تقارير

أيلول الأسود.. ذكرى جرح أدمى وجدان العرب

 

خاص-الوثائقية

"هذه مؤامرة، من كان وراءها وخطط لها ودفع إليها هو وكالة المخابرات المركزية الأمريكية".[1]

بهذه العبارة الواضحة المباشرة لخّص الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات موقفه من الأحداث الدامية التي عاشتها فصائل المقاومة الفلسطينية عامي 1970 و1971، وانتهت بنهر من الدماء العربية التي بلغت ذروتها في شهر سبتمبر/أيلول 1970، حين تحوّل الخلاف بين هذه الفصائل وبين السلطات الأردنية إلى مواجهة مسلحة مباشرة.

"كان باستطاعتنا قبل أيلول، لو كنا نريد الحكم، أن نأخذ السلطة من الملك حسين، أقولها بصراحة، لو أردنا ذلك لفعلناه قبل أيلول"، يضيف صلاح خلف، أحد أبرز قادة منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، والمعروف بلقب "أبو إياد".

أما الملك حسين، فنفى بشدة أن يكون في ذهنه أي استهداف لمن يقاوم الاحتلال الإسرائيلي أو يحاول تحرير فلسطين: "لم تكن أبدا ولن تكون هذه نيتي، لكن من يحاول تدمير قاعدة انطلاق التحرير، فهذا أمر مختلف.. أنا لم أتسبب في بحر الدم ولم أكن أريده".[2]

 

أصابع على الزناد

شهد العامان 1970 و1971 صراعا وتوتراً داميا في العلاقة بين السلطات الأردنية وبين المنظمات الفلسطينية التي اضطرتها هزيمة العرب سنة 1967 للتراجع إلى شرق نهر الأردن، في انتظار فرصة استجماع الأنفاس العربية واستعادة فلسطين.

لكن أصعب فترات هذه المرحلة كانت الأيام العشر الفاصلة بين 17 و27 سبتمبر/أيلول 1970، حيث سقط الآلاف من القتلى والجرحى في حرب كشف التاريخ لاحقا حجم التلاعب الذي مارسته القوى الدولية لتأجيجها لمصلحة إسرائيل، على حساب الطرفين وامتداداتهما العربية.

فإلى غاية صباح يوم 17 سبتمبر/أيلول 1970، كان التوتّر والخلاف على أشدهما بين السلطات الأردنية والفصائل الفلسطينية، وكانت أصابع الجميع على الزناد بالمعنى الحرفي للعبارة.[3]

فالمواجهات المسلحة بين الجانبين كانت قد أصبحت خبزا يوميا للأردنيين والفلسطينيين، قبل أن تأتي أحداث استثنائية في العام 1970 ويأمر الملك حسين جيشه بالدخول في مواجهة شاملة مع المنظمات الفلسطينية، في حرب يكاد يُجمع الكل على أنها كانت معركة من أجل البقاء.

 

دولة داخل الدولة؟

كانت العلاقة بين الطرفين قد وصلت مرحلة اللاعودة، حيث بات الأمر يتعلّق بدولتين في قلب دولة واحدة.

صحافي فرنسي حلّ بالأردن قبيل تلك الأحداث مبعوثا من صحيفة "لوموند" الشهيرة، روى كيف أنه استُقبل في المطار من طرف ممثلين للمنظمات الفلسطينية، "فقد كانوا معتادين على استقبال الصحفيين وأخذهم إلى أرقى فنادق عمّان ومنحهم بطائق اعتماد، ويرتبون لهم المواعيد مع المسؤولين.. لقد كانوا يمارسون بفعالية كبيرة صلاحيات وزارة الإعلام الأردنية، بل وحتى صلاحيات الأمن والجيش في المملكة".[4]

الصحفي الفرنسي إيريك رولو، ينقل كيف أحمرّ وجه الجنرال علي أبو نوار -وهو قائد سابق لأركان الجيش ومستشار سابق للملك- خجلا من هذا الموقف، لدرجة باح معها للصحفي كيف أنه لم يعد يُقْدِم على الخروج من بيته تجنبا للإهانة التي يمكن أن يتعرض إليها من طرف المجموعات المسلحة.

