمت أديس أبابا عام 1991 وتولت حكم إثيوبيا، ورغم انحداره الشيوعي سياسيا فإن ملّس نقل إثيوبيا من المعسكر الشرقي إلى التحالف مع الغرب.

وبعد سنة واحدة من الانتصار على هايلي ماريام والإطاحة بحكمه، التحق آبي -الذي كان عضوا في حركة ملّس- بصفوف الجيش النظامي، حيث التحق بصفوف قوات حفظ السلام الأممية المنتشرة في رواندا، ثم حارب في نهاية التسعينيات ضد الجارة إريتريا، قبل أن يعود إلى الديار في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة[3].

 

وتحوّل النظام السياسي الذي أقيم في العام 1991 لحل الخلافات الداخلية، إلى سبب للصراع، حيث أدى تقسيم الجبهة الثورية الشعبية الإثيوبية التراب الإثيوبي إلى تسع ولايات إلى حرب فورية بين بعض تلك الوحدات الترابية على الحدود الفاصلة بينها.

وعاد هذا الصراع إلى الواجهة بقوة منذ العام 2017، حين أدى التوتر المستمر على ملكية الأراضي الصالحة للزراعة بين "الأورومو" وجيرانهم من إثنية "الصومالي" في الجنوب الشرقي إلى تصاعد أعمال العنف التي أوقعت مئات القتلى وأسفرت عن نزوح نحو 1.1 مليون شخص[4].

هدأت هذه التوترات عند تولي آبي أحمد السلطة بفضل أسلوبه الخاص في الحكم والتقرب من الجميع، لكنها سرعان ما عادت إلى الواجهة، حيث رأى البعض في أسلوب آبي المهادن سببا في تجرؤ بعض الأطراف على السلطة ومبادرتها للعنف[5].

فسيفساء القوميات

منذ عام 1991، تهيمن قومية تيغراي على المناصب الحكومية والعسكرية المهمة، رغم أنها لا تمثل سوى نسبة قليلة من سكان البلاد. وبينما تتكون الخريطة القومية لإثيوبيا من القوميات التالية:

  • الأورومو التي تعتبر المكون الأكبر وتشكل أكثر من 40% من السكان؛ نحو 70% يعتنقون الإسلام، مقابل 20% من الديانة المسيحية.
  • الأمهرية التي توجد في الرتبة الثانية، وتنتشر في شمال البلاد، وتقدر نسبتها بـ 25% من السكان، وقد حكمت البلاد لعقود، ومن أبرز السياسيين الذين ينتمون إليها الإمبراطور هايلي سيلاسي ونظام "ديرج" لمنغيستو هايلي ماريام الذي سقط عام 1991.
  • بعد ذلك نجد قوميتي الصومالية وتيغراي اللتان تمثل كل منهما نحو 6% من السكان، لكن القومية المتهمة بالهيمنة، أي التيغراي، تسيطر بشكل شبه تام على الجيش الإثيوبي.

 

آبي.. ثمرة "الربيع الإثيوبي"

منذ العام 2015، بات إقليم "أوروميا" الواقع جنوب وسط إثيوبيا، في قلب الأحداث السياسية بإثيوبيا، حيث شهد احتجاجات استمرت حتى مطلع 2018، لكن حضوره في هذه السنة شهد تحولا في الخارطة السياسية بالبلاد بعد وصول شخصية من قومية "أورومو" إلى رئاسة وزراء إثيوبيا لأول مرة في تاريخه[6].

فالاحتجاجات التي ضيّقت الخناق على العاصمة أديس أبابا، ساهمت بشكل غير مباشر في وصول آبي إلى السلطة بعدما أرغمت رئيس الوزراء الإثيوبي السابق هايلي ماريام ديسالين على تقديم استقالته في 15 فبراير/شباط 2018، لتعلن حالة الطوارئ في البلاد، وينتخب قائد جديد للائتلاف الحاكم في شخص آبي أحمد علي المنحدر من قومية "الأورومو" ذات الغالبية المسلمة.

