تقارير

أطوار الكون.. كما يفسرها فيزيائيو الفلك

 

يمان الشريف

عصور من الظلام تخللتها محاولات لارتشاف جرعات من النور تمحو معالم الهرطقة والرجوع الفكري الذي ساد أوروبا ما بين القرن الخامس والخامس عشر الميلادي، وانتهت على أيدي نخبة من علماء أوروبا أمثال الفيلسوف "ديكارت" والفلكي "غاليليو غاليلي" والرياضييْن "إسحاق نيوتن" و"غوتفريد ليبنيز"، وغيرهم من الذي أحدثوا طفرة علمية فريدة استمرت لقرون طويلة لاحقا ومرّت ببلدان عدة وصنعت أباطرة في العلوم، قد ساهموا جميعهم في صياغة أسس النموذج العلمي الحديث في الرياضيات والفيزياء ولا سيّما في علم الفلك.

 

البحث عن البداية

على الرغم من ولع الفلاسفة والفلكيين والفيزيائيين في تفسير الظواهر الكونية تفسيرا علميا كشرح نموذج النظام الشمسي، إلا إن السجلات التاريخية لم تشر إلى أي محاولات جادة في ما يتعلق بدراسة نشأة الكون علميا في تلك الحقبة، وجاء وصف ذلك على لسان عالم الفيزياء النظرية "ستيفن واينبرغ" (Steven Weinberg) الحائز على جائزة نوبل للفيزياء عام 1979: "إنني أذكر خلال الفترة التي كنت بها طالبا وكنت أعمل على أبحاثي الخاصة في خمسينيات القرن الماضي، أنّ دراسة الكون البدائي ونشأته لم تكن تعد من المجالات التي قد يكرّس العالم المرموق وقته لها".1

لكن خيوطا رفيعة تقودنا نحو ورقة علمية بدت أنها منسيّة قدمها كاهن كاثوليكي وفلكي يُدعى "جورج لومتر" (Georges Lemaître) عام 1927، يقترح بها نموذجا رياضيا مقنعا لمعادلات النسبية العامة لألبرت أينشتاين، مع افتراض حالة خاصة للكون وهو أن يكون في حالة توسع.2

وكذلك خيوط أخرى تعرج بنا في صفحات التاريخ إلى ما هو أسبق من ذلك إلى عالم الفيزياء والكونيات الشهير "ألكسندر فريدمان" (Alexander Friedmann) الذي نشر أطروحته العلمية التي تتألف من عشر صفحات وعنوانها "حول انحناء الفضاء" عام 1922، التي صاغ بها حلولا رياضية لمعادلات النسبية العامة بأكثر من نموذج ممكن سواء بافتراض أن الكون يتسع أو ينكمش، ولم يكن يهمه في الحقيقة شكل الكون ولا أصله، وإنما اهتم بالنماذج الرياضية فحسب.3

بقت تلك النماذج الرياضية وتلك الأفكار حبرا على ورق لا تجد لها آذانا صاغية، وكلما وجدت لنفسها طريقا كي تكون محل نقاش ما لجلسة علمية، لقت تجاهلا واستياء من جمهور العلماء آنذاك، فبالنسبة لهم لا يمكن للكون أن يتسع لأن المعنى وراء اتساعه هو أنه في لحظة ما كان مطبقا على نفسه ثم فجأة بدأ كل شيء بالابتعاد عن بعضه الآخر من نجوم وكواكب وغيره، وهذا ما سيطلق عليه لاحقا بنظرية الانفجار العظيم (Big Bang Theory) التي عانت في بداية ظهورها.

 

انفجارٌ عظيم.. أم نظرية أخرى؟

مشاهدة السماء ليلا قد تترك انطباعا قويا عن كون ثابت غير متغير، فالنجوم تبدو في مواقعها والكواكب تدور في مدارات إهليجية مستقرة كما قد وصف حركتها الفلكي "يوهانس كبلر" قبل أربعة قرون، ومذنبات تجوب سماء الأرض في فترات زمنية محددة كمذنب هالي الذي يظهر كل 75 سنة، فكل شيء يبدو في ثبات، وهو ما يدعم النظرية التي اقترحها نخبة من علماء الفلك أمثال "هرمان باندي" و"توماس غولد" والعالم الشهير "فريد هُويل" الذي بدا متعصبا جدا لنظريته وهي نظرية "الحالة الثابتة للكون" (Steady State Theory) التي تبلورت عمليا في أربعينات القرن الماضي.

