تقارير

إنهم مجرد لاجئين.. مأساة أخرى ثم نعود

 

حسن العدم

أهلا بكم في جزيرة ليسبوس في اليونان، إنها قريبة من السواحل التركية، وتعتبر وجهة لآلاف السائحين ومحبي الشمس والبحر، ولكننا في هذه المرة لم نحضر لتغطية موسم سياحي جديد.

هناك مراسلون صحفيون ووسائل إعلام من جميع أنحاء العالم، يحرصون على الذهاب إلى هذه الجزيرة، الكاميرات والميكروفونات وأجهزة التسجيل وإعادة البث تزدحم في المكان، في انتظار حدث ما؛ جميعهم كانوا وقائعَ فيلم بثّته قناة الجزيرة الفضائية تحت عنوان "مجرد مأساة أخرى".

 

قوارب الموت.. الهروب من الجحيم

إنهم في انتظار القوارب المطاطية التي تنقل اللاجئين، لاجئون من شتى بؤر الصراع والحروب في العالم البائس، من بنغلادش إلى أفغانستان، مرورا بالعراق وانتهاء بسوريا المفجوعة.

معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن، أنهكهم السير على الأقدام وركوب البحر إلى المجهول، يقعون ضحية سماسرة الموت الذين يعِدونهم بالشواطئ الآمنة وجنات الأرض في مقابل ما يملكون من مال، ثم يُلقون بهم في البحر الذي لا يشبع.

وقد تذكرون جميعا صورة الطفل "آيلان" الكردي، الذي ألقته الأمواج جثة على الشاطئ، وقد أيقظت صورته ضمير العالم، وقضّت مضاجع الأوروبيين الذين أصبحوا بين نارين: نار جماعات حقوق الإنسان ودعاة المساواة والتشاركية الإنسانية، ونار الشعوبية الجديدة واليمين المتطرف والقوميات الضيقة، الذين يدعون إلى أوروبا نقية من الغرباء والملونين.

الصحفيون على شاطئ جزيرة ليسبوس باليونان ينتظرون لحظة وصول القوارب المطاطية التي تنقل اللاجئين

 

إنسانية الإعلام.. لكل واحد منا قصة

ثمّة مصور يلعب لعبة أخرى، إنه يسجل بكاميرته تصرفات وردود أفعال رجال الصحافة والإعلام الآخرين، بل ويرصد لقاءاتهم مع اللاجئين، وأحاديثهم الجانبية بعد اللقاءات.

لاحظ بعض الصحفيين فضوله فحاولوا إعادة توجيهه إلى جموع اللاجئين، قائلين له: لماذا تصورنا نحن؟ القصة هناك عند اللاجئين، فيمازحهم قائلا: لكل واحد منا قصة، وأنتم قصتي.

بالنسبة لمعظم الإعلاميين والمراسلين الصحفيين فموضوع اللاجئين هو مجرد خبر مثل الأخبار الأخرى، أو هو فقرة تلفزيونية في محطات الأخبار، بين فقرات الترفيه والموسيقى والرياضة، وتغطية سجالات ترامب مع خصومه الديمقراطيين، وأخبار البريكسيت والسترات الصفراء.

وبالطبع تدور الأحاديث حول العوائد المالية التي سيجنونها بعد انتهاء فترات التغطية الخاصة بهم، آلاف الدولارات سوف يتقاضونها من مؤسساتهم لقاء ثوانٍ معدودة من تسجيل معاناة الآخرين، أو بدل صورة لطفل لفظته أمواج البحر العاتي ميتا على الشاطئ.