ينحدر آبي أحمد علي من أب مسلم وأم مسيحية

 

وينحدر آبي أحمد علي من أب مسلم وأم مسيحية، فيما منحه مساره الشخصي فرصة تشكيل شخصية متفردة، وذلك أنه تدرّج في صفوف الجيش الإثيوبي إلى أن أصبح عقيدا في العام 2007، وذلك بعدما كان قد نال شهادة بكالوريوس في هندسة الحاسوب، وشهادة دراسات عليا في تطبيقات التشفير، وشهادة ماجستير في إدارة التغيير والتحول وأخرى في إدارة الأعمال، ثم توج ذلك كله بدكتوراه من معهد دراسات السلام والأمن بجامعة أديس آبابا[7].

آبي أحمد علي منحدر من قومية "الأورومو" ذات الغالبية المسلمة

بدأ "نبيا"

منذ اعتلائه الحكم مستهل 2018، حظي آبي أحمد عبي باهتمام كبير في الأوساط الدولية باعتباره مجسدا لآمال كبيرة في إثيوبيا والقرن الأفريقي. وعندما زار أمريكا بعد أسابيع من توليه الحكم، كتبت شبكة "سي إن إن" تقريرا مطولا عن هذه الشخصية متسائلة: "لماذا يعتقد الإثيوبيون أن آبي أحمد "نبي"؟

الشبكة الإعلامية الأمريكية قالت إن آبي الذي يعتبر أحد أصغر رؤساء الحكومات الأفريقية سناً، قاد منذ توليه منصبه رسميا في 2 أبريل/نيسان 2018 مجموعة من الإصلاحات الليبرالية المذهلة في إثيوبيا. وقدّمت "سي إن إن" عددا من الأمثلة على هذه الإصلاحات، من قبيل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ورفع الحظر عن مئات المواقع الإلكترونية، وإنهاء الحرب مع إريتريا ورفع حالة الطوارئ وفتح رأسمال الشركات الحكومية الكبرى أمام القطاع الخاص.

صورة الشخصية "الخارقة" لا يتوانى آبي أحمد في تغذيتها

 

صورة الشخصية "الخارقة" لا يتوانى آبي أحمد في تغذيتها، فعندما تعرّض لمحاولة اعتداء في أكتوبر/تشرين الأول 2018، قال رئيس الوزراء الإثيوبي إنه فوجئ بجنود مسلحين يقتحمون مكتبه للمطالبة برفع أجورهم بشكل منفعل، لكنه احتوى الموقف بأن أمرهم بالقيام بتمارين رياضية (تمارين الضغط) وقام بممارستها معهم، ثم انخرط في حديث ضاحك مع الجنود[8].

تفسّر الشبكة الإعلامية الأمريكية الانبهار الشعبي بشخصية آبي أحمد بأنه يعود إلى هويته وانحداره من أب مسلم وأم مسيحية، وإتقانه عددا من اللغات المحلية الإثيوبية إلى جانب الانجليزية، إلى جانب تجربته المهنية المتميزة، حيث كان في التسعينيات ضمن قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في رواندا، ثم ترأس وكالة الأمن الإلكتروني الإثيوبية "إنسا" (INSA) وعمل وزيرا للعلوم والتكنولوجيا قبل أن يغادر الحكومة المركزية، ليصبح نائب رئيس منطقة أوروميا المثيرة للجدل[9].

مستبد ذكي

إطراء "سي إن إن" لا تشاطره صحيفة "واشنطن بوست" التي نشرت في نوفبر/تشرين الثاني 2018 مقالا لكل من الباحثتين دانييلا دونو وآن كاثرين كريفت، تعتبران فيه آبي أحمد واحدا من المستبدين الذين يزينون صورتهم ببعض الإصلاحات المعلنة.

قالت الباحثتان إنه وعلى عكس الدول التي تحكمها أنظمة عسكرية أو ملكية تعتمد على نخبة صغيرة من أجل البقاء السياسي؛ تحتاج الدول التي تحكمها الأحزاب إلى دعم أوسع في المجتمع من أجل البقاء. ومن بين الطرق التي تستعملها هذه الأحزاب، منح بعض الحقوق لفئات مثل النساء لكسب دعمهن وأصواتهن[10].

