تقارير

اغتيال إمبراطورة.. كابوس الاغتيالات يلاحق ملوك أوروبا

 

سناء نصر الله

لقد كانت مصادفة مأساوية وصلت أنباؤها المروعة إلى فيينا، وانتشر خبرها كالنار في الهشيم، لم تتوقف البرقيات، فقد وقعت مأساة في بحيرة جنيف بسويسرا في 10 سبتمبر/أيلول عام 1898، بطلاها المقتولة إمبراطورة النمسا إليزابيث (60 عاما) المعروفة بكونتيسة هوهنمز، والقاتل "لويجي لوتشيني" أحد الأناركيين الإيطاليين.

طوال عقود طويلة أبقى الأناركيون اللاسلطويون العالم في قلق دائم، فقد استهدفوا كل من مثل النظام القديم للحكم، وكانت دعوتهم قائمة على رفض التسلسلات الهرمية في الحكم ويرون أنها غير عادلة، وطالبوا بمجتمعات من دون دولة مبنية على أساس جمعيات تطوعية، واقترفوا في سبيل ذلك جرائم مثيرة للرعب في أكثر من دولة حول العالم، وكان شعارهم كما يقول المؤرخ "ولفغانغ مادرتاز": لابد من قتل الظالم الأشد خطورة.

كان مقتل الإمبراطورة النمساوية إليزابيث حدثا استثنائيا بعد سلسلة مريعة من الاغتيالات، فقد وقعت إليزابيث ضحية لهذا التيار القاسي ثم بدا موتها ملائما كقطعة أحجية في اللوحة الثورية الكبرى، لقد كان سلاح الجريمة مجرد مبرد بسيط قرب النظام القديم خطوة باتجاه الهاوية.

 

 

في أحضان الطبيعة الباذخة

كان موسم العطلة في أوجه في منطقة "مونتيه تريتكو" على بحيرة جنيف، وكان الطقس الصيفي الحار في أفضل أحواله، تلك الجنة لا تشوهها الملصقات الكثيرة للثوار المطلوبين، هناك في الثلاثين من أغسطس/آب عام 1898 وصلت ضيفة مرموقة لطالما عشقت بحيرة جنيف، كانت تلك زيارتها الخامسة للمنطقة.

كانت الإمبراطورة في العادة تأخذ خط السكة الحديدية إلى قرية كو، حيث لا تزال تتلقى فيها العلاج جراء ما ألم بها بعد وفاة أختها في حريق متجر في باريس، لكن سنوات عمرها الـ60 حرمتها من ممارسة رياضة الفروسية التي كانت تهواها، وكانت تأتي لقرية كو لأنها هادئة وباردة في الصيف وكانت غير معروفة فيها.

استأجرت الإمبراطورة نصف طابق في فندق، وكانت حاشيتها تتألف من 15 شخصا، من بينهم سيد البلاط الملكي "بارزفتس" القارئ، والوصيفة الملكية الكونتيسة شتراي، ومصفف الشعر، ولم يكن هناك حراس شخصيين.

وكعادتها في كل زيارة، كانت تستغل وقتها بالمشي والتنزه والذهاب إلى الأسواق وتسلق الجبال مع مرشد خاص، كما كانت تستقل القطار لتصل لجبل "روشي دوناي" وتستمتع بالإطلالة البانورامية الساحرة، وتركب القارب وتختلط بالمسافرين من دون أن يعرفها أحد، متجاهلة الخطر الكبير لغياب النظام.

قام البباراتزي (مطاردو المشاهير) بالتقاط صورة للإمبراطورة، ويظهر انعكاس الرجلين اللذين حاولا التقاط الصورة في الواجهة الزجاجية لأحد المحلات التجارية أن الإمبراطورة كانت تحاول فتح المظلة لأنها لا تحب التقاط الصور.

"بير جوزيف برودو" الأب الروحي للأناركيين

 

الأناركيون.. قتل الطاغية الأكبر

بدأ الأناركيون بالظهور منذ بداية القرن التاسع عشر، وكان يطالبون بحل كل هياكل السلطة، من أجل حل مشاكل الحقبة الصناعية، فكانوا يريدون عالما بدون ملكيات وممتلكات، وإنسانية من غير دولة أو حاكم، وكان الأب الروحي لهم "بير جوزيف برودو".