بعض المراسلين يطغى صوت إنسانيتهم على أي صوت مهني، هذا مراسل قناة إنجليزية يصف المأساة كأنه أحد أطرافها، ويناشد الضمير الأوروبي الغارق في لذّاته بأن على الكوكب شركاء آخرين لا يجدون القوت ولا المأوى، فتقاطعه المذيعة: "ولكن جيرمي كوربين زعيم حزب العمال يخوض حربا برلمانية مع رئيسة الحكومة تيريزا ماي وحزبها حول البريكسيت، هّلا اقتطعت جانبا من وقتك لتغطية هذا الحدث؟ فيجيبها: لو كنتِ مكاني فستشغلك أوضاع هؤلاء المساكين عن أي حدث آخر.

الطفل الكردي آيلان الذي قضى نحبه غرقا على شواطئ البحر المتوسط

 

مرافئ كثيرة ولا مرساة

سوف نتتبع تحركات اللاجئين بعد ترجُّلهم على أرض جزيرة ليسبوس في اليونان، إلى بلغاريا وصربيا وكرواتيا والمجر والنمسا وصولا إلى جنة الأحلام، ألمانيا. تُقلّهم عبّارة يونانية إلى أثينا، ثم ينطلقون من هناك عبر الأراضي البلغارية والألبانية والصربية إلى المجر، إنهم يحثّون الخطى على وقع أخبار تُفيد بأن المجر سوف تغلق حدودها في وجه اللاجئين إلى أجل غير مسمى.

اللاجئون من مختلف بلدان الحرب والصراع تجمعهم أخوَّة المعاناة، فيصيرون مجتمعا واحدا جديدا، يجتمعون على شكل عائلات جديدة، يساعد الشباب الشيوخ والنساء، وتعطف النساء على الأطفال. تراهم يحملون أمتعتهم البالية المتسخة من أوحال الطريق، ويسيرون باتجاه خيوط الشمس، إنهم يهربون من الظلام.

محاسن هي لاجئة سورية من حلب سبقها أطفالها إلى اللجوء فرمت بهم أقدارهم إلى السويد، فأصبح قلبها مُفرَّقا بين أولادها في اللجوء وأبويها اللذيْن منعهما العجز من مغادرة جحيم حلب.

ولأنها تتقن قليلا من الإنجليزية، فقد كان حظها وافرا من لقاءات الصحفيين والمراسلين، تُحدثهم وهي تستقل القطار باتجاه المجر أن المستشارة الألمانية "ميركل" قد وعدت باستيعاب أكثر من مليون لاجئ، ولكن المشكلة تكمن في تجاوز حدود المجر باتجاه النمسا.

"محاسن" مهاجرة سورية رافقتها كاميرا الصحفيين طوال الرحلة كونها تتحدث اللغة الإنجليزية

 

أنت مجرد لاجئ.. دع الآدمية جانبا

هناك، على الحدود المجرية، الوضع أشبه بساحة حرب، وإذا نظرت له من زاوية أخرى فهو أشبه بسجن جماعي كبير جدا، أسلاك شائكة وجدران مكهربة يقف خلفها عشرات الآلاف من اللاجئين، ويحرسها الآلاف من رجال الأمن وقوات الجيش، بكامل أسلحتهم اليدوية والأوتوماتيكية، وتنتشر في الأجواء رائحة قنابل الغاز، بينما تصفع خراطيم المياه الملوثة وجوه اللاجئين.

هذه سيدة تسقط على الأرض من شدة الإعياء، إنها تنزف أيضا، ربما ضربها أحد الشرطة بهراوته، وهذا رجل قد امتلأ وجهه دما، وهو إلى ذلك يحمل طفله ويركض بعيدا عن ركلات الجنود، الجنود يتعاملون مع الحشود كأنها قطعان أغنام تساق إلى حظائرها، مفردات الآدمية أو حتى الإنسانية تختفي من القواميس المستخدمة في هذا المكان.

يقول أحد المراسلين: إذا نحّينا المهنية جانبا فنحن نود أن نقدم أي مساعدة ممكنة لهؤلاء المساكين، لكننا في الوقت ذاته مطلوب منا أن ننقل الصورة كما هي للمشاهدين البعيدين، لا نريد أن نكون مؤثرين فيما يحدث، هكذا تقتضي طبيعة عملنا.

