تقارير

أرمن سوريا.. هجرة عكسية نحو الشمال

 

سنان ساتيك

"أنا محمد بن عبد الله رسول الله تعالى أعطيت هذا العهد إلى شعب أبراهام البطريرك، وإلى المطارنة والرهبان الأرمن الذين يقيمون في القدس، ووهبت لهم كنائسهم ودورهم وأوقافهم وأراضيهم".

صورة هذا العهد موجودة في كنيسة القديس يعقوب في القدس وممهورة بخاتم النبوة.

 

الهجرة العكسية.. العودة إلى الوطن الأم

قوميات وشعوب عديدة لاذت بسوريا كونها موطنا آمنا فرّوا إليها من صراع وحروب، لكنها اليوم صارت تلوذ من سوريا بملاجئ أخرى بحثا عن الحياة. تشتت السوريون في أنحاء العالم، ومعهم الأرمن السوريون الذين جاؤوا إليها منذ مئات السنين، فمنهم من لجأ إلى الدول المجاورة أو إلى أوروبا، ومنهم من عاد إلى موطنه الأصلي في أرمينيا.

ففي أغسطس/آب 2015 وصل عدد اللاجئين الأرمن السوريين في أرمينيا إلى أكثر من 15 ألفاً، لكن لا توجد أرقام دقيقة في السنوات الأخيرة تبين نسبة المغادرين وعدد الذين بقوا في سوريا، بعدما كان عددهم يتراوح بين 170 ألفا.

حاول الأرمن النأي بأنفسهم عن الصراع في سوريا فعادوا إلى أرمينيا، حيث لا يُعاملون معاملة اللاجئين، بل يحصلون على الجنسية أو بطاقة الإقامة لمدة عشر سنوات، وذلك بموجب القانون الأرميني نظرا لأصولهم، لكن طريق الوصول لم يكن هينا بعد إغلاق مطار حلب، وتوقف رحلات الطيران إلى العاصمة الأرمينية يريفان، ليختاروا العودة عبر تركيا ثم جورجيا لإغلاق الحدود التركية الأرمينية، أو عبر مطار بيروت.

لم يكن جديدا تحرك الأرمن في المنطقة بهجرة عكسية إلى موطنهم الأصلي، فقد عاد عدد منهم من لبنان إبان الحرب الأهلية هناك في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، ومن إيران بعد سقوط الشاه.

خريطة تُظهر توزيع الوجود الأرمني في سوريا وجنوبها، والذي برز بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر

 

شعب في قلب الصراعات.. موجات لجوء متكررة

أرمينيا في آسيا الصغرى هي موطن الشعب الأرمني، بلد تقلّب تاريخه وحُكِم من قوى مختلفة، فتارة وقع تحت الحكم الأخميني، وأخرى تحت حكم الإسكندر المقدوني، وكانت تسيطر عليه أحيانا القوى المتاخمة، فتنمو موجات لجوئهم هربا من الحرب إلى الدول المجاورة. في منطقة تتصف بالصراع الدائم لا بدّ أن يكون التغير الديموغرافي نتيجة له، فالبشر يتنقلون طلباً للأمن، لذلك تحرّك الأرمن دائماً ليتخذوا ملجأ يقيهم نيران الحرب فيستقروا بعيداً عن مناطق النزاع.

يُعتقد أن الوجود الأرمني برز في سوريا وجنوبها بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لكن هذا الوجود يرجع إلى القرن الرابع للميلاد، أي إلى أول عهد اعتناق الأرمن للديانة المسيحية وقدومهم إلى الأرض المقدسة للحج، واستقرار جماعة من الرهبان والحجاج بالقرب من "الغرفة العليا".

بدأت العلاقات السورية مع الأرمن منذ توسع الإمبراطور دكران الثاني فيها (95-55 ق.م)، كما أن جيش زنوبيا ضمّ فرقة من الأرمن، ثم تَتابع الوجود الأرمني في سوريا وتحركهم في هذه المنطقة حسب المتغيرات، حتى وقعت معركة ملاذكرد (1071م) بين البيزنطيين والسلاجقة، فخسر الأرمن عاصمتهم وبدؤوا بالنزوح نحو الجنوب، حيث استقروا في كيليكية، وأنشؤوا إمارة فيها أقامت علاقات تجارية مع المدن السورية، كما انسلوا إليها وسكنوا فيها.

الشاعر الفرنسي "لامارتين" الذي زار دمشق عام 1833 وعُرف بثقافته الواسعة وشخصيته الاعتبارية

 

"هوكيدون" على طريق الحج

وجد الأرمن في سوريا مستقرا مناسبا لكونها قريبة من مناطقهم، فعندما يهربون تصبح أول نقطة استقرار أملا بالعودة، كما أنها على طريق الحج نحو القدس، حيث إنها ممر وخط حيوي يستريح فيها الحجاج ويقيمون دورا تسمى "هوكيدون" أي البيت الروحي، ثم تحولت هذه الدور أديرة مرتكزة للوجود الأرمني، وصار لها رؤساء يقومون عليها، ففي أوائل القرن التاسع عشر كان لهم خمسة رؤساء دينيين في دمشق، وذلك يدل على أن وجودهم قديم، لأنهم أمسوا قوة مجتمعية تحتاج زعامات ترعى شؤونهم، أي أنهم مجتمع سكن فيها وبدأ بناء نسيجه المستقل.

