تقارير

"آسيا في الحرب العظمى".. عمال الميادين بين غطرسة الحلفاء وخذلان الصين

 

خاص-الوثائقية

إنها قصة مأساوية بكل ما تعني الكلمة من معنى، تحكي معاناة عشرات الآلاف من العمال الصينيين الذين أرادوا المساهمة في رفعة بلادهم، من خلال المشاركة في الحرب العالمية الأولى إلى جانب قوات الحلفاء ضد الجيش الألماني.

كانت مساهمة الصين في الحرب العالمية الأولى مساهمة كبيرة، وهي المرة الأولى التي تتعامل فيها الصين في الحقبة الحديثة كندّ للدول العظمى، من خلال إرسال فيالق العمال إلى الجبهة الغربية في أوروبا، ويبلغ عددهم ما يقرب من 140 ألف عامل.

هناك انخرط العمال الصينيون بجميع أنواع المهن، حتى في صناعة الدبابات أكثر الأسلحة البريطانية حداثة وسرية، ولكن عندما شارك الدبلوماسيون الصينيون في مؤتمر باريس للسلام أصيبوا بخيبة أمل كبيرة من جانب الحلفاء.

هذه هي الحلقة الثانية من سلسلة "آسيا في الحرب العظمى"، وتتناول إسهامات جحافل العمال الصينيين في الحرب العالمية الأولى إلى جانب المملكة المتحدة، وكيف أن جهودهم في نهاية المطاف ذهبت أدراج الرياح حتى في بلادهم، ولم يجدوا أدنى تقدير، رغم أن آلافا منهم ماتوا جوعا في ساحات القتال.

 

مقبرة نوليتي.. عمال الصين الذين التهمتهم الحرب

"لي شيانغ" شاب صيني من إيفانغ في شاندونغ، ويعيش الآن في باريس، ويقول إنه منذ ثمانية أعوام اطلع أثناء وجوده في فرنسا على قصة كان لها أثر قوي في تاريخ العالم خلال الحرب العالمية الأولى، فقد سافر140 ألف عامل صيني إلى الخارج لمساعدة الحلفاء في كسب الحرب.

يعود تاريخ هذا الحدث لمئة عام مضت، ورغم أن الصينيين لم يشاركوا بشكل مباشر في الحرب، فإنهم قاموا بالأعمال الشاقة، كحفر الخنادق وحمل قذائف المدافع وأعمال إعادة الإعمار بعد الحرب.

في مقبرة نوليتي في فرنسا -وهي أكبر مقبرة صينية في أوروبا- حيث رفات 840 عاملا، كان شمال فرنسا ميدان حرب رئيسي، وشواهد القبور تقدم كثيرا من المعلومات بدءا من أسماء الموتى وتاريخ ميلادهم ووفاتهم، إلى مناطقهم الأصلية في الصين، ومتى وصلوا إلى فرنسا.

يعلق "لي شيانغ" بقوله إن ذلك يشعره بالفخر لأن هؤلاء الرجال جاءوا من أجل العمل، لكنه في الوقت ذاته حزين لأنهم بقوا حتى مماتهم، ولم يتمكنوا من العودة إلى أرض الوطن.

عشرات الألوف من العمال الصينيين التحقوا في الخطوط الخلفية لجيش التحالف في الحرب العالمية الأولى

 

تكالب الخارج وتآكل الداخل.. عصر أمراء الحرب

يتناسى العالم الغربي مساهمة الصين الفاعلة في الحرب العالمية الأولى، ويميل البريطانيون والفرنسيون لربط تلك الحرب بميادين فلاندرز، وبسوم في الجانب الأوروبي الغربي. يقول "رانا مايتر": يعود السبب في ذلك إلى أن الصين كانت في وضع سياسي هش للغاية، حيث كان المثقفون في ذلك الوقت يدعون بأن الصين تعاني من الإمبريالية من الخارج، ومن دكتاتورية أمراء الحرب من الداخل.

وقد تمثلت الإمبريالية بقدرة الدول العظمى كبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة واليابان على الوصول إلى الشواطئ الصينية دون عناء والمطالبة بحقوق إقليمية وتجارية خاصة، وكانت الصين تستجيب لها بسبب ضعفها، أما في الداخل فكان أمراء الحرب يتحكمون بالشعب بعد أن أطاحت ثورة 1911 بآخر إمبراطور صيني.