ومن جانبها حذّرت افتتاحية لصحيفة غارديان البريطانية في أحد أعداد شهر يناير/كنون الثاني 2019، من أن الإفراط في ربط الأمل بشخص آبي أحمد قد يتحول إلى انزلاق نحو سلطة شخصية غير خاضعة لأي محاسبة، كما حذّرت الصحيفة من فشل آبي في التصدي لمجموعات المصالح، بدءا بتلك الموجودة داخل حزبه والمنقسمة على أساس عرقي[11].

قوبل انتخاب آبي أحمد بشك وريبة كبيرين، لكنهما سرعان ما تبددا ليعوضهما حماس شعبي غير مسبوق للإصلاحات الموعود

 

أول مسلم يحكم "الحبشة"

قوبل انتخاب آبي أحمد بشك وريبة كبيرين، لكنهما سرعان ما تبددا ليعوضهما حماس شعبي غير مسبوق للإصلاحات الموعودة. وكان مصدر الشك الماضي الطويل لحزب الجبهة الشعبية الديمقرطية الثورية الذي وعد منذ العام 2005 بإصلاحات كثيرة دون أن يحققها.

ويعود سرّ هذا التحوّل الذي حقّقه آبي في موقف الشعب الإثيوبي إلى أنه استعمل أساليب رمزية شديدة التأثير مثل ديانته الإسلامية وقوميته الأورومية، ثم أتبعها بإنجازات عملية، حيث جعل نصف حكومته من النساء وأفرج عن آلاف المعتقلين السياسيين والإعلاميين، ثم اعتقل عددا من المسؤولين المفترضين عن انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي، كما دعا المعارضة المنفية للعودة إلى البلاد ومنحها رئاسة لجنة الانتخابات التي حدد لها موعدا في 2020[12].

 

ويتحدث العارفون بخبايا التدبير السياسي لإثيوبيا عن تركيبة ثلاثية يعتمدها آبي في تسيير شؤون الدولة، تتمثل في ثلاث شخصيات رئيسة[13]:

  • أول هؤلاء الثلاثة هو فيتسوم أريغا مدير ديوان آبي، وينتمي إلى جيل رئيس الوزراء ويتولى أيضا رئاسة اللجنة الإصيوبية للاستثمارات.
  • ثاني هؤلاء هو أمباشو ميكونين، وزير الصناعة والمكلف بتغيير النموذج الاقتصادي الإثيوبي بنقل الأنشطة الإنتاجية من يد الحكومة إلى يد القطاع الخاص.
  • أما ثالث الثلاثة فهو قائد أركان الجيش الإثيوبي سييري ميكونين الذي قُتل في المحاولة الانقلابية السبت 22 يونيو/حزيران 2019. وهذا الأخير قُتل قصدا عبر أحد حراسه، وهو ما يشير إلى استهداف النواة الصلبة لنظام آبي في المحاولة الانقلابية الأخيرة.

حزمة إصلاحات.. هل كل ذلك عفوي؟

منذ أول خطاب له بعد انتخابه رئيسا جديدا للحكومة، تعهد آبي أحمد بانفراج كبير في مجال الحريات السياسية ومحاربة الفساد، مع تطوير الاقتصاد الإثيوبي والرفع من وتيرة النمو، متعهدا بإقامة العدل والإنصاف والمساواة والعمل على توحيد مكونات الشعب الإثيوبي.

كان من أول ما بادر إليه في أبريل/نيسان 2018، إنهاء خلاف حدودي قائم بين إقليمي "أوروميا" و"الصومال" تسبب منذ 2017 في سقوط العديد من القتلى وتهجير الآلاف، كما صوّت البرلمان الإثيوبي في السادس من مايو/أيار 2018 على رفع حالة الطوارئ التي فُرضت منتصف فبراير/شباط الذي سبقه[14].