في أبريل/نيسان 2019، أصدرت سلسلة "ذاكرة فلسطين" للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كتاب يوميات المناضل الفلسطيني/الأردني أكرم زعيتر، والتي تطرق في فصلها الرابع لأحداث العام 1970.[5]

في هذه المذكرات، يروي زعيتر كيف استفحل تدخل بعض الفدائيين في اختصاصات الحكومة الأردنية، بما في ذلك تشكيلة الحكومة وتعيين الوزراء وإقالة قيادات الجيش، وأصبحت صحف الفصائل الفلسطينية تُقدِم على التجريح في المسؤولين الأردنيين بطريقة شملت الملك نفسه، وبات الجيش الأردني النظامي موضوع سخرية وإهانات، مما جعل منسوب الغضب مرتفعا.[6]

 

عمّان.. هانوي العرب

جذور المشكلة بين الأردن والفصائل الفلسطينية تعود في الأصل إلى "النصر" الوحيد الذي حققه العرب بعد هزيمة 1967، أي ما يعرف بـ"معركة الكرامة" التي انتصر فيها الجيش الأردني عام 1968 في مواجهة الجيش الإسرائيلي الذي عبر نهر الأردن نحو منطقة "الأغوار".[7]

فبعد تلك المعركة تحوّلت حركة فتح من مجرد مجموعة مسلحة إلى حركة تحرر وطنية سرعان ما انضمت إليها عدة فصائل مسلحة مثل جبهة التحرير الوطني الفلسطينية، ومنظمة طلائع الفداء، وجبهة ثوار فلسطين، مما أخل بميزان القوى داخل الأردن وزرع بذور الخلاف، حيث كانت الفصائل الفلسطينية وإلى جانب سلاحها تحظى بشعبية ودعم كبيرين في الأردن والمنطقة العربية.

وقد جرى احتواء هذا الخلاف وهذا القلق نسبيا في نوفمبر/تشرين الثاني 1968، وذلك عبر ما يُعرف بـ"اتفاقية البنود السبعة" التي قضت بإبعاد منظمات المقاومة الفلسطينية عن المدن الأردنية وتقييد حركتها، لكن تلك البنود لم تصمد طويلا أمام جموح بعض الفصائل.

ويحصي بعض الدارسين مئات المواجهات المسلحة التي جرت بين الطرفين طيلة عامي 1968 و1969، قبل أن يتحوّل الوضع في بداية 1970 إلى معارك دامية، لدرجة أصبحت معها عمّان توصف بأنها "هانوي العرب"، في إشارة إلى العاصمة الفيتنامية التي كانت مكان تجمّع المقاومة الفيتنامية لمقارعة الأمريكان.

وإلى جانب الاحتكاكات الداخلية، كان النشاط المسلح للفصائل الفلسطينية على الجبهة الإسرائيلية يحرج الأردن أمام القوى الدولية، ويتسبب في ردود فعل قوية من جانب إسرائيل، بما فيها ضربات جوية وصاروخية. وأدى اجتماع هذه العوامل كلها إلى المواجهة الدامية الأولى التي جرت في فبراير/شباط 1970، حيث سقط ما يفوق 300 قتيل جلهم من المدنيين، قبل أن يتمكن الملك حسين من نزع الفتيل بإعلانه الشهير "نحن كلنا فدائيون".[8]

"البعض يعتبر تلك الأحداث حراكا شعبيا أو حربا أهلية أو ما شابه، والحقيقة أنه لم يكن أكثر من صراع على السلطة وصراع بين سلطة مشروعة وقوى أخرى تريد أن تغتصب هذه السلطة بطرق غير مشروعة"، وفقا لتوصيف الدكتور محمد مصالحة عميد كلية الدراسات الدولية بجامعة الأردن وأمين عام مجلس النواب الأردني سابقا.[9]

 

اختطاف الطائرات

في الوقت الذي كانت المواجهات شبه اليومية والحوادث التي تقع بين السلطات الأردنية والفصائل الفلسطينية قابلة للاحتواء عبر الوساطات العربية وحرص الملك حسين على عدم انفراط عقد التوازن بين المنظمات الفلسطينية وبين أجهزته الأمنية والعسكرية، ونجا هو شخصيا من محاولتي اغتيال في تلك السنة، جاءت عملية اختطاف الطائرات المدنية الغربية من قبل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لتنقل الخلاف إلى مستوى دولي أفقد الأطراف المحلية سيطرتها على الوضع.

ففي 6 سبتمبر/أيلول 1970، قامت الجبهة الشعبية بخطف عدة طائرات، وأجبرت اثنتين منها على الهبوط في مطار "داوسن" في الصحراء الأردنية، وأتبعتها لاحقا بطائرة ثالثة.

