تقارير

إنقاذ الحيوان الأخير.. شبح الانقراض يهدد الكائنات النادرة في بورنيو

 

خاص-الوثائقية

كل صباح هو يوم جديد بالنسبة للخبراء والباحثين في بورنيو، وهو فرصة جديدة لحماية البيئة وضمان سلامة الحيوانات والإنسان والطبيعة في آن واحد، وإحدى مهمات هؤلاء كانت إنقاذ دببة "الأورانغوتان"، وإعادة الحياة للشعب المرجانية في المحيط التي دمرتها سفن صيد الأعماق.

تأتي هذه الحلقة -التي عرضتها الجزيرة الوثائقية ضمن سلسلة "براري بورنيو"- بعنوان "إنقاذ دببة الأورانغوتان"، ونرافق فيها فريقا دوليا من الحراس على الخطوط الأمامية لحماية التنوع البيولوجي، وهم يسعون جاهدين لإدارة علاقة الإنسان بالبرية.

 

نغوص في أدغال بورنيو القديمة موطن أكثر الحيوانات جاذبية وتهديدا بالانقراض على هذا الكوكب، ونتعرف على قردة الأورانغوتان المعروفة بإنسان الغاب، وهي أضخم أنواع القردة، وقد تنقرض هذه المخلوقات خلال 10 سنوات، ويُقدر عددها بـ800 قرد تتوزع في مناطق متفرقة ومعزولة.

فبسبب تدمير وقطع الأشجار وحرق الغابات في مساحات واسعة من موطنها، تأذى الكثير من هذه الكائنات، وتركت قردة مصابة ويتيمة، ولكن يجب أن تعود إلى الطبيعة للحفاظ عليها.

"سأكون فخورا إن استطاع أن يكون مستقلا".. مهارات الغابة

أصبح مركز مانتغ للأحياء البرية في سارواك ملجأ لكثير من الحيوانات التي عثر عليها مصابة أو يتيمة. وجلب الكثير منها وهي صغيرة، وأمضى المعتنون بها سنوات كثيرة في رعايتها، وبعد 26 عاما من العمليات، يستعد المركز لآخر عملية إطلاق لقردة الأورانغوتان، إذ يأخذ كبير المعتنين "أباي ساندي" أربعة قردة لدورة أخيرة في مدرسة الأدغال.

من بين هذه القردة، هناك قرد يدعى "سيمانغنغ"، وقد أُنقذ من الصيادين عندما كان صغيرا، وأخذ "ساندي" على عاتقه تعليمه المهارات الحيوية التي يحتاجها في الغابة. يقول "ساندي": أعتني بـ"سيمانغنغ" منذ أن كان عمره عامين، والآن يبلغ 6 أعوام، وسأكون فخورا إن استطاع أن يكون مستقلا ويجد طعامه في الغابة.

سيعود "سيمانغنغ" و4 من أقرانه إلى البرية، غير أن غابة بورنيو ستقلب حياة هذه الحيوانات رأسا على عقب، لأنها كبرت وهي تعتمد بشكل كلي على رعاية البشر.

"الهدف أن تكون القردة حرة في البرية".. منصة التغذية

على "سيالي أناك أبان" مدير مركز "مانتغ" التأكد من جهوزية هذه القردة للعودة إلى الغابة، وفي هذا الإطار يقول: خلال هذا الإطلاق، يجب أن نتأكد من أن بإمكانها البحث عن الطعام في الغابة، لا بد من أن تكون متمكنة من ذلك، ويجب على هذه الحيوانات أن تكون حذرة، لأنه قد يكون هناك صيادون غير قانونيين أو قناصة يحاولون قتلها، وهذه الأمور يجب أن نحرص عليها لضمان أمن وسلامة هذه الحيوانات، وهنا يلعب حراسنا دورا كبيرا.

العودة بالقردة إلى الغابة لإطلاقها في بيئتها

 

ولمنح قردة "الأورانغوتان"، أفضل طريقة للتكيف يجب أن تكون عملية الإطلاق تدريجية، ولهذا يبني "سيالي" وفريقه منصة تغذية مؤقتة، ويشرح "سيالي" أسباب وجود هذه المنصة قائلا: إنها مرحلة تعود، ونحتاج لجلب بعض الأغذية التكميلية للحيوانات في حال عدم توفر الطعام الكافي لها في الغابة، ونأمل مستقبلا أن لا نستخدم منصة التغذية التي يمكن أن تدوم لستة أشهر أو لعام، والهدف هو أن تكون القردة حرة في البرية.

إن العودة إلى البرية لها تحدياتها، ولكن الأمر يستحق كل الجهود، فالغابة هي الموطن الحقيقي لقردة "الأورانغوتان".