تعد نظرية الحالة الثابتة للكون الند التاريخي لنظرية الانفجار العظيم، وتنص على أنّ الكون كان وما زال كما هو وسيبقى كذلك، ولم يكن هناك أي بداية، وهذا كل ما في الأمر. إلا إنّ اكتشافين ثوريين أطاحا بهذه النظرية تماما وعززا نظرية الانفجار العظيم حتى باتت معتمدة تحت أروقة الجامعات وفي مراكز الأبحاث العلمية.

 

الاكتشاف الأول.. الانزياح الأحمر

يعود الكثير من الفضل في قلب مفاهيم البشرية عن الكون إلى عالم الفلك "إدوين هابل" (Edwin Hubble) الذي ظهر في النصف الأول من القرن الماضي مستعينا بمرقابه (تلكسوبه) ذي الـ100 بوصة من أعلى قمة جبل ويلسون بمدينة كاليفورنيا، إذ إنه استطاع أن يدرك أن الكون لا ينحصر بمجرتنا وحسب، بل هناك الكثير من المجرات تحيط بنا، ذلك بعد أن راقب مجرة المرأة المسلسلة (الأندروميدا أو مجرة الصوفي) المجاورة وحسبَ المسافة الفاصلة بيننا، فوجد أنها تبعد مسافة ثمانية أضعاف أبعد نجم عن الأرض داخل مجرتنا درب التبانة. وثم في عام 1929 قاده اكتشافه الثوري إلى أن يعتلي المراتب العلمية المرموقة حينما لاحظ أنّ هذه المجرات تتحرك مبتعدة عن الأرض بسرعات كبيرة للغاية.4

ظاهرة دوبلر تكشف لنا ما إذا كانت الأجسام تبتعد عنا أو تقترب وتستخدم في رادارات السرعة

 

استعان العالم هابل بظاهرة فيزيائية تدعى "تأثير دوبلر" (Doppler Effect) تم اكتشافها بفضل الفيزيائي الذي تحمل اسمه "كريستان دوبلر" (Christian Doppler) عام 1842، وتعتمد هذه الظاهرة على خاصية حركة انتقال الأمواج سواء بوجود أو عدم وجود وسط مادي. فلو كانت هناك موجة ضوئية أو صوتية قادمة نحونا تم رصدها من مصدر غير متحرك، سنجد بأنّ الطول الموجي ثابتا، ويمكننا القول بأن الطول الموجي هو المسافة التي تفصل بين قمم الوحدات الموجية المتماثلة والمتشابهة.5

أما إذا تحرك مصدر الضوء أو الصوت مقتربا نحونا، فسنلاحظ انكماشا في الطول الموجي مع مرور الوقت أثناء رصد الموجة، والسبب هو أن المسافة بين قمم الوحدات الموجية المتشابهة تبدأ بالتقلص والانضغاط. وفي المقابل، حينما يبتعد عنا المصدر الباعث للموجات، نجد أن الطول الموجي يستطيل لأن المسافة بين قمم الوحدات الموجية تزداد وتتمدد مع مرور الوقت.

ويمكن إسقاط تلك الظاهرة الفيزيائية على دراسة حركة الأجرام السماوية لأن الضوء الناتج من النجوم ليس إلا موجات كهرومغناطيسية يتعرض طولها الموجي للانكماش أو التمدد بحسب حركة النجم. وفلكيا يطلق على الموجة الضوئية أثناء اقترابها بظاهرة الانزياح الأزرق (blue shift) لأن الأزرق صاحب أقصر طول موجي في موجات الطيف المرئي، وإذا ابتعدت الموجة أظهرت انزياحا نحو الأحمر (red shift).

وأثناء دراسة العالم هابل لحركة 24 مجرة حولنا وجد أن أطوالها الموجية تتعرض لظاهرة الانزياح الأحمر، وهو ما يشير إلى ابتعادها عنّا، وحينها استنتج بأن الكون ليس كما يختزله مشهد سماء الأرض بسكونه وثباته، بل أن هذا الكون في حالة توسع وتمدد. وهو ما وجّه أعين العلماء إلى أول دليل ملموس عن فكرة بداية الكون من نقطة منفردة واحدة.

الخلفية الميكروية الكونية كما رصدها مسبار "بلانك" عام 2013.

