تقارير

أقلام ضد الرصاص.. صمود حلم وقلم في مواجهة القذيفة

 

سناء نصر الله

في سوريا أطفال كبروا قبل أوانهم وزهور قطفت قبل نضوجها، لقد مزقت آلة الحرب أجسادا غضّة وشوّهت أرواحا يانعة، تركت الحرب بصماتها القاسية ووطأتها الثقيلة على هؤلاء الصغار، سكن الخوف قلوبهم وبعثرت أحلامهم في مهب الريح، قُتل من قُتل، وشُرد الكثيرون وهُجّروا.

صورة قاتمة لمستقبل مجهول، أمام مرأى العالم ومسمعه تعرض الصغار والكبار لهذا المصير المفجع وتركوا لأقدارهم تحت براثن نظام لامكان للرحمة في قاموسه الدموي غير الإنساني.

هذا الفيلم الذي أنتجته قناة الجزيرة الوثائقية تحت عنوان "أقلام ضد الرصاص" يلقي الضوء على قصص لأطفال هزموا ظروف نزوحهم، وتعالوا على جراحات أحدثت شروخا في أرواحهم، وتشبّثوا بأحلامهم وخرجوا من ركام الحرب ليثبتوا للعالم أن الحياة تليق بهم.

 

حين تضيق بنا الحياة.. براءة الطفولة تتحدث

تفتح الكاميرا على مشهد لمدرسة متهالكة، آثار القصف تبدو لكل ناظر، الطفلة ساجدة محمد في ربيعها الحادي عشر في الصف السادس تجلس في هذا المكان وتتساءل بعفوية فرضتها الطفولة: لماذا هُجرّت؟ وما هو ذنبي؟ ولماذا تعرضت للنزوح؟

لكنها في الوقت ذاته تتحدث بعمق يفوق عمرها، عن طفولة ضاعت لتُحرم من أبسط الحقوق، فالحرب ليست حربهم والذنب ليس ذنبهم.

يعرض الفيلم قصة ساجدة التي جاءت من ريف حماة من كفر نبودة، تروي كيف أصبحت ظروف الدراسة صعبة عليها بسبب النزوح والقصف، وكيف أن الحزن يتملّكها وقت انقطاعها عن التعليم.

مروة حجازي طالبة في الصف السادس الابتدائي تعبر عن مدى فرحتها بالتعليم الإلكتروني

 

تقول إنها تخاف من الجهل لأنه سيأتي يوم يعاتب الإنسان نفسه فيه على عدم إكمال الدراسة، ورغم أن بعضنا سيفشل إلا أن العلم مفيد لنا.

أما أحمد زكور في الصف الخامس، وهو من مدينة طبقة التي تعرضت للقصف، فقد اضطر أهله للنزوح إلى مدينة حزانو، يقول إنه عندما تتعرض المدرسة للقصف يقوم المدرّسون بصرفنا إلى البيوت خوفا علينا.
كما نتعرف خلال الفيلم على عمار الزين الفتى في الصف السابع، الذي استُشهد والده جرّاء القصف على منطقته، مما دفعه للانقطاع عن دراسته ما يقرب العام ونصف العام، ولم يعد راغبا بالذهاب إلى المدرسة، ولم يجد من يشجعه.

ورغم صغر سنه فقد اختصر واقعه بكلمات معبرة ومُرّة يعجز الكبار عن ذكرها، يقول: إن الحياة ضاقت عليه بعد والده ولم يعد يجد طعما لها، ولكن شعوره بالمسؤولية وخوفه من أن يصبح جاهلا ويتّبعه إخوته الصغار، هو ما دفعه إلى العودة من جديد.

أما مروة حجازي البالغة من العمر 13 عاما، فهي الآن في الصف السادس في مدرسة القادسية بحزانو، فقد تركت المدرسة بسبب استشهاد إخوتها بأوقات مختلفة، كانت هواجسها وخوفها من مستقبل مظلم تكون فيه جاهلة، كان والدها يشتري لها الكتب لتدرس في البيت والتحقت بمعهد لتحفيظ القرآن، وعندما ترى رفاقها يتخرجون ويحصلون على أعلى الدرجات وهي لا تستطيع التعلم ينتابها الحزن.

النظام السوري دمر أكثر من 5000 مدرسة وحرم الملايين من الأطفال من الدراسة

 

قصف المدارس.. حكايات النازحين

يقدِّم الأهالي وأولياء الأمور المتحدثون في الفيلم روايات حيّة عن القصف الذي تعرضت له مدنهم وقراهم، وبالطبع المدارس التي أصبحت مكانا خطرا غير آمن لا يمكن للأبناء فيه أن يواصلوا دراستهم، فبدون الأمن لا يمكن أن يقدم العلم.