وامتدت بصمات آبي أحمد لتشمل المؤسسات الأمنية والعسكرية، حيث قام في السابع من يونيو/حزيران 2018 بتغيير كل من رئيس الأركان ومدير جهاز الأمن والمخابرات الوطنية، وهي التعديلات التي جرت لأول مرة منذ 17 عاما.

كان من أول ما بادر إليه آبي في أبريل/نيسان 2018، إنهاء خلاف حدودي قائم بين إقليمي "أوروميا" و"الصومال"

 

بعد ذلك ببضعة أيام، أعلنت المعارضة الإثيوبية المستقرة في إريتريا عن تخليها عن الخيار المسلح، وربطت ذلك مباشرة بالخطوات التي قام بها رئيس الوزراء الإثيوبي، ليصطحب آبي أحمد معه على متن الطائرة في رحلة عودته من زيارة رسمية قادته إلى مصر اثنين من قادة المعارضة المستقرة في إريتريا، فيما صوّت البرلمان الإثيوبي في يوليو/تموز 2018 على قانون يسحب حركات معارضة مسلحة من قائمة المنظمات الإرهابية، كما صادق على قانون العفو العام عن الأفراد والجماعات قيد التحقيق، والأشخاص المدانين بتهمة الخيانة وتقويض النظام الدستوري والمقاومة المسلحة.

ولم تكن إصلاحات القطاع الأمني والعسكري من باب الصدفة أو القرارات العابرة، بل لقد اعتلى آبي أحمد علي السلطة حاملا أجندة مفصلة. ومن مكونات هذه الوصفة أن دفع بقادة المؤسسة العسكرية إلى الظهور الإعلامي والتواصل، محدثا قطيعة مع الماضي، واضطر خمسة من كبار قادة الجيش إلى تنظيم ندوة صحفية في أحد نوادي الضباط، فتحدثوا بإسهاب عن الإصلاحات التي يعتزم الجيش الإثيوبي القيام بها لاستعادة السلام والاستقرار[15].

احتضان غربي

رافق وصول آبي أحمد علي إلى السلطة دعم واحتضان دوليين مثيرين للاهتمام، وحرصت القوى الدولية الكبرى -والغربية أساسا- على إعلان هذا الدعم في مناسبات متقاربة في الشهور الأولى من حكم آبي، فقد حاز دعما رسميا من كندا وألمانيا واليابان والاتحاد الأوروبي بسبب الإصلاحات التي يقودها في إثيوبيا.

أبرز تلك المناسبات، كانت الزيارة الرسمية التي قام بها آبي إلى الولايات المتحدة الأمريكية شهر يوليو/تموز 2018، حيث استُقبل على أعلى المستويات، وكان من بين مستقبليه نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس الذي حرص إثر اللقاء على الإشادة بالإصلاحات التي يقودها آبي في إثيوبيا، خاصة منه ما قال إنه تحسن في احترام حقوق الإنسان وإصلاح بيئة الأعمال التجارية وإعادة السلام مع الجارة إريتريا.

النهاية السعيدة للصراع الإثيوبي الإريتري لم تتم إلا تحت الرعاية السعودية المجسدة للسياسات الأمريكية في منطقة الخليج

 

واستمرت زيارة آبي إلى واشنطن -التي لم تكن رسمية- ستة أيام، وتخللها استقباله من طرف رئيسي كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وذلك بشكل متزامن مع انطلاق خصخصة كبرى الشركات الحكومية الإثيوبية. أي أن جميع عناصر تأكيد فرضية مجيء آبي أحمد لضم إثيوبيا إلى مجال النفوذ الجيوإستراتيجي الأمريكي المباشر متوفرة، بعيدا عن اصطفافها الاقتصادي التقليدي إلى جانب بكين، والذي يجعل إثيوبيا تُنعت بـ"المعمل الصيني"[16].

بصمات عربية

هذا الامتداد الدولي لتحركات آبي أحمد قد لا ينفصل عن التفاعل العربي مع التطورات الإثيوبية، فالنهاية السعيدة للصراع الإثيوبي الإريتري لم تتم إلا تحت الرعاية السعودية المجسدة للسياسات الأمريكية في منطقة الخليج وعمقها الممتد إلى القرن الأفريقي.