"آمل أن تعيش حياة شبة برية في الغابة".. فحص القردة الأخير

قبل إطلاق "سيمانغنغ"، على الفريق الصحي في المركز أن يفحصه بشكل مفصل ودقيق لآخر مرة. يقول "ليو بيدل": عندما أنقذ كان عمره أسبوعين فقط، وكان مصابا بثلاث طلقات نارية، وقتها أخرجت واحدة وأبقيت الأخريان، وقررنا أن لا نجري عملية جراحية لأنه كان صغيرا جدا، ولم نكن واثقين من النجاح في إنقاذه.

غير أن "بيدل" يرى أن "سيمانغنغ" غير جاهز بَدنيا للإطلاق، وحتى القردة الأخرى لا يبدو بأنها تريد العودة إلى البرية.

وبعد عدة محاولات، نجح "بيدل" وفريقه في تخدير "آلي" وهو قرد "أورانغتون" بالغ، وهذه الحيوانات عندما تبلغ تصبح قوية جدا، ويمكن أن تعض أي شخص تشعر بتهديد من قبله، ولهذا استعين بعدة أشخاص خلال فحص "آلي" الأخير قبل إطلاقه في الغابة.

لحظة وداع حزينة وسعيدة بين سائس القرود ساندي والقرد سيمانغنغ

 

يقول "بيدل": بإمكانكم رؤية التعامل الحذر معه أثناء الفحص، وجلبنا عدة أشخاص للسيطرة عليه في حال العض أو محاولة النزول عن الطاولة، آمل أن تعيش هذه القردة حياة شبة برية في الغابة، وتنسى حياتها في المأوى.

"إنه بمثابة ابني".. عودة القردة الأربعة إلى الغابة

بعد انتهاء الفحص، حصل "آلي" على شهادة سلامة صحية، ليحين وقت الإطلاق، وبعد 8 سنوات من إعادة تأهيلها، تتوجه هذه القردة الأربعة إلى الغابة التي تنتمي إليها، فقد كان جهدا ضخما من فريق السائسين المخلص.

أما "أباي ساندي"، فيقول: سعيد باستقرار "سيمانغنغ" في الغابة كوالديه، سأكون حزينا لأنه لن يعود، إنه بمثابة ابني، فقد اعتينت به منذ أن كان صغيرا.

إنه وداع حزين وسعيد في الوقت نفسه بالنسبة لكبير السائسين ساندي. ويكمن التحدي الأعظم بالنسبة لهذه القردة في العيش بالغابة والتأقلم فيها من جديد.

"كي لا يقتل أو يؤكل".. إنقاذ أكبر أنواع الثعابين في العالم

في مدينة كوتشينغ بمحافظة ساراواك جنوب غربي بورنيو، يتجاوب المتعامل مع الحيوانات "شاميل" -من شركة "غابات ساراواك"- مع نداء عاجل من أحد سكان المنطقة.

ولدى وصول "شاميل"، تبين أنه النداء يختص بالتعامل مع ثعبان "بايثون" أحد أكبر أنواع الثعابين في العالم، ويقول مالكه السابق إنه اشتراه بمبلغ 45 دولارا "لينقذه كي لا يقتل أو يؤكل"، ورغم أن هذه الثعابين محمية في القانون، فإنها تعتبر غنائم مربحة في آسيا.

ثعبان "بايثون" أحد أكبر أنواع الثعابين في العالم يُعاد إلى الغابة كي يعيش في بيئته الطبيعية

 

قام "شاميل" بنقل الثعبان إلى محمية طبيعية قريبة من الطريق العام، وبعد إطلاقه ضل الثعبان طريقه، وتوجه للمناطق السكنية، غير أن "شاميل" أمسك به مرة أخرى ووجهه نحو الغابة، لينجح في إنقاذ أهل المدينة والثعبان.

سفن صيد الأعماق.. حياة بحرية على حافة الانقراض

قبالة ساحل ساراواك، هناك واحة للتنوع الحيوي البحري، لكن هذا التنوع معرض للتهديد، فسفن صيد الأعماق دمرت الشعاب المرجانية، وأبادت الحياة البحرية في هذه المنطقة، لكن هناك عملية تحاول منح المياه فرصة جديدة للحياة.

يخرج "كريستوفر كري" وفريق من شركة "غابات ساراواك" في مهمة لإصلاح أضرار سنوات لحقت بالشعاب المرجانية.

فبالنسبة لـ"كريس"، فهذه المهمة هي تتويج لـ18 عاما من التخطيط والعمل الجاد، فمهمته زرع 500 كرة ضخمة من الأسمنت، وتشكل أساسا لشعاب مرجانية في قاع المحيط. يقول "كريس": هذه الكرات فعالة جدا للحفاظ على استنبات الشعاب المرجانية، وستكون موطنا للأسماك وغيرها من الأحياء البحرية، وهي أيضا تحمي الشاطئ من الصيد غير القانوني.