يعرض النازحون صورا مأساوية عن معاناتهم في الهروب من مناطقهم إلى مناطق جديدة لا تقل خطورة عن أماكنهم التي كانوا فيها، يتحدثون عن مأساتهم وهم يرون فلذات أكبادهم يتعرضون للموت والجهل والفقر.

وبإضافة إلى المشاكل المباشرة الناجمة عن استهداف المنشآت التعليمة، فقد تحدث الأهالي عن النقص في كوادر التعليم، وانقطاع رواتب المعلمين، إذ لم تكن هناك أي منظمات داعمة، مما اضطر المدرسين للعمل خارج نطاق السلك التربوي لإعالة أسرهم فأصبح التعليم شبه منعدم، كل هذا جزء من الإشكالات الكبيرة التي واجهها الطلاب، فضلا عن عدم توفر المستلزمات الدراسية مثل الكتب المدرسية والقرطاسية وغيرها.

ونسوق هنا رأي الخبير التربوي عبد الجبار عسكر الذي يقول: إن النظام واصل قصفه الممنهج على المنشآت لقطاعي التعليم والصحة، حيث ورّث القصف كارثة لدى جيل كامل من الطلاب.

فقد هدمت 5 آلاف مدرسة من بين نحو 20 ألفا، أي أن ربع المدارس هدمت بفعل القصف، بالإضافة إلى المدارس التي تضررت بشكل جزئي، كما تحول بعضها إلى مشافي ميدانية أثناء الثورة أو ملاجئ للثوار.

تعددت أسباب ترك الأطفال لمدارسهم، فمنهم من أفقرته الحرب فأصبح المعيل لأسرته، ومنهم من كان يخشى القصف والقتل، ومنهم من لا يجد مدرسة يذهب إليها.

ويرى الخبراء أن التواصل مع المدرسة يفيد في تحسين نفسية الأطفال، وخاصة المميزين والراغبين في التعلم لتحقيق طموحاتهم، وكما هو حال الأبناء فالآباء كذلك يخافون على أبنائهم من هذا الانقطاع وفقدان التواصل وعدم الاستمرارية في التعليم.

وبحسب المفوضيه السامية للأمم المتحدة فهناك أكثر من مليوني طفل داخل سوريا و700 ألف خارجها، خسروا سنوات عديدة من عمرهم دون تعليم.

قطر الخيرية تقيم مشروع التعليم الرقمي في سوريا وتسهل وصول المعلومة للطلاب في بيوتهم

 

مشروع التعليم الرقمي.. شمعة في الظلام

في ظل هذا الوضع البائس، أوقدت قطر الخيرية شمعة وأحيت بصيص أمل، فأقامت مشروع التعليم الرقمي في سوريا. يقول فيصل فهيدة مساعد الرئيس التنفيذي: بسبب الحرب المدمرة فإن آلاف الأطفال لم يرتادوا المدارس ولو ليوم واحد، هناك أطفال كانت أعمارهم ست سنوات عام 2011 وفي 2019 أي بعد ثمانية سنوات من الثورة أصبحت أعمارهم بين الـ13 والـ14 وهم لا يعرفون القراءة والكتابة أبدا.

يأمل الفهيدة أن تكون مبادرتهم في السنوات المقبلة نموذجية معتمدة حول العالم وتكون الحل لمشكلة التعليم وتوفير الدراسة لعشرين مليون طفل مهجر ونازح ولاجئ.

يقول جاسم النجماوي خبير التمويل الدولي بقطر الخيرية: هناك ثلاثة تحديات أساسية تواجهنا: الأول كيفية توفير المادة التعليمية مع مراعاة ظروف النازح أو اللاجئ المتحركة، والثاني توفير كوادر تعليمية متمكنة تستطيع تقديم العون للطالب، والثالث -وهو الأهم- توفير الشهادات العلمية واعتمادها ليستفيد منها الطالب ويغطّي النقص الموجود الذي لا تستطيع المدارس في وقتنا الحاضر تغطيته.

مشروع التعليم الرقمي المعزز بالتكنولوجيا فكرة جديدة أثارت مخاوف الخوض في التجربة لدى المدرسين. تقول المعلمة عفراء إسماعيل مدرّسة مهارات الحياة: وجدنا النتائج جيدة جدا منذ بداية المشروع، وأهم ميزاته تقليل الروتين الموجود في العمليات العلمية التعليمية الأخرى، كما أنه يسهل التواصل مع الطلبة وكسر الحواجز بينهم وبين المعلم، ويساعد على انتقال الطالب خارج الصفوف الدراسية التقليدية إلى عوالم غنية بمصادر المعلومات.