ويقول المؤرخ "ولفغانغ مادرتاز" عن برودو: إنه طور تعاليمه الانتقالية من الإقطاعية إلى الحداثة الصناعية، ومنها أن الملكية جريمة، وأن الملوك قدموا أنفسهم للعالم -عبر مفهوم خاطئ- كأداة قمع، توجب قتل الطاغية الأعظم، حتى تنطلق آلية ما تؤدي في النهاية إلى تحرر الجميع.

بعد وفاة الأب الروحي خاب أمل خلفائه، ومن بينهم "كروبوتكين" و"باكونين"، لغياب دعم الناس لهم، فلجأوا للعنف والقتل، وانتشر الذعر والخوف بعد مهاجمة الملوك والرؤساء والمؤسسات العامة.

في هذه الفترة كانت تبرز عناوين الخطر الأسود، وكان الناس مذعورين لكثرة الجرائم، ووصلت تقارير من مدينة شيكاغو الأميركية عن أعمال وشغب وحشية قام بها ثوار، وأخذت السلطة تعدم الناس بشكل عشوائي.

يقول مادرتاز: إنه من المثير للاهتمام أن نرى الأناركية كظاهرة في الولايات المتحدة، وكان المهاجرون الإيطاليون يقودون ذلك التيار، وفي الوقت نفسه ظهرت الأحزاب الديموقراطية في أوروبا.

تقول المؤرخة كاثرين كينينغر: إن الأمر الذي يجب عدم الاستخفاف به هو أن وزارة الشؤون الخارجية النمساوية -كما كان يطلق عليها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر- كانت تتواصل بشكل احترافي بمساعدة الوسائل الحديثة كالتلغراف وساعي البريد.

وتمكن المخبرون في نيويورك -على سبيل المثال- من اختراق المشهد الأناركي من قبل بعض المؤتمنين على الأسرار، وكانوا يقدمون التقارير باستمرار للعاصمة فيينا، لكن ما هو مثير للاستغراب غياب إجراء استباقي جراء هذا المشهد، والذي تم فقط هو اعتقال عدد ضئيل جدا من الأناركيين.

الأناركيون ظهروا منذ بداية القرن التاسع عشر

 

"لوتشيني".. القاتل القادم من الملاجئ

ينحدر "لويجي لوتشيني" من أحد ملاجئ الأيتام في وسط شديد الفقر، وقد عمل أعمالا شاقة جدا كشق الطرق، ثم انضم بعدها للتيار الأناركي في إيطاليا، وكان يقرأ أدبيات تخدم قضيته بحماسة، بعد ذلك هاجر إلى سويسرا وعمل مع الأناركيين.

في تلك الأثناء حاولت شرطة البلاط للإمبراطورية جمع معلومات عن نشاطات إليزابيث أرادوا الإشراف عليها، وزارها قائد شرطة جنيف في فندقها وحذرها من خطر اغتيالها إذ أن سويسرا كانت معقلا للأناركيين، فعرض عليها الحماية من قبل الشرطة، لكنها رفضت مراقبتها وملاحقتها كسجينة، وتجاهلت ذلك بملء إرادتها.

وقد علقت الإمبراطورة بسخرية: السويسريون رائعون وجبالهم رائعة وساعاتهم تعمل على أكمل وجه، أما نحن سلالة القتل الملكي فخطيرون كالجحيم.

بعد قمع الثورة في النمسا عام 1879، ظهر مفهوم الحكم الديكتاتوري المطلق الجديد، وتلقى الناس رسائل تعسفية وتهديدات بالقتل، وكان يتحتم على جيش من المخبرين والشرطة مراقبة كل خطوة يأخذونها.

ولم تعتبر "إليزابيث" حادثة اغتيال قيصر روسيا "ألكسندر الثاني" عام 1881 نوعا من التحذير لها، فقد نجا من عدة محاولات للاغتيال من بينها تفجير القطار الذي كان يقله، كما نجا من محاولة اغتياله في المعرض العالمي وغيرها من المحاولات، ثم كان اغتياله بواسطة تفجير قنبلة من قبل تلميذ أناركي أجهز بها على القيصر.

يقظة الجماهير.. خيبة الأمل الأناركية

يقول المؤرخ "ولفغانغ مادرتاز": إن الأناركيين كانوا يعتقدون أن موت القيصر سيحرك الجماهير ويوقظها، وبهذا سيتمكنون من بناء قاعدة يحتاجها فكرهم، ولكن بدل ذلك كان رد فعل الناس معاكسا وكانوا متضامنين مع الضحايا.