تلقت الخارجية الأمريكية يومها برقية من سفارتها في بون بألمانيا، تخبر بوقوع سلسلة اختطافات لطائرات ركاب مدنية، منها طائرة تابعة للخطوط الأمريكية كانت متجهة من فرانكفورت إلى نيويورك وعلى متنها 142 راكبا، وطائرة سويسرية كانت في طريقها من زيورخ إلى نيويورك وعلى متنها 150 راكبا، إضافة إلى طائرة بريطانية في طريقها من بومباي إلى لندن، وتم تحويل مسار الرحلات الثلاث لتهبط في مطار داوسن المهجور في الأردن، وكان الهدف المطالبة بإطلاق فلسطينيين معتقلين في سجون إسرائيلية وأوروبية.[10]

اختلفت الآراء حينها داخل الفصائل الفلسطينية بين معارض لتلك العمليات، لأنها تحرّض الرأي العام العالمي على المقاومة، وبين مؤيد بوصفها أسلوبا ناجعا للضغط على إسرائيل وحلفائها.

وبالنسبة لأكرم زعيتر، فإنه تمنى أن يتكلم ممثل دولة عربية ليس دفاعا عن الخاطفين ولا تبريرا لهم، لكن ليقول بعد إعلان عدم الرضا عن هذه الأعمال "إنكم تقيمون الدنيا ولا تقعدونها لأجل ثلاث طائرات، وتسكتون عن خطف وطن بأكمله".[11]

 

واشنطن تتولى الموقف

تحولت عملية اختطاف الطائرات إلى أزمة دولية، ومعها تحوّلت واشنطن إلى مركز القرار العالمي في هذا الموضوع، ليس لتحرير الرهائن المدنيين دون خسائر، بل للعب دور أكبر يضرب عصافير عربية عديدة بحجر إسرائيلي واحد.

في 8 سبتمبر/أيلول، اجتمع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بكبار مسؤولي إدارته، وأبدى مدير المخابرات ملاحظة وقال: لن تكون هناك فرصة للسلام في الشرق الأوسط ما لم يذهب أحد إلى هناك، أي إلى الأردن، لترتيب الأوضاع على الأرض.

وتكشف وثائق الأرشيف الأمريكي السري تفاصيل ما جرى حينها، حيث سأل نيكسون: ماذا ستفعل الأردن إذا ساعدتها إسرائيل؟ فأجاب مساعد وزير الخارجية جوزيف سيسكو: إنّ تدخل إسرائيل سيؤدي إلى موت الحسين معنويا، وإلى تشكيل جبهة عربية موحدة ضد إسرائيل والولايات المتحدة. وهو رأي أيده وزير الخارجية رودجرز، محذرا من أن أمريكا ستدفع ثمنا باهظا لمثل هذا التدخل في الأردن.[12]

كان الرجل الذي لعب دورا مركزيا في وضع الخطة الأمريكية لتفجير الوضع في الأردن، هو مستشار الأمن القومي الداهية هنري كيسنجر.

ففي 9 سبتمبر/أيلول 1970، ترأس كيسنجر ما يشبه مجلس حرب في واشنطن، أسفر عن قرارات مفادها أن إسرائيل ستكون أفضل من قوات أمريكية في دعم الملك حسين ضد الفدائيين وربما ضد العراقيين، حيث كان يوجد 17 ألف جندي عراقي في الأردن.

في تقريره الصباحي لليوم الموالي، أي في 10 سبتمبر/أيلول، أشار كيسنجر إلى شعور الفدائيين الفلسطينيين بتوتر إزاء احتمال حدوث تدخل أجنبي، وأنهم أخبروا مسؤول الصليب الأحمر الذي تولى التفاوض معهم حول الرهائن أنهم سيفجرون الطائرات بمن فيها إذا حدث تدخل خارجي.

وجاءت خاتمة الوثيقة ممهدة للهدف الذي سعى إليه كيسنجر، حيث كتب للرئيس أن السفارة الأمريكية في عمّان تقول إن الملك حسين مازال غير راغب في مواجهة أجنبية مع الفدائيين، ويعتبر أن الجيش سينتصر حتى لو انضم العراقيون إلى الفلسطينيين.[13]

 

حسابات الحرب الباردة

تحوّل الموقف إلى أزمة دبّرها اللاعبون الكبار بحسابات جيوإستراتيجية لا تقيم اعتبارا كبيرا لمصالح الفلسطينيين ولا دول المنطقة العربية.