زار الشاعر الفرنسي "لامارتين" رئيس الأرمن في دمشق عام 1833، وقال عنه إنه شخص معتبر ذو ثقافة عميقة وواسعة، ولقد اعتمده إبراهيم باشا المصري رئيساً على ملته في دمشق، وممثلا لها في المجلس البلدي، لم يغادر دمشق أبدا، لكنه يدرك حالة أوروبا السياسية، مطلع على حركة الفكر الإنساني.

انتشر الأرمن في سوريا في مناطق دير الزور واللاذقية والقامشلي وحمص، إضافة إلى دمشق وحلب التي تُعدّ مركز ثقل وجودهم، حيث بلغ عددهم فيها 60 ألفا تقريبا، ولم يكن وصولهم دفعة واحدة، بل كان موجات بين حين وآخر، وكان آخر ذلك الهجرة الحديثة بسبب النزاع مع العثمانيين.

إحدى العائلات الأرمنية المشردة المقيمة في العراء، والتي وصلت إلى سوريا في حالة يُرثى لها

 

النزاع مع العثمانيين.. الإبادة الكبرى

يدلف الأرمن إلى سوريا بعد عام 1915 بأعداد كبيرة، وذلك بالموجة الكبرى من هجرتهم بعد صراع دامٍ يتّهم فيه الأرمن القوات العثمانية بإصدار قرار لإبادتهم، وأنهم قتلوا 1.5 مليون أرمني، مؤكدين أنها إبادة جماعية وتطهير عرقي لهذا الشعب.

أما تركيا فتنفي صدور هذا القرار، لكنها لم تنف صدور أمر بترحيل أرمن من مناطق ذات مغزى إستراتيجي عسكري نتيجة ظروف الحرب العالمية الأولى. ولأن الأرمن كانوا يمتلكون نوايا انفصالية بالتعاون مع روسيا القيصرية، إلا أن عدد ضحايا ذاك التهجير الذي ذكرت تركيا أقل من الأرقام الأرمنية، وتؤكد أن مئات آلاف الأتراك والأرمن قُتلوا في معارك بين القوات العثمانية والروسية للسيطرة على شرق الأناضول خلال الحرب العالمية الأولى.

أحد رجال الفكر في سوريا في بدايات القرن العشرين محمد كرد علي، وهو صاحب كتاب "خطط الشام"، يورد أن سبب قتل العثمانيين للأرمن أن بعضهم قطعوا خط الرجعة على الجيش العثماني أثناء حربه في جبهة روسيا.

جماجم وهياكل عظمية للأرمن الذين يتهمون القوات العثمانية بإبادتهم وقتل مليون ونصف المليون أرمني منهم

 

جمعيات أهلية وثقافية.. المقاومة الفكرية

وصل مشردو الأرمن إلى سوريا في حالة يُرثى لها مقيمين في العراء، فنشأت الجمعيات الأرمنية الخيرية مبكرا، مثل "الجمعية الخيرية العمومية الأرمنية" لمساعدة النازحين، كما شكلوا اللجان للبحث عن التائهين، وجمع شمل من انفصل عن أهله نتيجة السفر الشاقّ وتعدد المسالك.

وبعد الاستقرار النسبي بدؤوا بالتحول من الخيام إلى بناء البيوت ليستقروا فيها، ومنهم من دخل إلى الأحياء الأساسية في المدن متآلفين مع الساكنين الأصليين، محققين التوازن في العلاقات، ومتعايشين مع المجتمع، فبعضهم بدأت أسماؤهم الأرمنية تتلاشى وصارت عربية، ومنهم تحولت ألقابهم إلى المهنة التي يعملون بها.

العلاقات الاجتماعية للأرمن بسيطة لكونهم ذوي خلفية ريفية سِمَتها التعاون بينهم، فقراء يعملون في مهن يدوية ويعيشون في مجتمع يدمج مكونات الشخصية الأرمنية التي ترغب في بقاء الزواج بينهم، يحبون العمل ويلتزمون به بجدية، ويتفاعلون مع البيئة مقتبسين منها ومقتبسة منهم.

مع النهضة الثقافية السورية في بدايات القرن الماضي تأثر الأرمن بها، وأسسوا جمعيات ثقافية هدفت إلى التعريف بالنشاط الثقافي الأرمني ونشره بين الفتيان والفتيات الأرمن، مثل "جمعية الترقي الثقافية – جمعية هاماسكايين" في دمشق، التي عملت على الحفاظ على التراث الأرمني وإقامة نشاطات ثقافية متنوعة.