لاحق الأناركيون الحكام في أصقاع الأرض، وحاولوا اغتيال الإمبراطور الألماني "فيلهلم" خلال زيارته للأراضي المقدسة في فلسطين، ولكن لحسن الحظ منعت عملية اغتياله من قبل السلطات التركية، وقد أعدت تقريرا عن الحدث للسلطات النمساوية لكي ينقلوه للألمان.

كانت الإمبراطورة إليزابيث نفسها مصدومة من تلقيها موجة من الكراهية، ففي زيارة رسمية لمدينة تريستي الإيطالية تقول: أنا مصدومة من أولئك الإيطاليين، ذلك الحشد الرهيب دائما ما يصرخ ويطعنك من الخلف.

ففي عام 1882 وصلت هي وزوجها الإمبراطور "فرانس جوزيف" إلى تريستي لحضور فعاليات المعرض الدولي بمناسبة مرور 500 عام لانضمامها إلى النمسا، وكان هذا الحدث فرصة لـ "ويلهلم أوبردان" الشاب التريستاني للتخطيط لاغتيال الإمبراطور، فقد كان "أوبردان" محاربا إيطاليا مشهورا نادى بالحرية، وبإلهام من الأناركيين أراد تحرير تريستي من الحكم النمساوي باستخدام أساليب أناركية.

اعتُقل "أوبردان" وهو يحمل قنبلتين، وكان بإمكانه التماس العفو، لكنه بقي يقاوم، وتقبل حكم إعدامه شنقا، فقد ضحى بنفسه بكرامة في سجن الثكنات الكبيرة، ولم يكن انتظاره حكم الإعدام لم يكن محل تقدير وقتها، ولكنه بعد ذلك اعتبر شهيدا، ونشرت الصحف خبر إعدامه في 21 ديسمبر/كانون الأول عام 1887.

"لويجي لوتشيني" قاتل الإمبراطورة النمساوية

 

أناركيون في النمسا.. الحرب الدعائية

مشهد أناركي آخر يتشكل في النمسا، فرغم كل جرائمهم، كان الأناركيون في فيينا يحظون بشعبية في الأحياء الفقيرة، وكانت الشرطة تطاردهم هناك.

لقد درست المحامية إيفا مات الوضع السياسي للقرن التاسع عشر والروابط المثيرة للجدل بين الحركتين شديدتي الاختلاف، الاشتراكية والأناركية.

تقول إيفا: الأناركية في الملكية النمساوية الهنغارية ظهرت منذ سبعينيات القرن الثامن عشر عندما تطورت الحركة الديموقراطية الاجتماعية، وهناك اتجاهان يجب ملاحظتهما، واحد أكثر تطرفا والآخر أكثر اعتدالا.

كان "يوهان موست" و"جوزيف بويكرت" من المناصرين الأكثر شهرة لهاتين الحركتين، إحداهما كانت أكثر تطرفا، بينما كانت الأخرى تتبع أسلوبا حضاريا، وكل هذا له ارتباط بالحركة الاشتراكية بالنمسا. وقد طُرد "يوهان" من الحزب الديمقراطي الاجتماعي عام 1880 واضطر لمغادرة البلاد، وبعد سنة وصل جوزيف إلى النمسا كمحرض سياسي للحركة الأناركية، وخطب في أماكن مختلفة ثم استقر في النمسا.

كان للأناركيين معارف دوليين، ففي سويسرا حوّلوا الأموال لدعم الحركة النمساوية، وروّجوا للتحرك ضد النظام هناك، ومارس قليل منهم العنف تحت عنوان الإرهاب الأناركي، وعبر تصرفات فردية. أعلنت حالة الطوارئ في النمسا، وكان ذلك يتعلق بحقوق السكن والفرد والتجمع وحرية الصحافة، ثم تم تعليقها، لكن أقر ما يعرف بالقانون الأناركي الذي اعتبر كل التصرفات الإجرامية موجبة للعقاب.

وقادت الشرطة صراعا عنيفا ضد انتشار الحرب الدعائية، ورغم مراقبة الصحف إلا أن ثماني صحف تابعة للأناركيين، تداولتها الأيدي وانتشرت في فيينا.

قلعة بريني.. الرحلة الأخيرة

لم يرافق الإمبراطور "فرانس جوزيف" زوجته إليزابيث في رحلتها الأخيرة وبقي في فيينا، وكان يراسلها كعادته كل يومين "سأكون سعيدا وفق رغبتك في الاستمتاع بكل شيء معك بسلام". وفي ذلك الوقت كانت إليزابيث تستمتع في رحلاتها الطويلة، لكن وصيفتها كانت تبدي القلق أثناء وجودهم في جنيف، وتستغرب الإمبراطورة من ذلك.