ففي واحد من تقاريره المرفوعة إلى الرئيس نيكسون، عبّر كيسنجر عن مخاوفه من أن يؤدي التدخل الأمريكي المباشر إلى تحالف الجنود الأردنيين مع الفدائيين لمواجهة التدخل الأجنبي، ومن ثم ينتهي نظام الملك حسين تماما، ورجّح في المقابل الدفع بتدخل إسرائيلي عند الحاجة، مع دعمه أمريكيا في الخفاء.[14]

وفي تقرير لها استعملت فيها وثائق من الأرشيف الأمريكي؛ كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية عام 2009، تشجيع واشنطن لإسرائيل بالتدخل لمساعدة الأردن، والالتزام بحمايتها إذا تدخل الاتحاد السوفياتي.[15]

ورغم استبعاد المسؤولين الأمريكيين احتمال تدخل مصر في المعركة في حال اندلاعها، فإنهم حرصوا على توفير الحماية اللازمة لإسرائيل إذا ما تطوّرت المواجهات.

من جانبها تكشف الوثائق السرية البريطانية كيف أن الملك كان يخشى من تدهور الأوضاع في الشرق الأوسط إلى حرب شاملة مدمرة لو سيطر الفلسطينيون الذين تؤيدهم سوريا على الأردن، مما دفعه إلى مناشدة الحكومة البريطانية ومطالبتها بإقناع إسرائيل بالتدخّل حين دفعت سوريا ببعض قواتها إلى المعركة.[16]

"كان الوضع على النحو التالي كما يقول صمويل هوسكنسون النائب السابق لرئيس مجلس الاستخبارات الوطنية الأمريكية: "إذا سقط الملك حسين ستضطر إسرائيل إلى التدخل، ولم تكن لا هي ولا واشنطن راغبتين في ذلك، لأنه سيؤدي إلى ضم مزيد من الأراضي لإقامة منطقة عازلة مع الثوار الفلسطينيين، وهو ما سيخلق حالة من عدم التوازن".[17]

وأكد هوسكنسون أن الوجود العسكري العراقي أكثر ما يقلقهم كأمريكيين، "فأكثر من 17 ألف جندي عراقي موجود هناك يمكنهم إسقاط حكم الملك حسين بسهولة". كما أن الملك كان يخشى ذلك بالقدر نفسه نظرا لقدراتهم العسكرية وعلاقة العراق بالاتحاد السوفياتي وهذا هو الأهم والأخطر.[18]

 

نيكسون "يدعم" الملك

"أعتقد أن الأفضل لنا أن نذهب لدعم الملك، ما زلت أعتقد أن الأفضل لنا هو أن نذهب هناك ونساند الملك".. عبارات ظل الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون يرددها خلال محادثة هاتفية مع هنري كيسنجر في 12 سبتمبر/أيلول، وكان الحديث يدور حول الملك الراحل حسين ومساندته في الأحداث التي اجتاحت المملكة في سبتمبر/أيلول 1970.[19]

خطورة الموقف تفاقمت أكثر، فأثناء قيام عرفات بتلاوة البيان المتضمن لمطالب الفدائيين مقابل الإفراج عن الطائرات، جاء نبأ إقدام عناصر الجبهة الشعبية على تدمير الطائرات، مما شكل إحراجا كبيرا للأردن.

وفي 13 سبتمبر/أيلول، استدعت الخارجية الأمريكية السفير الأردني، وأبلغته أن على الملك أن يثبت قدرته على بسط سيطرته على بلاده وممارسة سلطة واضحة على جميع أنحاء المملكة، وأن الشك القائم يؤثر على إمكانية تحقيق تسوية سلمية في الشرق الأوسط، وأن إسرائيل تسأل: مع من ستصنع السلام في الأردن؟ وهذا كان مما دفع الملك حسين إلى حسم الأمر والتحرك ضد الفدائيين.