صورة لسيدة أرمنية في حلب، حيث شكل وجود الأرمن هناك قوة صناعية وتجارية وعلمية مهمة

 

صناعيون وحرفيون مهرة.. نهضة أرمينية في سوريا

كان من بين الأرمن من هم ماهرون في النشاطات المهنية مثل الصياغة وسكب النحاس وحياكة النسيج والخياطة وصناعة الأحذية، كما برعوا في التقسيم العقاري والمساحة والتصوير الضوئي الذي أتقنوه قبل غيرهم، وذلك لإجادتهم اللغات الأجنبية، فاستفادوا ممن نقل هذا الفن وتعلموه من الأجانب.

ومن المهن التي تميزوا بها أيضاً مهنة الميكانيك، فقد طوروا المحركات وعدلوها لتلائم البيئة السورية، وأدخلوا إليها تقنيات جديدة ساهمت في رفع كفاءتها فلقيت إقبالا.

شكّل الأرمن في حلب قوة صناعية وتجارية وعلمية مهمة، وساهموا في نهضتها الاقتصادية، فكان منهم التجار والصناعيون ساهموا في مجالات مختلفة، وقد انتخب التاجر "مانوك قراجيان" عام 1877 نائباً عن ولاية حلب في مجلس المبعوثين الأول (المجلس النيابي في السلطنة العثمانية)، بجانب أرمن آخرين ممن مارسوا أعمالا أخرى ووصل بعضهم إلى البرلمان مثل نظريت يعقوبيان عام 1943.

حروف اللغة الأرمنية التي تنتمي إلى مجموعة اللغات الهندو أوروبية

 

اللسان الأرمني.. لغة عريقة وأبجدية خاصة

تنتمي اللغة الأرمنية إلى مجموعة اللغات الهندو أوروبية. وهي قسمان؛ النحو الأرمني، والأرمني العامي الذي يقسم إلى قسمين؛ لهجة شرقية للأرمن الساكنين في الاتحاد السوفياتي سابقاً وإيران، ولهجة غربية في أرمينيا الغربية، وهي التي درجت في العالم. كما لهم أبجدية خاصة اخترعها عام 405م القديس "ميسروب ماشدوتس" والبطريرك "ساهاك".

تشتهر الأسماء الأرمنية باللاحقة "يان" والتي تعادل آل العربية. ليس من الضروري أن تكون في الاسم ليكون أرمنيا وإن كانت شائعة، لكنهم تأثروا بالمناطق القريبة منهم، فمثلاً القريبون من روسيا تنتهي أسماؤهم بـ"أوف".

اهتم الأرمن بتعليم أولادهم لغتهم الأم للحفاظ على الهوية الثقافية، وأسسوا مدارس أهلية لتبني الثقافة الأرمنية في الخارج وبلورتها، فظهرت أول مدرسة للأرمن في دمشق عام 1865، لكنها توقفت في الحرب العالمية الأولى.

وعلى الرغم من اختلاطهم في المجتمع وانغماسهم فيه، فإن لغتهم العربية ليست صافية، فما زالت لكنتهم تميزهم وليسوا متمكنين منها، فكثيرا ما يخاطبون المذكر بصيغة المؤنث.

أديب إسحق الذي يُعدّ أحد الأرمن البارزين في النشاط الفكري والحكومي

 

فرق الرقص والموسيقى.. جهد ثقافي جامع

بنى الأرمن كتلة كبرى تحتاج جهدا ثقافيا يجمع بينها، فبرز بعضهم في النشاط الفكري والحكومي مثل أديب إسحق (1856-1885)، كما ظهرت أول صحيفة باللغة الأرمنية في حلب باسم "فرات" عام 1868، ثم كانت أول صحيفة أرمنية في دمشق عام 1916 باسم "بورتسانك" (Portsank) أي المصيبة، وتتابع صدور صحف أرمنية تحكي عن قضاياهم وقضايا المجتمع، كما شاركوا في الإعلام المرئي والمسموع.

أنشأ الأرمن فرقا للفنون الشعبية وفرقا للرقص الشعبي مثل فرقة سردبارد وفرقة جیروكیجیجیان وفرقة كورال حلب للغناء الجماعي، وساهمت فرق مسرحية بعروض محلية متواضعة.

في المآسي والآلام تتفتح قريحة الأدباء والشعراء، لذلك اهتم الأدباء الأرمن بشتاتهم وهجرتهم ورحلتهم الطويلة لإيجاد مأوى، فكتبوا روايات عن حالهم تُصوّر الواقع البائس والفقر المدقع في مخيمات اللجوء مثل "موشيغ إشخان"، كما نشطوا في الترجمة من العربية وإليها بعد مرور سنوات على وجودهم وإتقانهم العربية.

ذات صلة

مريانا مراش.. رائدة الشعر النسائي السوري وأول صالون أدبي
نقد سينمائي

مريانا مراش.. رائدة الشعر النسائي السوري وأول صالون أدبي

شاء القدر لمريانا مراش أن تكون صرختها الأولى في حلب في أغسطس/آب عام 1848، ففتحت عينيها على الحياة فيها لأنها كانت مركزاً فكرياً مهماً في ذلك الوقت، فكثير من أبنائها مشغولون ببناء المستقبل والنهضة العربية، وتأسيس حضارة شبيهة بالحضارة الأوروبية.