التعليم الرقمي ينقذ العديد من الطلاب الذين كانوا لا يريدون العودة لمقاعد الدراسة

 

"أن لا أكون فاشلة".. التجربة في عيون الصغار

أبدى الأطفال في حديثهم عن التجربة قبولا كبيرا لها، وعبّروا عن حاجتهم لمثل هذه المبادرات التي تسدّ بعض النقص، فهذه الطفلة مروة حجازي تصف تجربتها فتقول: إن التعليم الرقمي أنقذ العديد من الطلاب الذين كانوا لا يريدون العودة لمقاعد الدراسة، لقد عادوا جميعا وشجعني والدي لإكمال دراستي فعدت.

أما ساجدة فقد عانت من فقدان والدتها وشعرت بالقهر لعدم وجودها إلى جوارها، لكنها تذكرت أن والدتها كانت تحب أن تتعلم فقررت العودة فتقول: كنت أخاف، ولكن قررت أن أثق بنفسي مجددا وأن لا أسمح بأن أكون فاشلة في حياتي.

تشرح الطفلة مروة عن طريقة التعليم التي يخضعون لها فتقول: نأتي باكرا لأننا نتلقى دورات تدريبية في الكرفانات وعندما ننتهي نتعلم على الكمبيوتر المحمول "لاب توب" ونذهب بعدها إلى المدرسة لمدة خمسة ساعات، بعد انصرافنا يُعدّ المعلم الواجبات وفي اليوم التالي نطّلع عليها ونحلّها، ثم يقيمنا المدرس ويضع علامات مثل الاختبارات تماما، وإذا غبنا عن المدرسة لداع مرضي يرسل الأستاذ الرابط الذي يتضمن شرح المواد على المجموعة الإلكترونية، وعن طريق الهاتف الخلوي نستطيع الدخول ومشاهدة الدرس .

المعلمون آباء للأطفال يغمرونهم بالحنان والدعم والمعرفة

 

أيتام الحرب.. معلم برتبة أب وطبيب نفسي

لقد كان للحرب آثار كارثية على أطفال سوريا، فقد حُرم بعض الأهالي من فلذات أكبادهم، وبعض الصفوف خلت مقاعدها من الطلاب الذين دفعوا أرواحهم ثمنا لهذه الحرب التي ليس لهم منها أي طائل، لذا فإن دور المعلم لا يقتصر على تعليم القراءة والكتابة، بل عليه أن يكون مرشدا نفسيا، وعليه أن يخفف الألم عن من بقي من طلابه.

تقول المعلمة عفراء: واجهنا الظروف النفسية الناتجة عن الحرب بتنمية المهارات لدى الطلاب لزيادة قدرتهم على مواجهة الضغوط الحياتية وتحملها، فبعض الطلاب من كثرة التنقل تقوقعوا على ذواتهم وعزلوا أنفسهم عن المحيط، لذا حاولنا إخراجهم ودمجهم ضمن الفصل الدراسي.

يعبر الطلاب عن مدى ترابطهم والتحامهم بعد العودة الجديدة وحرصهم على بعضهم من خلال الجوال، لقد استطاع التعليم الرقمي والجو العام إخراج الطلاب من عزلتهم النفسية التي فرضتها قسوة الحياة من فقدهم لذويهم وتهجيرهم.

يقول الطلاب إنه عندما يستشهد والد أحد الزملاء أو أخوه يقوم المدرسون باحتضانه ومواساته، وتقديم الهدايا له، "لقد أصبح المعلمون آباء لنا يخافون علينا ويحاولون حمايتنا وتشجيعنا، إنهم يغمروننا بحنانهم ودعمهم".

ورغم تلك التحديات الجسام يرى الاطفال مستقبلا مشرقا ينتظرهم ويداعب مخيلاتهم، بعضهم يحلم أن يكون طبيبا يخفف عن الآخرين معاناتهم، ويعالجهم بالمجان.

النزوح يجبر أكثر من 700 ألف طفل سوري على ترك مقاعدهم الدراسية

 

ولما كانت الحرب واقعا فُرض عليهم، فإن أحلامهم ارتبطت بها، فهذه ساجدة ترى نفسها طبيبة تسعف الأطفال والجرحى، وتتطوع للخدمة في الدفاع المدني، بينما تحلم الطفلة مروة أن تصبح معلمة، من أجل مستقبل أجمل خال من الحرب والنزاعات.

لملموا كل الجراح.. كفكفوا دمع النواح

لا بد الليل يرحل.. لا تِنعُوا شمس الصباح