في تقريره المسائي ليوم 15 سبتمبر/أيلول 1970، أخبر كيسنجر الرئيس نيكسون بحسم الملك حسين أمره بالتحرك في تلك الليلة ضد المنظمات الفلسطينية، وكانت واشنطن على أتم استعداد للتدخل إذا تدخلت سوريا أو مصر، كما أبلغ الاتحاد السوفياتي أن أي تحرك للعراق سيعني دخول الولايات المتحدة على خط المواجهة.[20]

وفي صباح يوم 17 سبتمبر/أيلول، وبينما السفير الأمريكي في عمان يستعد للقاء الملك حسين، تلقى رسالة من وزير الخارجية الأمريكي تخبره بعدم استبعاد التدخل الأمريكي المباشر لصد السوريين والعراقيين، "كما يمكنك أن تبلغ الملك أن وضع الأردن مسألة ذات أهمية قصوى لدى الولايات المتحدة". وكانت هذه الرسالة ردا على برقية سابقة من السفير طلب فيها تحرير الملك من "وهم" التدخل الأمريكي لصد السوريين والعراقيين.[21]

وهكذا اكتملت عناصر الوصفة السحرية لضرب المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني بحجر واحد، وتحوّل المشهد إلى نهر من الدماء العربية. دعا نيكسون مجلس الأمن القومي إلى اجتماع طارئ في ذلك اليوم، وكان على واشنطن أن تبلغ رسائل عاجلة إلى إسرائيل، مفادها اتخاذ قرار التدخل من عدمه بنفسها، والاقتصار على الضربة الجوية للقوات السورية، دون اجتياح بري.[22]

الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يزور الأردن عام 1970 بعد أحداث سبتمبر/أيلول الأسود (الفرنسية)

 

وساطة عربية

في الجزء الأول من مذكرات الفريق أول محمد أحمد صادق وزير الحربية المصري السابق، والتي تم توقيف نشرها في محاولتين وقعتا عامي 2010 و2011، يروي هذا الشاهد العيان كيف تولى قيادة عملية الوساطة العربية بين الطرفين المتقاتلين، وكيف تمكن من إخراج ياسر عرفات من الأردن متنكرا ونقله إلى مصر.[23]

يحكي صادق كيف كان في المستشفى يستعد للخضوع لعملية جراحية، فأتته مكالمة الرئيس جمال عبد الناصر تطلب منه السفر فورا إلى الأردن لمحاولة وقف الاقتتال وإنقاذ رموز المقاومة الفلسطينية، وذلك بصفته رئيسا لهيئة أركان الجيش المصري.

قال صادق إنه لم يشأ أن يخبر عبد الناصر أنه في المستشفى، ورغم تأكيده أن عمان باتت تحترق وألا وجود لرحلات جوية نحوها، كان عبد الناصر مصرا على تدبّر الأمر والوصول إلى العاصمة الأردنية لإنقاذ الموقف.

غادر صادق المستشفى دون إجراء العملية الجراحية، وأمر بتحضير طائرة حربية مدعيا توجهه إلى بيروت، وفي الأجواء غيّر الوجهة نحو عمان، حيث فاجأ المسؤولين الأردنيين بهبوطه وطلبه مقابلة الملك حسين فورا. بعث هذا الأخير مروحية خاصة لتعثّر التنقل عبر الطرق، والتقى بالمبعوث المصري الذي وجده بردائه العسكري، ومظاهر الإرهاق بادية على وجهه.[24]

بعد ذلك اللقاء تأكد المبعوث المصري أن السلطات الأردنية لا تعرف مكان ياسر عرفات، فاعتمد على الملحق العسكري بالسفارة المصرية للدخول في اتصالات مع الفدائيين إلى أن وصل إلى عرفات. وبعد أخذ ورد عاد صادق إلى القاهرة حاملا شروط الطرفين لوقف إطلاق النار، فكان أمر جمال عبد الناصر شديدَ التركيز "أحضروا ياسر عرفات حيا".

مجموعة من البدو المسلحين في الأردن يساندون الجيش الأردني في مواجهته ضد المنظمات الفلسطينية أثناء أحداث أيلول الأسود

 

عبد الناصر يريد عرفات

كان الرئيس المصري واعيا بالحسابات الكبرى وتدخل القوى الدولية في الموضوع، فكان همه الأكبر هو حماية رموز القضية الفلسطينية حتى تواصل المعركة لاحقا.

دعت مصر إلى قمة عربية طارئة في القاهرة، وترتب على هذه الخطوة إرسال وفد عربي بقيادة الرئيس السوداني جعفر النميري، وتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار لم يصمد طويلا، فاضطر الوفد إلى العودة من جديد إلى عمان، على أن تنعقد القمة العربية من جديد يوم 25 سبتمبر/أيلول.