كرات الأسمنت.. سيناريوهات خطيرة في مهمة بحرية شاقة

وضع الكرات الأسمنتية مهمة معقدة جدا، فكل كرة تزن نحو طن، وإسقاط إحداها قد يلحق ضررا بالسفينة، والسيناريو الأسوأ هو أن تصيب أحد أفراد الطاقم، وقبل وضعها يجب وضع العوامات لتحديد المناطق الصحية، ناهيك عن الطقس وشدة الرياح، وهذه العوامل كلها تتحكم بنجاح المهمة.

شركة "غابات ساراواك" تبث كرات إسمنتية في مهمة لإصلاح أضرار لحقت بالشعاب المرجانية

 

وإذا وضعت هذه العوامات بشكل سيئ فقد تلحق الضرر بالمحيط، وتحتاج هذه المهمة إلى السرعة والدقة حتى لا تأخذ من وقت مهمة فريق "كريس". وبالسرعة المطلوبة، أصبحت العوامات في مكانها، والقارب الذي على متنه الكرات الأسمنتية والرافعة التي ستحملها جاهزان لبدء المهمة المنتظرة.

"واجهنا كثيرا من الأوقات الصعبة".. أخطاء مكلفة

رغم اتخاذ فريق "كريس" لكافة التدابير، فإن البحر الهائج يجعل الرافعة تميل بشدة، وقد نجا أحد أفراد الطاقم بأعجوبة من حادث كاد يودي بحياته، فالرافعة -التي تتأرجح بأكثر من طن من الإسمنت في مهب الرياح- لم تقو على المواجهة، فقد تسببت بتحطم إحدى الكرات، وهذا يعود -بحسب "كريس"- إلى عدم التثبيت الصحيح.

ولكن لحسن الحظ لم يتأذ أحد من أفراد الطاقم، ومع بقاء 6 ساعات فقط على غروب الشمس، يتعين على الفريق العمل بسرعة، ولكن ليس بتسرع، لأن الخطأ مكلف، ويجب إنزال كل كرة ببطء إلى قاع البحر، وها هو الفريق يتعرض لإخفاق آخر، لأن الكرة الأسمنتية حررت مبكرا ولم تصل إلى وجهتها.

زرع 500 كرة ضخمة من الأسمنت كل واحدة بوزن طن في قاع البحر لجلب الحياة المرجانية

 

ولهذا طلب "كريس" من أعضاء فريقه تثبيت المشبكة بشكل أعمق، لأن الأمواج هائجة جدا. فالفريق لا يضيع الوقت، ويحاول تجاوز الفشل وإتمام المهمة. يقول "كريس": كنت موجودا منذ بداية المهمة، وقد واجهنا كثيرا من الأوقات الصعبة لتنفيذها، لذا حاولنا القيام بها على أتم وجه وبالشكل المثالي، واليوم نجد أن الجهد الذي بذلناه كان ناجحا.

"لا يسعك إلا أن تبتسم".. انتصار في أعماق المحيط الجرداء

تحتاج الشعب المرجانية لوقت طويل لتنمو، لكن ما جرى كان خطوة رئيسية لإعادة الحياة إلى هذه المياه، فبعد سنوات من إتمام المهمة، يستعد "كريس" وفريقه لغوصة تفقدية للكرات الإسمنتية التي وضعوها في قاع المحيطات.

يقول الحارس "تولوي": عندما جئت لأول مرة إلى هنا كانت هذه المنطقة في المحيط جرداء، وبدت كالصحراء، لا شيء فيها سوى الرمل، وكان هدفنا خلق واحة للشعاب المرجانية، وعند وجود الشعاب المرجانية ستحضر الأسماك، وها هي الشعاب المرجانية تنمو بشكل رائع وصحي للغاية، وعندما ترى كل هذا النمو المرجاني على الكرات لا يسعك إلا أن تبتسم، فقد تغيرت المنطقة بشكل لافت للنظر، والحياة مزدهرة هنا.

ازدهار الحياة المرجانية بعد بضعة أعوام على زرع الكرات الإسمنتية

 

وبالنسبة لـ"كريس" فإن عقودا من الجهود للحفاظ على البيئة تؤتي أكلها أخيرا. ويلخص "كريس" المشهد قائلا: تنهمر دموع كثير من الآباء عند ولادة أول طفل، والأمر ذاته يحصل لنا وخاصة أنا، فكثير من الناس لا يرون هذا اليوم، ولكن ما نفعله هو من أجل الأجيال القادمة، فما نحافظ عليه حاليا هو من أجل المستقبل، وليس لنا.

ذات صلة