"أتعرف ماذا يطلب منا اللاجئون لحظة يروننا؟ الغريب أنهم لا يطلبون طعاما أو شرابا، يريدون فقط شحن هواتفهم المحمولة ليتواصلوا مع ذويهم في بلادهم المنكوبة". الغريب أن الأوروبيين والأمريكيين يشاهدون هذه الوقائع المؤلمة، وقد يتأثرون للحظات، ثم يغيرون القناة على مباراة كرة قدم، ويتابعون الاستمتاع بوجباتهم.

الصحفية المجرية التي اعتدت على اللاجئين بالركل والضرب

 

قطار الشحن.. لاجئون برتبة أمتعة

أكثر المناظر المقززة إيلاما هي أن ترى صحفية مجرية وهي تركل إحدى الفتيات اللاجئات بقدمها، أو تستخدم كاميرتها في ضرب أحد اللاجئين في بطنه، وهنا يتساءل الصحفي الفضولي: هل طبيعة مهنتها تتطلب منها أن تتنمّر على الضعفاء؟ ما الذي دفعها إلى هذا الفعل الشنيع؟ هل سيشاركها اللاجئون طعامها؟ أو مرتبها؟

مهرّبو البشر موجودون هنا في المجر أيضا، يأخذون ما بقي في جيوب اللاجئين من أجل أن يعبروا بهم الحدود إلى النمسا، دون الحاجة إلى الانتظار في مخيمات اللاجئين المرعبة، من أجل قيد أسمائهم في الكشوفات الرسمية، فإذا قُبِض عليهم فالمطلوب أن يعودوا إلى مراكز الاعتقال من جديد، ولكنهم يخاطرون بالهرب خوفا من المكوث في تلك السجون المخيفة.

لقد قامت المجر بإغلاق حدودها الليلة، وهذا الأمر يشكل إحراجا كبيرا لجميع أوروبا، وتحديدا لألمانيا التي أبدت استعدادها لاستقبالهم، اللاجئون مضطرون للالتفاف والعبور من خلال كرواتيا، وما زالت محاسن تحكي قصص أولادها الذين لم ترهم منذ أربع سنوات، كم هي مشتاقة لضمّهم، فالحديث عبر الإنترنت لا يغني عن الشعور بدفء الأمومة على الحقيقة.

تصرخ محاسن في وجه الشرطي الذي يأمرها، ويأمر مئات اللاجئين بالصعود إلى قطار شحن ليس مخصصاً لنقل المسافرين: قطار شحن؟ تريدني أن أركب قطار شحن؟ ليس له نوافذ؟ هل تظننا حيوانات؟ حتى الحيوانات تحتاج إلى الأكسجين لتتنفس، هذا القطار يا سيدي لا يصلح لنقل البشر. ويرد عليها الشرطي صارخا: ليس لدي خيار آخر، إما أن تركبوا هذا القطار أو تبقوا في المخيم تنتظرون قطارا آخر. لم يتردد الجميع في الصعود، أي شيء قادم حتما سيكون أقل سوءا من هنا.

آلاف اللاجئين والمهاجرين يستقلون القطار من المجر في طريقهم نحو الخلاص في ألمانيا

 

فسحة أمل.. الخارجون من الجحيم

البرد قارس والأمطار تهطل بغزارة، لكن لا بد من تغيير القطار، ما زال الطريق طويلا والسير لا ينتهي، لقد تعبنا، إنها مثل حلقة في الحرب العالمية الثانية، أفواج من البشر تنزح من أوطانها، لا تدري ماذا كانت دوافع الرحيل.