رافق صادق الوفد العربي من جديد، لكنه كان في مهمة سرية أساسية هي إخراج عرفات من الأردن. كانت الوسيلة التي سمحت بلقاء عرفات هي نداء وجّهه النميري عبر الإذاعة الأردنية يطلب فيها من الزعيم الفلسطيني ترتيب لقاء معه من أجل التفاوض، وهو ما تم بعد سلوك طرق ملتوية نحو جبل اللويبدة.[25]

بعد لقائهم عرفات في مخبئه، عمل القادة العرب على نقله معهم إلى مقر السفارة المصرية حيث جرت مشاورات مكثفة. وبعد فشل المفاوضات، طلب الفريق أول المصري السماح له باصطحاب مصريين حاصرتهم الأحداث في الأردن وإعادتهم إلى بلدهم، وهو ما مكّنه من دسّ ياسر عرفات داخل طائرته، ليصل به إلى القاهرة مثيرا دهشة الرئيس جمال عبد الناصر.

انعقاد القمة العربية من جديد في القاهرة كان فرصة لإجراء مفاوضات جديدة انتهت بالتوصل إلى اتفاق شامل، فكانت نهاية "سعيدة" بالنسبة للمصريين، حيث ودّع عبد الناصر الفريق أول صادق على أساس خلود كل منهما إلى الراحة.

"وبعد ساعات دق جرس الهاتف: عليك بالتوجه فوراً إلى منزل الرئيس عبد الناصر. وقتها قلت لنفسي "سبحان الله، الراجل ده مش حيريّح نفسه أبدا… ولم يخطر على بالي أي شيء سوى أنها مهمة جديدة سيكلفني بها الرئيس عبد الناصر. وفى بيته في منشية البكري كانت الفاجعة.. عبد الناصر في رحاب الله".[26]

الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مع ولي العهد الأردني الأمير حسن في لقاء جمعهما بعد أحداث سبتمبر/أيلول

 

تحرير "أبو إياد"

من جانبه يروي الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، في كتاب مذكراته كيف تدخل لدى نظيره الأردني لطلب الإفراج عن القائد الفلسطيني الراحل أبو إياد الفلسطيني. وكان هذا الأخير قد اعتقل من طرف السلطات الأردنية في أحداث أيلول الأسود.

"قلت له: سأوفد إليك مبعوثا.
فسألني: لأي غرض؟
فأجبته: سترى، ولكن أصغ إليه بإمعان. إنني لا يمكنني أن أطلب من الملك حسين تبرئة أبو إياد. لقد كان الأمر مستحيلا. كما أنني لم أستعمل مع الملك حسين حججا سياسية"، كما يقول الحسن الثاني في مذكراته.

ولدى استقبال الملك حسين مبعوث الحسن الثاني، توجه إليه المبعوث بالقول: صاحب الجلالة، إن ملفكم غير قابل بتاتا للطعن، إن لكم الحق في شنق أبو إياد في أية لحظة. بيد أن صاحب الجلالة الحسن الثاني يعتقد أن عليكم أن تنظروا إلى المشكل من زاوية أخرى. لقد كان جدّكم وجد جلالته رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة في الصفح. وهذه المبادرة تنم عن سماحة أصيلة وفرصة سانحة لتؤكدوا أنكم من سلالة رسول الله".

وهكذا أفرج عنه الملك حسين، وشاءت الأقدار أن يلتقيا مرات عديدة بعد ذلك. كما كان يربط أبو إياد علاقات وطيدة ومطبوعة بالإخلاص مع مصالح المخابرات الفرنسية".[27]

 

الطرد ولعنة الانتقام

تقدّر المصادر أعداد ضحايا "أيلول الأسود" وامتداداته السابقة واللاحقة بعشرات الآلاف، من بينهم زهاء أربعة آلاف قتيل أغلبهم من جانب الفدائيين الفلسطينيين، علاوة على الجرحى من الطرفين.

وانتهت المواجهة بإخراج الفصائل الفلسطينية من الأردن وانتقالها إلى لبنان، وهناك تجددت الحروب ووقعت مجازر أخرى شهيرة في التاريخ الإنساني حملت توقيع الجيش الإسرائيلي. وبعد مرور عام على تلك الأحداث الدامية في الأردن، أسست حركة فتح منظمة "أيلول الأسود".