وجدت الصين نفسها في وضع جديد، فقد أصبحت دولة قومية تشكل جمهورية صينية، واختلف التفكير بالنسبة للصينيين، فلم يعودوا رعايا إمبراطورية بل مواطنين، ولم يعودوا أسياد جميع المناطق من حولهم مثل اليابان وآسيا الوسطى.

اضطرت الصين للمشاركة في الحرب العالمية الأولى في أغسطس/آب عام 1914، لأن اليابانيين انحازوا بانتهازية إلى جانب الحلفاء، وقرروا مهاجمة المدينة الصينية تشينغ داو التي كانت تابعة لألمانيا في ذلك الوقت، وتمكنوا من احتلالها.

وتعتبر معركة تشينغ داو المعركة البرية الوحيدة المهمة التي دفعت الصين للمشاركة في الحرب العالمية الأولى، من أجل منح الفرصة لحكومة بكين لاستعادة مكانتها في المعاهدات القادمة، في حال مشاركتها في صف الجانب المنتصر.

التصنيع العسكري والنجارة وحفر الخنادق وغيرها من الأعمال الشاقة كانت من مهمات العمال الصينيين

 

"إذا أردتم الكثير من المال فعليكم بالذهاب إلى هناك"

يقول "لي شيانغ": التقيت برجل مسن يدعى "أندريه"، وكان مؤرخا فرنسيا درس الحرب العالمية الأولى والثانية، ومن خلاله اطلعت على الكثير عن العمال الصينين، فقد أخبرني أن هناك عمالا صينيين قدموا إلى شمال فرنسا وعاشوا فيها، ففي منطقة أراس جاء العمال لإعادة بناء المدينة وتنظيفها بعد الحرب، وكان عليهم إعادة بناء الطرق وتسليك مجاري الصرف الصحي.

كانت الصين مستعدة لإرسال مشاركين عسكريين للجبهة الأوروبية، لكن بريطانيا لم تكن متحمسة لذلك لأسباب تتعلق بالفصل العنصري، وشعروا أنه من غير اللائق مساواة قواتهم بالقوات الآسيوية الصينية، وهذا لا ينطبق على القوات الهندية لأنهم اعتبروهم خاضعين للجيش البريطاني.

وبينما فقدت فرنسا الكثير من الرجال في الحرب، فقد أرسلت الصين 140 ألف عامل، منهم 40 ألفا لدى الفرنسيين، بينما عمل الباقون لدى البريطانيين، وقد جرت حملة التجنيد في ميناء وي هاي وي الواقع في إقليم تشاندونغ الخاضع لبريطانيا، واستخدم وسطاء وحملات دعائية وملصقات، وتوجه بعض الأشخاص للقرى قائلين: إذا أردتم الكثير من المال فعليكم بالذهاب إلى هناك وتوقيع عقودكم.

"سأساعد الحلفاء باسم بلادي".. مذكرات الجنود

عندما قبل البريطانيون العرض الصيني بتجنيد العمال، كانوا يظنون أنهم سيجندون من الأقاليم الشمالية، لأنهم أكبر حجما ويعتبرون أكثر ملائمة للمناخ الأوروبي، وكانوا لهم عادات تناول النشويات، وهم بذلك يتكيفون مع الطعام الأوروبي.

يتحدث "سان جان لونغ" عن جده "سان جان" الذي بدأ عمله في يوليو/تموز عام 1917، قائلا: كان باستطاعة جدي استذكار جميع تجاربه في الحرب الكبرى، وكانت لديه عادة تدوين الملاحظات، ومما كتبه في مذكراته قوله: تعيش السمكة ثلاثة أيام فقط، لكنها خلال تلك الأيام ترى جميع الأنهار والبحيرات، ألا تعتقدون أن على الرجال أيضا التمكن من رؤية القارات الخمس خلال حياتهم لفترة طويلة؟

ويتابع الجد "سان جان" متحدثا عن تجنيده: اتقدت الرغبة للسفر حول العالم بداخلي، فرأيت ملصقات للتجنيد لدى البريطانيين أكثر من مرة، وأردت ترك وظيفتي كمعلم والانضمام للعمال، وكانت المشكلة الوحيدة أن والديّ بلغا السبعين عاما، ولم يكن لديهما أحد آخر لرعايتهما، إلا أن البريطانيين استمروا في تجنيد المزيد والمزيد من العمال، وفي منتصف يوليو/تموز 1917 اتخذت قراري، سأساعد الحلفاء باسم بلادي. بدأ التجنيد في عنبر كبير، وبدأ الطبيب بفحصي وطرح عليّ جميع أنواع الأسئلة، ثم وضعوا شريطا نحاسيا حول رسغي، فأصبحت حينها الجندي رقم 68484.