 

الاكتشاف الثاني.. إشعاع الخلفية الكونية الميكروي

يقول الأديب الانجليزي "ويليام شكسبير" في مسرحيته الكوميدية الرعوية "كما تشاء": إنّ العالم مسرح، والناس فيه ممثلون، كلٌ يدخل إليه ويخرج منه".6

لابد أنّ شكسبير كان محقا في قوله أن هذا الكون يبدو كمسرح ضخم وكل تفصيل فيه يحمل دلالة لشيء ما، فما إن انقضى عصر انجازات الفلكي هابل الذهبية في علم الفضاء إلا وبدأ عصر ذهبي آخر بريادة عالم الفيزياء النظرية "جورج جامو" (George Gamow) الذي اشتهر بشخصيته الفكاهية والساخرة.

في أربعينيات القرن الماضي غيّر "جامو" اهتماماته العلمية من النظرية النسبية إلى علم الفلك، إذ كان يعتقد بأن هذا المجال غني بالمعلومات غير المكتشفة بعد، فكل ما نعرفه عن الكون آنذاك أنه مظلم وفي حالة اتساع فقط.

لقد كان جاموف مغرما باعتقاد أن العالم قد بدأ من نقطة واحدة، بانفجار هائل دفع هذا الكون أجمعه بكل ما يحتويه من كتلة وطاقة، ومتسائلا في ذات الحين عن إمكانية تواجد بقايا "مستحاثات سماوية" في الكون لهذا الانفجار العظيم الذي حدث من مليارات السنين؟ بدا له تساؤلا محبطا خارجا عن نطاق قدرته للإجابة عليه، فعلم الفضاء ليس مبنيا على التجارب المعملية، بل على المراقبة والتحليل الرياضي.

لكن ذلك لم يمنعه من أن يضع بصمته الخاصة بالمشاركة مع طالبيه "رالف ألفر" و"هانز بيث" في ورقة بحثية بعنوان "نظرية أصل العناصر الكيميائية" عام 1948، والتي تحاول شرح أصل انتشار العناصر الكيميائية في الكون مع افتراض انفجار نووي هائل حدث في البداية. فوفقا لهذه النظرية، بعد الانفجار الأولي، تشكلت أنوية الذرات الأولى عن طريق اندماج زوجين وثلاثة أزواج من جسيمات دون الذرية وهي نيترونات متكافئة الشحنة وبروتونات موجبة الشحنة، ويشار إلى هذه الورقة أيضا بورقة "ألفا بيتا جاما" (αβγ) -الأحرف الأولى في أبجديات اللغة اليونانية-.7

لوح فوتوغرافي لمجرة أندروميدا، صورّه الفلكي إدوين هابل باستخدام مرصد "ماونت ويلسون" عام 1923

 

الجسم الأسود.. نجوم مشعة

لقد تبنّت النظرية تكوين بقية العناصر الكيميائية الطبيعية الأثقل عن طريق اندماج نووي بين الذرات الأخف، كما هو الحال عند اندماج 4 ذرات من الهيدروجين لتكوين ذرة واحدة من الهيليوم تحت تأثير حرارة وضغط عاليين. لقد كان ذلك مدخلا لـ"جامو" للقيام بتخمينات رياضية لحساب حرارة تلك الكرة الملتهبة الممتلئة بجسيمات النيترونات لحظة الانفجار العظيم، آملاً من إمكانية حساب الأشعة الطبيعية المتبقية الصادرة من هذا الانفجار في الكون.

لقد لاحظ "جامو" أثناء حساباته أنّ الإشعاعات الصادرة من الانفجار العظيم تتصرف على نحو أشعة صادرة من "جسم أسود" (Black body) -الجسم الأسود نظريا هو نموذج وهمي في علم الفلك يمتص جميع الأشعة الكهرومغناطيسية الساقطة عليه ويبعث حرارة تتناسب مع حرارة الجسم، ويمكن اعتبار جميع الأجرام السماوية أجساما سوداء جزئيا، ويمكننا الاستعانة بهذه الوسيلة لحساب درجة حرارة النجوم بحسب لونها.