ففي أول خطاب له أمام البرلمان أعلن آبي أحمد عن سعيه لإنهاء الخلاف مع الجارة إريتريا، لتعلن اللجنة التنفيذية للائتلاف الحاكم مستهل يونيو/حزيران 2018 موافقتها على اتفاق الجزائر الموقع عام 2000، وعلى قرارات لجنة ترسيم الحدود الفاصلة بين البلدين، وهي الإشكالات التي ظلت عالقة لأكثر من عشرين عاما، أي بعد توقف الحرب التي اندلعت إثر استقلال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993.

وبعد أيام قليلة من هذه التطورات تبادل البلدان الزيارات الرسمية وافتتاح سفارتيهما في العاصمتين، لينتقل آبي أحمد إلى ملف جيبوتي محاولا إنهاء خلافاتها مع إريتريا، وذلك في إطار مسعى كبير لاستعادة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.

 

وقد احتضنت مدينة جدة السعودية الواقعة على سواحل البحر الأحمر، قمة ثلاثية سعودية إثيوبية إريترية متم العام 2018، تم فيها التوقيع على اتفاقية السلام بين الدولتين الأفريقيتين بحضور الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان. وقد اعتبر المراقبون هذا الاتفاق انفتاحا مباشرا من إثيوبيا على أكبر ميناءين في إريتريا، واللذان حصلا على دعم مالي سعودي إماراتي لتأهيلهما[17].

يؤكد هذه القراءة الزيارة التي قام بها كل من رئيس الوزراء الإثيوبي ونظيره الإريتري إلى الإمارات العربية المتحدة، حيث استقبلهما ولي العهد محمد بن زايد وقلّدهما وسامين ذهبيين. وبعد يومين من هذا الاستقبال الكبير فوجئ الإثيوبيون بنبأ اغتيال المهندس المشرف على مشروع سد النهضة سيميغنو بيكيلي الذي وجد مقتولا داخل سيارته بواسطة رصاصة استقرت خلف أذنه اليمنى، وهو ما قُدّم على أنه انتحار، علما بأن الحراسة الشخصية التي كانت مخصصة له اختفت يوم مقتله، كما تم تعطيل كاميرات المراقبة في المنطقة التي تم فيها اغتياله. ولم يُعر آبي هذا الحادث المأساوي الاهتمام المتوقع، حيث حافظ على أجندته الرسمية وسافر يومها إلى واشنطن[18].

ارتدادات الأزمة الخليجية

وعلى أثر اندلاع الأزمة الخليجية منتصف عام 2017 حين أعلنت السعودية والإمارات والبحرين ومصر فرض الحصار على قطر، لم تكن إثيوبيا ومعها القرن الأفريقي في منأى عن تداعياتها.

ويعتبر رشيد عبدي، الخبير ومدير مشروع القرن الأفريقي في مركز المجموعة الدولية للأزمات، أن "الخليج والقرن الأفريقي هما منطقتان متشابكتان بشكل وثيق، إذ تواجهان تهديدات ومواطن ضعف مشتركة، وهي: الصراعات المسلحة والحركات الجهادية العابرة للحدود الوطنية والجريمة المنظمة، بما فيها القرصنة والاتجار بالبشر وغسل الأموال"[19].

وقد جعل هذا الارتباط دول القرن الأفريقي مطالبة -حسب الخبير نفسه- بالاصطفاف ضمن محو السعودية/الإمارات، أو الاندراج ضمن معسكر يفترض أنه يضم قطر وتركيا. "وقد أدى ذلك إلى زعزعة الاستقرار بشكل عميق، وزرع الانقسامات الإقليمية الجديدة، وأيقظ العداوات النائمة".