"لي شانغ" أحد الناشطين الذين يجمعون قصص الأجداد لتكريمهم وإعادة ذكرهم

 

بقايا أمتعة الأجداد العائدين.. متحف العائلة

يحاول "لي شيانغ" عقد لقاءات بأحفاد العمال، فهم يتشاركون معرفتهم وقصصهم وعاداتهم. يقول: أعجبت بكل ذلك، وأصبحت أكثر اهتماما بتلك الحقبة.

وهذا "وانغ" أحد هؤلاء الأحفاد، يقول إن جده دوّن ملاحظته عندما درس الإنجليزية في فرنسا، فقد عمل هؤلاء العمال في مهن مختلفة كمعلمين وأطباء وميكانيكيي دبابات، أما "تشينغ" فتحتفظ بميدالية جدها وتخشى تنظيفها، لأنها تعتقد أن بصماته وعرقه ما زالا عليها، وهناك واحد آخر من هؤلاء الأحفاد لا يزال محتفظا ببيت جده، لأنهم كانوا ينتظرون عودته من فرنسا.

وتحتفظ عائلة أخرى بحقيبة تعود لجدهم، لأنها الشيء الوحيد الباقي من أثره، ويعتبرونها ثمينة، ويتعاملون معها ككنز تتوارثه العائلة، حتى لا ينسوه بعد كل هذه المشقة التي مر بها، وقد حفر على هذه الحقيبة بالأحرف الصينية "تشينغ داو"، حيث كانوا يمنحون الأشياء التي يحتاجونها عند تجنيدهم يقصون شعرهم ويستحمون ويبدلون ملابسهم، وعندما يصعدون إلى السفن يزودونهم بسترات وحقائب، وربما تكون هذه واحدة منها.

لم يخلع العمال ملابسهم، لأنهم كانوا يخشون من أن يجدهم الألمان ويلقوا عليهم القنابل، فكانوا على استعداد دائم ينتقلون كل يومين أو ثلاثة بين ساحات الحرب.

"كان المكان أشبه ببركة وحل كبيرة".. دفعة العمال الأولى

أُرسلت الدفعة الأولى من العمال في شهر يوليو/تموز عام 1916، ووصلت في 24 أغسطس/آب، واتجه معظمهم شرقا إلى فان كوفر في كندا، ثم استقلوا سفينة إلى هالي فاكس لعبور المحيط الأطلسي إلى فرنسا.

يقول "سان جان" في مذكراته: كانت السماء تمطر عندما وصلت مجموعتنا للمناطق خلف خط الجبهة شمال فرنسا، فأقمنا أكثر من عشرة رجال في كل خيمة، بإمكانكم تصور المساحة الضيقة في الداخل، ولجعل الأمور أسوأ ارتدى الجميع أحذية جلدية كبيرة، وكان كل شيء مبتلا بالمطر على مدار اليوم، وكان المكان أشبه ببركة وحل كبيرة.

ويتحدث عن ظروف العمل القاسية بقوله: كان الأمر محبطا، وكان علينا حفر المزيد من الخنادق، وكنا نحمل المعاول طول اليوم، وكان المئات منا مشغولين بحفر الأرض، لقد كان ذلك شاقا للغاية، وكانت السماء فوق فرنسا تعج بسرب من الطائرات، وكأنها نحلات وفراشات تبحث عن أزهار، دارت اشتباكات جوية مع الألمان، وعلى الأرض كانت المدافع تدوي بلا هوادة، كان المشهد مؤثرا لكنه خطير جدا.

على الرغم من العمل المضني المكلف به العمال الصينيون إلا أنهم لم يكونوا يحصلون حتى على طعام كاف

 

"إنكم لا تمنحونا ما يكفي لنأكل".. عبودية الأمراء

استُخدم العمال الصينيون لجميع أنواع الأعمال، مثل نقل الذخيرة من الموانئ في الشحن والتفريغ، ولنقل الذخيرة في ساحات الحرب وحفر الخنادق وبناء معسكرات وإزالتها، كان هناك العمال شبه المهرة الذين كان يعهد إليهم بمهمات أكثر دقة كأعمال النجارة، أما المجموعة الصغيرة من المهرة الذين قدر عددهم بنحو 500 عامل، فعملوا بمهمات عالية التخصص في السلاح البريطاني الجديد الأكثر سرية، وهو الدبابة.