كانت جنيف مدينة مهيبة مفعمة بالحياة، ومحط جذب للعالم المتطور، لما فيها من الحياة الاجتماعية الصاخبة، كما كانت مركزا للفنون والثقافة، لكن كان لها جانب غامض، وهو أنها كانت حصنا للأناركيين على مدى عدة أجيال.

في شارع دون فلير كان يعيش القاتل "لوتشيني" في مسكن فقير، ورغم خضوعه لمراقبة الشرطة فقد كان يتعامل مع الأناركيين الذين يملكون نفس الفكر أيام الرعب في ميلان، عندما قمع الجيش الانتفاضة بالدماء.

كان "لوتشيني" يرى أن الوقت حان ليضع خططا خاصة به، فكان يتسلل في شوارع جنيف بحثا عن ضحية مناسبة مرتاحة تشعر بالملل، حتى تحقق له ما أراد حين قبلت إليزابيث دعوة صديقتها البارونة "جولي روتشيلد" في بلدية بريني في صبيحة التاسع من سبتمبر/أيلول عام 1898، لتستقل قاربها بمرافقة وصيفتها وترفض القارب الخاص بعائلة "روتشيلد"، ورغم أنها كانت قد تلقت الكثير من التحذيرات فإنها تجاهلت ذلك كله، هل هي مرتاحة لأنها بعيدة عن السياسة، أم لأنها تعتقد أنها بعيدة عن الخطر؟

قلعة بريني الأفخم على بحيرة جنيف ما تزال مملوكة من عائلة "روتشيلد" حتى يومنا هذا، تقول "نادين دي روتشيلد": لقد أعيد بناء القلعة وترميمها من قبل البارونة "جولي".

كانت تلك الزيارة غير رسمية، ولطالما زارت "إليزابيث" "جولي" لأنها صديقتها المقربة، وكانت "إليزابيث" تتعلق في النصب الذي في الحديقة فهي تجيد الجمباز، وكانت تتناول العشاء في بريني مع جولي في قاعة الطعام الكبيرة، كانتا تتنزهان في الحديقة الغناء التي زرعت فيها أنواع كثيرة من الزهور.

الإمبراطورة النمساوية إليزابيث التي اغتالها أحد الأناركيين

 

أرزة الإمبراطورة.. فتحة إلى الجنة

كانت "إليزابيث" مسحورة بهذا الجو الذي يحيطها فقد كان يوما جميلا بالنسبة لها، قالت وقتها: أتمنى أن تنزلق روحي إلى الجنة عبر فتحة صغيرة في قلبي. وكانت هناك شجرة أرز كانت تحب تناول الحلوى تحتها فسميت بأرزة الإمبراطورة.

خرجت الإمبراطورة ووصيفتها من منزل "روتشيلد" مسافرتين إلى جنيف، ومكثت بالفندق الفخم بوري فاج لإتمام علاجها في كو.

في هذا اليوم كان يتوقع وصول وريث عرش فرنسا هنري دورليان لجنيف، لكن "لوتشيني" علم بذلك واختاره ضحية، غير أنه لم يملك المال لشراء مسدس فأعطاه صديقه مبردا، لكن "دورليان" ألغى الزيارة، وخيب أمل "لوتشيني"، ليغير خطته ويختار الإمبراطورة بدلا من الأمير.

"إليزابيث" ووصيفتها "إيرما" في ساعات المساء الأولى تستمتعان بوقتهما وتتناولان العشاء وتتسوقان، وعند العودة كانت الإنارة سيئة فضلّتا الطريق عبر الأزقة. تذكر ذلك "إيرما" في مذكراتها أنهما كانتا تمشيان مطمئنتين، وكان "لوتشيني" يتربص بهما، وهناك انهال على الإمبراطورة بضربة واحدة من مبرده.

تقول الطبيبة "هيلد يغوندي بيزا كاتزر": لم يعلم أحد بحقيقة ما حصل أثناء تلقيها الضربة من "لوتشيني" وسقوطها، نهضت بنفسها مسرعة، وعادت إلى وعيها. قد يكون سبب هذا الصدمة.

ذهبت مسرعة نحو القارب وكانت آخر كلماتها "ماذا حصل لي".