 

أظهر محور السعودية/الإمارات في الفترة الأخيرة رغبة خاصة وجامحة في التموقع عسكريا في القرن الأفريقي، حيث وقعتا اتفاقا عسكريا لتعزيز حضورهما فيه، مدفوعتين في ذلك بامتدادات حربهما على اليمن المطلة على الشرق الأفريقي، بينما تحوّلت اليد العاملة الرخيصة في السعودية إلى سلاح في يد الرياض، حين هددت بطرد آلاف العمال الإثيوبيين لحمل أديس أبابا على الانضمام إلى الحصار المفروض على قطر[20].

ومنذ ذلك الحين ظلت دول الجوار العربي ومعها دول القرن الأفريقي تتابع بقلق التطورات التي تعيشها إثيوبيا، حيث تتصاعد المخاوف من اندلاع حرب أهلية من شأنها نسف استقرار المنطقة والتأثير على الدول المجاورة لها.

مصالح مصر وأمن السودان

تَعتبر مصر أن بناء سد النهضة الإثيوبي دون اتفاق معها يشكل تهديدا مباشرا لأمنها القومي، ذلك أن مصر تعتمد بنسبة 97% على مياه نهر النيل التي تأتي من خارج الحدود. وفي خضم ذلك شهد الصراع على سد النهضة بين أديس أبابا والقاهرة تجاذبات واتهامات بتدخل مصر في ما يجري بإقليم أوروميا، وذلك قبل وصول آبي إلى السلطة[21]. وعندما اغتيل المهندس الإثيوبي الذي كان يشرف على إنشاء السد صيف العام 2018، فاجأ آبي الإثيوبيين حين خرج لإعلان أن بناء السد قد يشهد تأخيرا مدته عشر سنوات[22].

 

من جانبها ترتبط السودان بمصالح وثيقة مع إثيوبيا، فقد كانت الخرطوم في عهد الرئيس المعزول عمر البشير، قد سارعت أوائل 2018 إلى نشر آلاف الجنود على طول الشريط الحدودي مع إريتريا، بالتوازي مع تقديم دعم سياسي لإثيوبيا، وذلك عندما اهتزت هذه الأخيرة باضطرابات خطيرة. وعلى ضوء تلك التطورات دخلت بعض دول الخليج العربي على خط الأزمة الإثيوبية بفعل التحالفات القائمة بين القاهرة والإمارات والسعودية وإريتريا التي تستضيف قواعد عسكرية مصرية وإماراتية في جزرها وموانئها. ولعل هذا الارتباط الوثيق بين إثيوبيا والسودان يفسّر مسارعة أديس أبابا إلى عرض وساطتها للمساعدة في إنهاء الأزمة التي يعيشها السودان منذ إقدام المجلس العسكري الانتقالي على فض اعتصام المتظاهرين أمام مقرّه بداية يونيو/حزيران 2019.

مشروع أكبر ديمقراطية أفريقية

أهم استحقاق يُقبل عليه نظام آبي أحمد منذ صيف العام 2018، هو الانتخابات التي وعد رئيس الوزراء بتنظيمها عام 2020، مع وعد خاص بجعلها نزيهة وشفافة. وكانت الانتخابات الأخيرة التي جرت قبل أربع سنوات قد شهدت اكتساح الائتلاف الحاكم للبرلمان، وهو ما اعتبرته أحزاب المعارضة مدعاة للسخرية[23].

فكل الخطوات التي قام بها آبي -رغم ما تحمله في طياتها من سلبيات محتملة- ستُتوج في 2020 إذا نجحت الانتخابات في خلق أكبر ديمقراطية في أفريقيا، غير بعيد من صحراء العرب الذين أبدوا في الأعوام الأخيرة استعدادا لقتال كل من يفكر في تنفس الديمقراطية في محيطهم القريب، خوفا من عدواها.

فهل كان هناك في البلاد العربية من راهن على آبي لتطويع منطقة القرن الأفريقي لحسابه الخاص، ثم قرر الإطاحة به عندما تبيّن أن للرجل نزوعا وطنيا يميل إلى ديمقراطية ليبرالية، أم أن مساحيق البدايات التي جعلت آبي أحمد يلمع أكثر من المتوقع، قد زال مفعولها؟

 

المصادر:


[19]https://trib.al/pNevaL0