وبواسطة دراسات مكثفة استطاع "جامو" أن يقدّر درجة حرارة الكون بعد مضي عصور وسنوات طويلة على نشأته، إذ كانت حساباته تشير إلى أن حرارة الكون تساوي 5 درجات فوق الصفر المطلق، وهي قريبة للغاية للقيمة الحقيقية التي تمر رصدها لاحقا وتساوي 2.7 درجة فوق الصفر المطلق (سالب 270,3).8

لاحقًا في عام 1964، استطاع الباحثان "روبرت ويلسون" (Robert Wilson) وزميله "أرنو بنزياس" (Arno Penzias) من كشف الستار عن أعظم الاكتشافات في تاريخ علم الفلك؛ ألا وهو اكتشاف الخلفية الكونية الميكروي، الذي عزز نظرية الانفجار العظيم ودعّم أركانها.

بعد مرور 300 ألف سنة بردت مادة الكون فاصبح الكون شفافا، ليسمح لأول شعاع من الضوء بالعبور

 

الكون الشفاف.. 300 ألف سنة

ترمز الخلفية الميكروية الكونية إلى صورة الأشعة المنتشرة بانتظام في خلفية الكون السوداء، ولا يمكن مراقبتها إلا باستخدام تلسكوب راديوي، وتكمن أهمية هذه الصورة إلى كونها دليلا عمليا على نظرية الانفجار العظيم. إذ إن بعد الانفجار وقبل تشكل النجوم والمجرات وكما تنبأ العالم جاموف، كان الكون عبارة عن بلازما هيدروجينية شديدة الحرارة والكثافة تتألف من الإلكترونات والبروتونات وأنوية الهيدروجين، ولم يكن من الممكن أن تتشكل أي ذرة هيدروجين حينها بسبب الحرارة المرتفعة (الذرة هي نواة تدور حولها إلكترونات).

ومع مرور الوقت، بردت البلازما شيئا فشيئا وانخفضت حرارتها إلى أن سمحت بتشكل ذرات الهيدروجين باتحاد البروتونات مع الإلكترونات، وثم ظهرت ذرات الهيليوم، وبعدها تكتلت الذرات حول بعضها البعض معلنة بدء عصر تشكل النجوم، وأصبح الكون معها شفافا يسمح للضوء بالانتقال.

تنتشر هذه الأشعة الكهرومغناطيسية في أرجاء الكون بنفس الشدة والتركيز مع تباينات طفيفة للغاية، وتشير إلى درجة حرارة الكون البالغة 2.725 كلفن. ويقدر عمرها 380 ألف سنة من لحظة الانفجار العظيم، ولم يتغير التوزيع الحراري في الخلفية منذ ذلك الحين إلى اليوم، وتُعد أقدم ما استطاع العلماء أن يجدوه من عمر الكون البالغ 13.7 مليار سنة. وإذا تخيلنا أن الكون يمثل رجلا عمره 80 سنة، فإنّ هذه الصورة ستظهر ذلك الرجل كطفل حديث الولادة عمره أقل من يوم واحد.9

الانفجار العظيم هو أول مراحل الكون ومنه ولد الزمان والمكان

 

أطوار الكون الخمسة

محطات فارقة في عمر الكون قد شكلّت الصورة النهائية لما هو عليه اليوم، وما زالت منعرجات أخرى في طور التغير والتغيير كما تتوقعه نظرية الانفجار العظيم، التي تفترض وجود نقطة بداية واحدة لهذا الكون بأسره؛ نقطة في منتهى الصغر، مقارنة بحجم الكون اليوم، فكان الانفجار، أو كما يشار إليه بالانفجار العظيم ليشهد بذلك الكون ولادة نفسه، ليتضاعف حجمه على الفور أوكتليون مرّة (1 يتبعه 27 صفرا) في ظرف أقل من تريليون جزء من الثانية (1 يتبعه 12 صفرا) لتصبح كبالون كبير منتفخ، وهي المرحلة الحرجة من عمر الكون التي تدعى بمرحلة التضخم (Inflation) التي تضخم فيها الكون أضعافا مضاعفة في وقت ضئيل جدا.10

وعطفا على كل ما سبق، حاول فزيائيون وفلكيون أمثال "فريد آدمز" و"غريغ لافلين" من جامعة "ميشيغان" في الولايات المتحدة، من تقسيم المراحل العمرية للكون لكي يسهل دراسته لاحقا في كتابهما "عصور الكون الخمس" بداية من مرحلة الانفجار العظيم وانتهاء بمرحلة نهاية عمر الكون، كالآتي:

السدم هي المحاضن التي تولد فيها النجوم بأحجامها وألوانها المختلفة

 

العصر الأولي (بين 10-50 و105 سنة)

بعد لحظات وامضة من الانفجار العظيم كانت درجة حرارة الكون تبلغ مليار درجة مئوية، وسرعان ما انخفضت حرارته مع التوسع السريع الذي تبع الانفجار. في هذه المرحلة كانت القوى الأربعة الطبيعية متحدة في قوة واحدة، قبل أن تتفكك وتنفصل عنهم قوة الجاذبية أولا ثم تتبعها القوة النووية القوية ثم القوة الكهرومغناطيسية فالقوة النووية الضعيفة.