يختلط في هذه النقطة اللاجئون من آسيا بالمهاجرين غير الشرعيين من أفريقيا، يا لها من كوميديا سوداء بحق، ونفس الأسئلة يكررها المراسلون: "من أين جئتم؟ ولماذا جئتم؟ وأين هي وجهتكم النهائية؟ وكيف كانت الطريق التي سلكتموها؟ ومن أي البلدان عبرتم؟ وكيف كانوا يعاملونكم؟"، نرجوكم كفوا عن هذا الهراء، لقد تعبنا من السير والتنقل والكلام، اتركونا وشأننا، لا نحب أن نكون قصة في وسائل إعلامكم المنافقة.

نُقل الآلاف من اللاجئين والمهاجرين إلى معسكرات تجميع في شرق النمسا تمهيدا لنقلهم إلى ألمانيا، تغيرت الملامح قليلا باتجاه شيء من الراحة، أصبحتَ تلمح في تحركاتهم بعض الطمأنينة، زال التعب والإرهاق عن وجوههم، على الرغم من أنهم ما زالوا ينظرون إلى المجهول، لا يعرفون ماذا ينتظرهم بالضبط في أرض الشتات، لكن لديهم قناعة بأنه ليس هناك ما سيكون أسوأ مما مرَّ بهم.

تعقد محاسن مقارنة بين القطار الذي تركبه الآن باتجاه ألمانيا، وذلك القطار المخصص للشحن الذي ركبوه في المجر، ثم تقول: "القطارات متشابهة"؛ إذا تمعنت في وجهها الشاحب ستدرك فعلا ما المعنى الذي قصدته بكلمة متشابهة، فهي تبعدك عن الأحبة والأهل والديار، متشابهة لأنها تزيد معاناتك في الفراق، ومتشابهة لأنها تجري بك إلى المجهول الذي لا تعلمه.

لا يسلم المهاجرون المسلمون من التهمة بتنفيذ الهجمات الإرهابية في أوروبا

 

هجوم إرهابي في باريس.. كل لاجئ متهم

كانت ليلة محاسن الأولى في ألمانيا محزنة جدا، لقد بكت كثيرا وهي على السرير في مراكز الاستقبال التي خصصت لهم في برلين، لقد تذكرت أولادها الثلاثة ووالديها، فلم تستطع أن تنام طويلا، ولكن عندما حل الصباح خرجت في نزهة حول المركز، لقد انفرجت أساريرها من جديد، لعل غدا يكون أجمل.

بقيت أفواج المراسلين والمصوّرين في آخر مركز للاعتقال في المجر، إنهم يصوّرون الساحات الفسيحة الخالية إلا منهم، لقد رحل جميع اللاجئين، لم يبق في المكان غير كاميراتهم وبقايا صور كان اللاجئون يحتفظون بها لذويهم وأحبتهم، تطايرت بتأثير الزحام والركض والركل.

المصورون يحزمون أمتعتهم كذلك ويتأهبون للرحيل، لا يدرون ما ستكون مهمتهم القادمة: تغطية مجاعة جديدة في أفريقيا؟ أم مباراة كرة قدم في إسبانيا؟ أم يا تراها موجة نزوح جديدة في بلد آخر تطحنه حرب أهلية؟ أم سيغطون هروب فيل من حديقة حيوان في البرازيل؟ إنها السخرية بعينها.

الجواب أتى سريعا، الوجهة القادمة باريس، لقد حدث هجوم إرهابي أودى بحياة بعض الناس، وقد تفاوتت الآراء عن الدوافع والفاعل، كل حسب خلفيته السياسية، منهم من كال التهم للاجئين، ومنهم من ألقى اللوم على داعش والقاعدة، وآخرون يلقون باللائمة على المقيمين من غير ذوي العيون الزرقاء؛ التهم جاهزة ومعلّبة، قليلون هم الحياديون الذين ينتظرون نتائج التحقيق الرسمية، أو الذين يستمعون لمحاسن وهي تقول: "نحن هربنا من جحيم الحرب.. ما الذي سيدعونا إلى إشعال حرب أخرى".