لم يكن العمال الصينيون مستخدمين عاديين، لقد كانوا عمالا، وفرض عليهم الانضباط العسكري البريطاني، وحددت لهم أوقات للنوم والاستيقاظ، والمهام التي يقومون بها على مدار اليوم. ويذكر هنا "سان جان" في مذكراته معاناة العمال وغطرسة البريطانيين قائلا: اعتبر البريطانيون أنفسهم أمراء وسادة، وبمواقفهم الإقطاعية كانوا يصدرون الأوامر باستمرار، لكن لم يرد أحد الإنصات، وكان هناك انعدام ثقة متبادل أدى لخلق صراعات، وحاول البريطانيون تهديد العمال طول الوقت، إلا أن الجوع ردد بصوت بطونهم الخاوية.

وتتابع تلك المذكرات "في أحد الأيام سرق عامل الطعام من صندوق في قطار مليء بالإمدادات، فضبطه ضابط بريطاني وأراد اقتطاع جزء من أجره كعقاب له". يقول "سان جان": "تدخلت وأخبرت الضابط أننا نحن العمال نعرف معنى الإيثار والعدالة، إنكم لا تمنحونا ما يكفي لنأكل، ولا تستجيبون لمطالبنا، فلا عجب أن نسرق الطعام، أليس هذا خطأكم؟" ويتابع: "في النهاية أصغى الضابط البريطاني، والتزم الصمت".

"كم كان هذا محزنا".. عودة كبش الفداء إلى الوطن

يقول "دومينيك": كانت هناك حقيقة واضحة للأطباء البريطانيين، مفادها أن كثيرا من العمال الصينيين أصيبوا بالجنون في فرنسا، وانتحر بعضهم نتيجة الظروف الصادمة التي وضعوا بها، لم يكونوا منفصلين عن الجبهة، فقد وجدوا أنفسهم في أتون الحرب، لقد كانوا محاطين بالموت في كل لحظة، ويعلمون جيدا أنهم لن يدفنوا بشكل لائق في الصين، فهم يجهلون اللغة، ووجدوا في بيئة مختلفة تماما عما عهدوه، ولم ير معظمهم معدات حديثة، وانخرطوا فجأة في أكثر الحروب الصناعية حداثة.

كان موقف السكان المحليين منهم لطيفا وودودا، ولم يتحاشوا الاختلاط، لكن بعد عام 1919 وبعد انتهاء الحرب تغير الوضع، وأصبح الصينيون كبش فداء لكل شيء لا يسير على ما يرام، كما هو الحال في عام 1918 عندما جرى إخلاء السكان، كان كل شيء حولهم مدمرا، وهم الوحيدون المتجولون، وقد عاشوا غرباء.

يقول "سان جان" في مذكراته: في صباح الخامس من يناير/كانون الثاني عام 1919، تمكنتُ أخيرا من رؤية القمة البيضاء بجبل لوشان عن بعد، لقد شكل الجليد والثلج طبقة سميكة على طرف شبه جزيرة شاندونغ مباشرة، وعندما كنا على وشك النزول رأينا جنودا يقفون على المرفأ، وفور نزولنا هرعوا إلينا لإبقائنا تحت المراقبة، فلم يكن مسموحا لنا بالذهاب والقيام بما نريد، لم يمنحونا أي حرية، وكان مسموحا لنا فقط بالانتظار في مكان محدد للقطار، ولم تكن هناك معاملة خاصة، ناهيك عن أي ثناء من بلدنا، وكان ينظر لنا على أننا عمال فقط ينتفع بلدنا من عملنا، ولكن في الوقت ذاته ينظر إلينا باحتقار وازدراء، كم كان هذا محزنا، كم هو محزن حقا.

بسبب مؤتمر باريس للسلام سنة 1919 الذي خيب آمال الصينيين باستعادة أراضيها المحتلة، تأسس في نفس العام الحزب الشيوعي الصيني

 

مؤتمر باريس.. خيبة أمل الصين الكبرى بالغرب

كان مؤتمر باريس للسلام عام 1919 إحدى خيبات الأمل الكبرى للجمهورية الصينية الحديثة التي أسست عام 1912، فقد ذهب الدبلوماسيون الصينيون إلى هناك على أساس أن الصين تُعامل لأول مرة في الحقبة الحديثة على قدم المساواة مع باقي الدول، لما قدمته من مساهمة كبيرة في إرسال فيالق العمال، وتوقعوا أن يحصلوا على امتيازات من أجل ذلك، لكن ما حدث هو أن الصين لم تستعد أراضيها المحتلة، وبدلا من ذلك سُلمت أرضها من ألمانيا إلى اليابان، وجرى التعامل مع الصين كما لو كانت مع الجانب المهزوم، فانتشر شعور الوطنية في الصين.