لم يكن من الممكن أن تتشكل أي ذرة كيميائية في بداية هذه الفترة لعدم قدرة الإلكترونات المتطايرة في البلازما الكثيفة لأن تتحد مع البروتونات والنيترونات بسبب الحرارة العالية آنذاك، وعندما انخفضت درجة حرارة الكون إلى 3000 كلفن بعد مضي أكثر من 300 ألف سنة مقدرة، ظهرت أول ذرة هيدروجين وظهر معها أول شعاع ضوئي مع انفصال الفوتونات من المادة في الكون. في هذه اللحظة تحول الكون فجأة من حالة معتمة تماما إلى كون شفاف يمكن للضوء أن ينتقل خلاله.11

يقدر عمر النجوم بين بضعة ملايين من السنين ومئات المليارات منها بحسب كتلتها وحجمها

 

العصر النجمي (بين 106 و1014 سنة)

نعيش نحن اليوم في هذه المرحلة الكونية حيث بدأت من تشكل النجوم بسبب تكتّل غاز الهيدروجين وانضغاطه على نفسه بفعل الجاذبية، مما ولّد انبعاثات للطاقة ناتجة من تفاعلات نووية تعرف بالاندماج النووي لذرات الهيدروجين. وبعد ذلك بدأت التكتلات النجمية على حدة تأخذ حيزا أكبر في الكون لتشكل لاحقا المجرات بمختلف أشكالها، والمجرات كذلك تجمعت ضمن مجموعات من ذاتها تعرف بالعنقود المجري، وهكذا كلٌ يسبح في مجراه في الكون.

وتعُزى نظرية نشأة كواكب المجموعة الشمسية إلى إحدى الأطروحات العلمية التي ما زالت محل خلاف لكنها الأكثر قبولا وهي "نظرية التراكم الأساسي" (The core accretion model) أو الغيمة السديمية، التي تنص على أنه وقبل 4.6 مليار سنة كانت المجموعة الشمسية عبارة عن غبار كوني وسديم شمسي متطاير في الأرجاء، وبفعل الجاذبية تكتل هذا السديم حول وسطه بينما كان في حالة دوران، فتشكلت الشمس مع مرور الوقت.

وما تبقى من مواد أخرى تكتلت على نفسها كذلك بفعل الجاذبية، وبفضل الرياح الشمسية التي ساعدت على طرد وإبعاد العناصر الخفيفة من الحيز القريب للشمس، تبقى حينها العناصر الأثقل كالنيكل والحديد وبقية العناصر الكيميائية الثقيلة التي ساعدت على تكوين لب الكواكب الصخرية للمجموعة الشمسية، كالأرض والمريخ.12

لم تكن الأرض على حالها منذ نشأتها، فقد مرّت بتقلبات مناخية مريعة وحوادث طبيعية مدمرة على مدار السنين الطويلة، ولكنها وصلت إلى ما آلت إليه الأمور بصورتها اليوم "الكوكب الأزرق". ويرتبط مصير كوكب الأرض، بل جميع كواكب المجموعة الشمسية بمصير الشمس، التي قطعت نصف عمرها الافتراضي البالغ 4.6 مليار سنة بعد استهلاكها لجزء من وقودها الهيدروجيني. ومع مضي الوقت سيزداد حجم الشمس وستزداد توهجا، ما يعني فناء الحياة على كوكب الأرض، لكن ذلك لن يحدث إلا بعد بضع مئات من ملايين السنين.

يبلغ نصف قطر نجم "يو واي الترس حوالي 1700 مرة أكبر من نصف قطر الشمس.