أعطتها وصيفتها قطعتين من السكر لاستعادة وعيها، لكن بعد ذلك أصبحت شاحبة تتنفس بصعوبة، وتم فك المشد ووجدوا بقعة صغيرة حمراء، ثم نقلت بالحمالة إلى الفندق، وجاء الأطباء، لكن كان من الواضح أن حالتها تزداد سوءا، قاسوا نبضها، وأدرك الجميع أنها تشرف على الموت.

وافق زوجها فرانس جوزيف على تشريح جزئي للجثة، فتبين أن المبرد أصاب الصدر، وأنها أصيبت بالضلع الرابع ونزفت حتى الموت، وتوقف القلب عن العمل.

جنازة مهيبة

توافدت رسائل التعزية من كل العالم، وباستياء وقلق علقت الصحافة على تصرف "لوتشيني" المروع، وظهرت ادعاءات على فشل الشرطة السويسرية، كما نظم فندق بوري فاج جنازة مؤثرة عبر فيها السويسريون عن مدى تأثرهم، ثم انطلق موكب الجنازة إلى محطة جنيف، وفي 12 سبتمبر/أيلول وصل القطار الذي ينقل جثمان الإمبراطورة الراحلة إلى محطة فيست بنهوف بفيينا.

يتشكل حشد كبير من الناس وتدق الطبول مع الموكب لتصل الجنازة "هوف بيرغ" البلاط الملكي، ويرافق جميع وجهاء البلاد الملكة للمرة الأخيرة، وقد أقيمت الجنازة في الـ17 من سبتمبر/أيلول، وتعاطف الجميع مع الإمبراطور الذي عانى من الصدمات في حياته.

تقول "كاثرين كينينغر": في برقية مشفرة تم الإبلاغ عن أناركيين خطيرين سافرا إلى فيينا لقتل أمير نابولي خلال مراسم الجنازة، لكن لحسن الحظ تم وضع توصيف دقيق لهما مما أسفر عن اعتقالهما في الوقت المناسب.

وقد ظهرت على أثر عملية الاغتيال أعمال شغب ضد الإيطاليين في فيينا، ولقيت محاكمة "لوتشيني" ضجة كبيرة، وقد ظهر في قاعة المحكمة بثقة كبيرة، ولم يشعر بالندم تحت الاتهامات، بل نادى بشعارات مشتعلة لتحرير العالم والمجتمع الأناركي، وكان يهتف أنها البداية.

أثر عملية اغتيال الإمبراطورة ظهرت أعمال شغب ضد الإيطاليين في فيينا

 

حب الحرية يجمع الجاني والضحية

أراد "لوتشيني" أن يكون مشهورا بعد موته وفضل الإعدام شنقا، لكن الحكم لم يذهب بهذا الاتجاه، فقد عوقب بالسجن المؤبد وتمتع أثناء سجنه بكثير من الامتيازات حتى أنه سمح له باستقبال المعجبين. ومن المثير للاستغراب أن "لوتشيني" كتب كثيرا من القصائد والمذكرات والآراء الأناركية والأفكار الرومانسية، وكان يتكلم بشكل غير مباشر مع ضحيته وقد رسمها أيضا، كما أجرى حوارات خيالية مع ضحيته.

أما خارج السجن فقد بدت الأمور مثيرة للاهتمام، ولم يكن بإمكان "لوتشيني" التعرف على قصائد إليزابيث التي تم نشرها بعد سنوات، فقد كانت امرأة محبة للحرية، وتنتقد امتيازات الأرستقراطيين وكسلهم، ومن الغريب أن القاتل كان قد كتب أن "أولئك الذين لا يعملون لا يجب أن يأكلوا"، وكتب أيضا "آمل أن تلقى معتقداتي الباطنية طريقها للإيمان ثانية".

ومن المفارقة أن تقول إليزابيث "ربما أجد نفسي ذاهبة لورع شديد مجددا".

كانت للإمبراطورة قصائد مستوحاة من الشاعر الألماني "هاي نيه"، وفي الحقيقة كانت هذه القصائد تضم دعوات وآثارا لا سلطوية وثورية، وكانت أفكارها تنتقد الحياة الاجتماعية ولم تكن صديقة للمملكة أو الجيش.

تقول المحامية إيفا مات: لم تعبد إليزابيث سيدها "هاي نيه" بقصائدها فحسب، بل جعلت له نصبا في جزيرة كورفو وقامت بزيارة قبره وكرمته، وكانت معجبة به جدا.

أما "لوتشيني" فقد شنق نفسه في زنزانته عام 1910، ودُفن رفاته في المقبرة المركزية في النمسا فيما بعد.