يقول "رانا مايتر" أحد المتحدثين في الفيلم: عندما وصلت أخبار المعاهدة المذلة في باريس للصينيين في 13 أبريل/ نيسان 1919، قام نحو 3 آلاف من شباب كبرى الجامعات في العاصمة بالتجمع وعمل مسيرة أمام بوابة السلام السماوية "تين أنمن" الماثلة حتى اليوم أمام المدينة المحرمة.

في الواقع قبل الرابع من مايو/أيار افترض كثير منهم حسن نية الغرب، لكن علموا أنهم خدعوا من قبل الحلفاء، فخاب أملهم وتحولوا إلى أنظمة بديلة، وفي ذلك الوقت تأسس الاتحاد السوفياتي وأصبح قطبا بديلا، فتطلع له الثوار الصينيون الشباب، وشكل العام 1919 رمزية كبيرة للمثقفين، نتيجة التغير السياسي الرئيسي والهائل في الصين، وأدى ذلك إلى ولادة الحركة الشيوعية، وكان الحزب الشيوعي بداية الصين الحديثة.

"كل من عاد بعد الحرب كان بطلا"

ينتقل "لي شيانغ" إلى إحدى الورشات الفنية في الصين، فقد قام النحات بعمل منحوتة مصغرة، ليقوم بعدها بعمل تمثال يمثل العمال الصينيين في الحرب العالمية الأولى كما رآهم هو في مخيلته.

يقول "شيانغ": عندما غادروا كانوا ينحنون تحت وطأة أمتعتهم، وعانوا لاحقا في ميادين القتال، وفي أوقات فراغهم كانوا ينظرون للأفق بعيدا نحو مسقط رؤوسهم، هذه هي الصورة التي تبادرت في ذهني وأردت أن أصورها، ذلك الشعور هو ما أريد إظهاره، أريد أن أظهر احترامي لهم، كل من عاد بعد الحرب كان بطلا، وأصبحوا فيما بعد الجيل الجديد من المصلحين والمجددين.

لكن في المقابل -كما يقول "شيانغ"- لا تتحدث الحكومة الصينية عن تلك الفترة، ولا يمكن أن ندرسها في كتب التاريخ الصيني، لقد "نحتُّ هذا التمثال إعجابا بشعبنا واعترافا بمستقبلنا السلمي، دعونا لا ننسى مساهمة أسلافنا.

أحيت الصين في السنوات العشرين الأخيرة فقط ذكرى هؤلاء العمال، واحتفلت بمساهمتها الفاعلة في الحرب العالمية الأولى، وكان من الصعب قبل هذا التاريخ التحدث بشيء من التاريخ ليس له علاقة ببروز الحزب الشيوعي.

يقول "دومينيك": هناك اتجاهان في المجتمع الصيني بالنسبة للمشاركة الصينية في الحرب، اتجاه تقليدي شيوعي يعتبرها حربا استعمارية لا علاقة لهم بها، واتجاه أكثر حداثة ينظر إلى الماضي على أن الصين كانت لاعبا في الساحة الدولية حتى قبل تأسيس الصين الشيوعية، على الرغم من أنها لاعب أساسي اليوم، لكن من الضروري الاطلاع على الماضي.

أقيم متحف في الصين يحتوي على أكثر من مئة قطعة من الأدوات التي اشتراها العمال الصينيون من أوروبا، واستغرق تجميعها سنوات طويلة، وقد جرى شراؤها من قبل المتحف، وبعضها من قبل الشتات الصيني.

يقول "لي شيانغ": كشخص يعيش في الخارج، بإمكاني التعلق بذلك الحنين الذي شعر به الشعب الصيني نحو موطنه، مرت الآن مئة عام، وينبغي أن يكون لدينا فهم أعمق لهذه الفترة، فهي ثمينة جدا.

ذات صلة

الهنود في الجيش البريطاني.. وقود حرب عظمى ليست حربهم
نقد سينمائي

الهنود في الجيش البريطاني.. وقود حرب عظمى ليست حربهم

بدأت الحرب العالمية الأولى كحرب أوروبية، لكن عواقبها وتأثيراتها كانت أناس من العالم كله، ومن بين هؤلاء جنود هنود مثلوا ثلث جيش بريطانيا، وما أن خبت الحرب وانطفأت، تحولوا إلى رماد وقضوا في أدراج النسيان ولم ينصفهم التاريخ البريطاني ولا حتى الهندي.