 

عصر الانحلال (بين 1015 و1039 سنة)

في هذه المرحلة، تستنفد النجوم أخيرا جميع وقودها بتوقف عملية الاندماج النووي بين الهيدروجين والهيليوم وما يتبعهما من عناصر تستهلك بسرعة، وكل ما يتبقى أجرام عليها بقايا تفاعلات نووية ميتة، متآكلة الأطراف ومنكمشة على نفسها تسبح في فضاء شاسع على هيئة نجوم قزمة أو نجوم نيترونية أو ثقوب سوداء. ومع خفوت سطوع النجوم يغدو الكون في ظلام دامس تدريجيا. لكن ذلك لن يبدأ قبل بضع مئات من مليارات السنين.

ولأن النجوم ستتوقف عن العمل، فإن إمكانية الحياة على الكواكب التي تدور حولها تتوقف أيضا بسبب انخفاض درجة الحرارة وتدني مستوى الطاقة الكبير. ويتناسب عمر النجم مع كتلته رياضيا بعلاقة عكسية، فكلما زادت كتلة النجم زاد استهلاكه للوقود، وبالتالي قلّ عمره الافتراضي، وشمسنا تُصنّف من النجوم متوسطة الحجم أو القزمة إذا ما قارنّاها بعمالقة النجوم مثل نجم "يو واي سكوتي" (UY Scuti) الواقع في منتصف مجرة درب التبانة في كوكبة الترس (Scutum)، يعود اكتشاف هذا النجم إلى فلكيين ألمان في "مرصد بون" (Bonn Observatory) عام 1860، وتعيش هذه النجوم بضع ملايين من السنين فقط، وليس كحال شمسنا التي تعيش بضع مليارات من السنين.13

لكن ثمة نجوما أخرى صغيرة للغاية عشرات أضعاف حجم الكواكب الكبيرة، بإمكانها النجاة لسنوات أطول وقد تعيش لعدة تريليونات من السنوات، وهي النجوم القزمة الحمراء. ومن المثير للغاية أن أقرب النجوم إلينا وهو نجم رجل قنطورس الذي يبعد عنا 4.3 سنة ضوئية يُعدّ قزما أحمر، ويشغل هذا النجم فقط 15% من كتلة الشمس مما يتيح الفرصة لأي كوكب يدور حوله إن كان صالحا للحياة بأن ينجو في ظل هذه الظروف العصيبة من الكون.14

لكن بعد عدة تريليونات من السنوات من عمر الكون، حتى هذه الأقزام الحمراء ستضمحل وتنتهي في نهاية المطاف ولن يتبقى سوى وحوش أخرى تحوم في سبحات ودهاليز الكون، إنها الثقوب السوداء.

يعتقد باحثون بأنه جميع الثقوب السوداء في آخر عمر الكون ستتبخر

 

عصر الثقوب السوداء (بين 1040 و10100 سنة)

لن يتبقى في هذه الحقبة الزمنية من الكون أي مصدر مشعّ للطاقة؛ فقط الثقوب السوداء، وهي أجرام ناتجة من التحول الدراماتيكي للنجوم العمالقة بعد نهاية حياتها، إذ إنّ النجوم الضخمة تنهار على نفسها بسبب تفوق قوة جاذبية النجم على القوة المعاكسة المتمثلة في إشعاعات التفاعلات النووية إلى الخارج. وبعد الانهيار المهيب للنجم ينفجر على شكل مستعر أعظم "سوبر نوفا" تنشر ضوءا اقوى من ضوء مجرة بأكملها لأيام أو أسابيع، ثم تخبو لتتجمع بواقي كتلة النجم في المركز على شكل "نقطة تفرد" (singularity) ذات جاذبية غير محدودة، ويزيد حجم وكتلة الثقب الأسود كلما قام "بابتلاع" ما حوله من مادة.

في عام 1974، صدم عالم الفيزياء النظرية "ستفين هوكينج" (Stephen Hawking) المجتمع العلمي عندما وضع نظريته التي تنص على أنّ الثقوب السوداء تنتج انبثاقات حرارية ويتسرب من داخلها جسيمات ما دون الذرية، وهو ما يعرف اليوم بأشعة هوكينج للثقوب السوداء.15

واستنادا على هذه النظرية، فإنه حتى الثقوب السوداء ستتبخر ولو كان ذلك وفق رتمٍ بطيء، لكن بالنهاية ستضمحل وتنتهي، ويمكننا حسابيا القول بأن ثقبا أسود بحجم الشمس سيتبخر ويختفي خلال 1066 سنة، وكلما كانت كتلة الثقب الأسود أكبر سيستغرق ذلك وقتا أطول.