"لم يكن لدينا لا صواريخ ولا سلاحا جويا، لم يكن لدينا إلا البندقية، لهذا فكرنا في تأسيس منظمة أيلول الأسود كي تتحمل كل الوساخات إذا فشلت المحاولة، فبدأنا في تشكيل خلايا من المقاتلين"، كما يقول أبو داوود أحد قادمة المنظمة.[28]

كانت غاية هذه المنظمة الجديدة الانتقام مما جرى للفصائل الفلسطينية في الأردن، وكان أبرز ما قامت به هو اغتيال رئيس وزراء الأردن حينها وصفي التل أثناء مشاركته في مؤتمر انعقد بالقاهرة.

يقول نذير رشيد مدير المخابرات الأردنية السابق: "عرفناها قبل شهر من الاغتيال، فكلّمته وقلت له لا تذهب إلى اجتماع وزراء الدفاع العرب في القاهرة، وكان هو في الوقت نفسه رئيس الوزراء ووزير الدفاع، لكنه أصرّ وقال إن مصر دولة كبيرة وأنا ذاهب إلى دولة مؤسسات، وفي النهاية علينا ألا ننعزل عن العالم".[29]

 

 

المصادر:

[1] https://www.youtube.com/watch?v=sEnHHNVv1aM
[2] https://www.youtube.com/watch?v=sEnHHNVv1aM
[3] https://www.lorientlejour.com/article/940803/le-jour-ou-le-roi-hussein-a-repris-le-controle-de-la-jordanie.html

[4] https://www.lorientlejour.com/article/940803/le-jour-ou-le-roi-hussein-a-repris-le-controle-de-la-jordanie.html

[5] https://www.dohainstitute.org/ar/BooksAndJournals/Pages/Akram-Zeaiters-Diaries-Years-of-Crisis-1967-1970.aspx
[6] https://www.alaraby.co.uk/diffah/books/2019/8/3/%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%83%D8%B3%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%8A%D9%84%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%88%D8%AF-2-2

[7] https://www.masrawy.com/news/news_publicaffairs/details/2018/9/13/1426409/48-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%8A%D9%84%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%88%D8%AF-%D9%85%D8%A7-%D9%86%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%87-%D8%B9%D9%86-%D9%81%D8%AA%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D9%81%D8%A9

[8] https://www.masrawy.com/news/news_publicaffairs/details/2018/9/13/1426409/48-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%8A%D9%84%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%88%D8%AF-%D9%85%D8%A7-%D9%86%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%87-%D8%B9%D9%86-%D9%81%D8%AA%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D9%81%D8%A9

[9] https://www.youtube.com/watch?v=GUsVwyYRjyE
[10] https://www.youtube.com/watch?v=GUsVwyYRjyE

[11] https://www.alaraby.co.uk/diffah/books/2019/8/3/%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%83%D8%B3%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%8A%D9%84%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%88%D8%AF-2-2

[12] https://www.youtube.com/watch?v=GUsVwyYRjyE

[13] https://www.youtube.com/watch?v=GUsVwyYRjyE

[14] https://www.youtube.com/watch?v=ikwIdjYMYbI

[15] https://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2009/9/19/%D9%87%D8%A2%D8%B1%D8%AA%D8%B3-%D8%AA%D9%83%D8%B4%D9%81-%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D8%A3%D9%8A%D9%84%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%88%D8%AF

[16] https://www.masrawy.com/news/news_publicaffairs/details/2018/9/13/1426409/48-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%8A%D9%84%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%88%D8%AF-%D9%85%D8%A7-%D9%86%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%87-%D8%B9%D9%86-%D9%81%D8%AA%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D9%81%D8%A9

[17] https://www.youtube.com/watch?v=GUsVwyYRjyE

[18] https://www.youtube.com/watch?v=GUsVwyYRjyE

[19] https://www.youtube.com/watch?v=GUsVwyYRjyE

[20] https://www.youtube.com/watch?v=GUsVwyYRjyE

[21] https://www.youtube.com/watch?v=ikwIdjYMYbI

[22] https://www.youtube.com/watch?v=ikwIdjYMYbI

[23] https://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2015/03/28/687679.html

[24] https://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2015/03/28/687679.html
[25] https://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2015/03/28/687679.html

[26] https://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2015/03/28/687679.html

[27] "ذاكرة ملك"، الحسن الثاني، الشركة السعودية للأبحاث والنشر.
[28] https://www.youtube.com/watch?v=sEnHHNVv1aM

[29] https://www.youtube.com/watch?v=sEnHHNVv1aM

ذات صلة