وفقا لبعض النظريات فإن الكون زائل وآيل إلى ظلام محتوم

 

عصر الظلام (ما بعد 10101 سنة)

في هذا العصر سينتهي كل مصدر للطاقة نعرفه، وسيتجه الكون ببطء نحو مستقره بينما تقترب درجة حرارته من الصفر المطلق، حينئذ، ربّما حتى البروتونات ستضمحل، تاركة وراءها فوتونات متقاذفة في الكون وتفاعلات محدودة للغاية بين نيترونات وإلكترونات وبوزترونات (البوزترونات هي مضاد جسيمات الإلكترون). ويُخمن علماء الفيزياء النظرية أن في هذه المرحلة قد يتشكل نوع جديد من الذرات الكيميائية تدعى "بوزترونيوم" (positronium) من مجموعة من الإلكترونات والبوزيترونات تدور حول بعضها البعض.

وختاما يقول الفيزيائي "توني روثمان" (Tony Rothman) بهذا الصدد: "ها أخيرا، بعد 10117 سنة، العالم سيتكون من حفنات من إلكترونات وبوزترونات مقيّدة في مداراتها المضجرة، وبقايا نيوترونات وفوتونات من اضمحلال الباريون، وبروتونات ضالة ناتجة من فناء الثقوب السوداء. كل ذلك أيضا مكتوب له قدر".16

غير أن العالم سيكون قد كتب له قدر آخر، وتكوّن منذ أمد بعيد في هيئة مختلفة كليا لا يذكرها الفيزيائيون ولا تفسر كُنهها قوانينهم التي نحياها..

إنها.. "حياة الخلود".

 

المصادر:

[1] وينبرغ، ستيفن (1977). الثلاث دقائق الأولى: نظرة حديثة عن أصل الكون. نيويورك، باسيك بوكس. ص13

[2] المتحف الأمريكي لتاريخ الطبيعة. جورج لوميتر: أبو نظرية الانفجار الكبير. تم الاسترداد من: www.amnh.org

[3] ألكسندر، فريدمان (1922). حول انحناء الفضاء.

[4] ألفرد، راندي (2009). 30 ديسمبر 1924: هبل يخبرنا أننا لسنا وحدنا. تم الاسترداد من: www.wired.com

[5] محررو الموسوعة البريطانية (2008). ظاهرة دوبلر. تم الاسترداد من: www.britannica.com

[6] شكسبير، ويليام (1623). مسرحية كما تشاء. ص50

[7] محررو الموسوعة البريطانية (2020). جورج جاموف. تم الاسترداد من: www.britannica.com

[8] كاكو، ميتشو (2004). الأكوان المتعددة. نيويورك، دوبلداي. ص57

[9] هويل، إليزابيث (2018). خلفية الكون الميكروية: بقايا الانفجار الكبير. تم الاسترداد من: www.space.com

[10]تشيلدرز، تيم (2019). قد نتمكن أخيرًا من فهم لحظات ما قبل الانفجار العظيم. تم الاسترداد من: www.space.com

[11] كين، فريزر (2016). متى كان أول ضوء في الكون؟. تم الاسترداد من: https://phys.org/

[12] تايلر ريد، نولا (2016). كيف نشأت الأرض؟. تم الاسترداد من: www.space.com

[13] تايلر ريد، نولا (2018). ما هو أكبر نجم؟. تم الاسترداد من: w

[14] كاكو، ميتشو (2004). الأكوان المتعددة. نيويورك، دوبلداي. ص297

[15] فور، ميريديث (2019). أظهرت دراسة جديدة مثيرة أن ستيفن هوكينج كان على حق: الثقوب السوداء يمكن أن تتبخر. تم الاسترداد من: www.livescience.com

[16] كاكو، ميتشو (2004). الأكوان المتعددة. نيويورك، دوبلداي. ص299

ذات صلة

الشفق القطبي.. رقص على أنغام الشمس
نقد سينمائي

الشفق القطبي.. رقص على أنغام الشمس

الشفق القطبي ظاهرة طبيعية تشاهد من الدول القريبة من القطبين وسببها تفاعلات بين جسميات الشمس المشحونة التي ترتطم بغلاف الأرض الأيوني فيحولها إلى ألوان زاهية وعورض متحركة تسلب الألباب.