تقارير

"الإسلام السياسي".. كتاب ينطق باسم الغرب والأنظمة العربية

 

خاص-الوثائقية

في أواخر عام 1987 أتم القاضي والمفكر محمد سعيد العشماوي مراجعة آخر مسودات كتابه الجديد "الإسلام السياسي"، الاسم الذي كان غريبا على الأسماع في الشارع المصري، وكذلك المضمون، ليخوض في القضايا الخلافية والشائكة على امتداد صفحاته، فمن مناقشة مستفيضة لمبدأ الحاكمية، إلى مقاربة بين منظري الحركات الإسلامية في مصر وباكستان، عرجت على الأفكار والسياقات، وصولا لعبور مكثف على معاني ودرجات الجهاد في الإسلام، وفقا لأفكار الكاتب.

وقد فتحت الجزيرة الفضائية ملف هذا الكتاب المثير للجدل، من خلال حلقة من برنامج "خارج انص"، واستضافت لمناقشته مجموعة من النقاد المؤيدين والمعارضين لما ذهب إليه المستشار في أطروحاته.

 

محمد سعيد العشماوي.. حامل لواء الحرب ضد الحركات الإسلامية

هاجم المفكر الإسلامي محمد عمارة الكتاب هجوما شرسا وقال عنه: مشروع العشماوي كله مثير للجدل، وهو من جنود الغلوّ العلماني الذين تدعمهم الحكومات لمواجهة الصحوة الإسلامية، وقد رددتُ على مجموعة كتبهم في دراسة صدرت لي، وكتاب العشماوي الأخير مثل بقية كتبه؛ سطحي ويزيف الإسلام.

بينما كان الباحث في الحركات الإسلامية ماهر فرغلي من الذين أثنوا على الكتاب ومؤلفه بقوله: العشماوي هو خريج جامعة القاهرة، وكان الأول على دفعته، ثم أصبح قاضيا ومستشارا، وظل على منصة القضاء لسنوات طويلة، لكنه خاض حربا مع التيار الإسلامي، ومع الجماعات "الإسلاماوية"، حربا فكرية ضروسا في 35 كتابا، وقد طرقت كل القضايا التي تتحدث عنها هذه الجماعات في أدبياتها.

أما الباحث الإسلامي محمد سعيد مبروك، فقد انتقد أسلوب العشماوي في الاستقراء، معلقا: عندما تقرأ للعشماوي لا تجد استشهادات بكتب ولا مراجع ولا هوامش. المادة الفقهية في الكتاب ضعيفة جدا، حتى أنه لا يذكر أسماء فقهاء ولا فلاسفة، المادة أقرب إلى موضوع إنشاء، وأطروحاته في كتابه الأخير إما سبقه إليها أمثاله من العلمانيين، أو أضاليل زادها على نهج من سبقوه.

ومن الذين أيدوا الكتاب الصحفي والكاتب رحاب الدين الهواري، حيث قال: الكتاب قيّم ويستحق كل هذا الجدل الذي أثير حوله، وخصوصا الفصول الثلاثة التي تناولت مواضيع مثل "حاكمية الله" و"الجهاد في الإسلام" و"الشريعة في الإسلام". حيث كان العشماوي جريئا في طرحها وإثارة الجدل حولها.

يعتبر هذا الكتاب أول من ابتدع مصطلح "الإسلام السياسي" ليكون البدعة التي اتبعها المناوئون في حربهم ضده

 

"الإسلام السياسي".. جدلية المصطلح القادم من الغرب

يقول محمد سعيد العشماوي مؤلف كتاب "الإسلام السياسي": في هذا الكتاب استخدم عنوان "الإسلام السياسي" كصفة للجماعات والهيئات التي تهدف إلى السياسة أساسا، وترمي إلى الحزبية أصلا، وإن غلفت أهدافها بأردية من الدين أو بأقنعة من الشريعة، فتقول تارة إن السياسة جزء من الإسلام أو تقول تارة أخرى إن العمل السياسي فريضة على المسلم، وهي مقولات فنّدها الكتاب خلال فصوله.

ويرد عليه السيد مبروك: لا أعرف إن كان هو الذي اخترع العنوان، أو نقله عن الجهات الأجنبية التي تستخدم هذا العنوان، ولكن أنا شخصيا ضد هذا العنوان بالكلية، لا يوجد شيء اسمه الإسلام السياسي، ولكن هنالك إسلام كليٌّ حقيقي. وإسلام جزئي أراد الاستعمار أن يحصر فيه جموع المسلمين، من مثل العبادات الشخصية.

أما الباحث في الجماعات الإسلامية أحمد بان، فيرى أنه "أصبح مصطلح الإسلام السياسي مشهورا للدلالة على كل الجماعات الإسلامية الحركية التي تستغل الإسلام لأغراض سياسية".

ويعارض د. عمارة استخدام مصطلح الإسلام السياسي فيقول: "مصطلح الإسلام السياسي مصطلح ملتبس، بل وخاطئ وغير دقيق علميا، أي أنك تجزئ الإسلام إلى حضاري وسياسي وغيره، فمصطلح الإسلام السياسي يختزل الإسلام في السياسة، بينما الإسلام يرى أن السياسة من الفروع. والمصطلح الدقيق الذي ينبغي استخدامه هو "السياسة الإسلامية"، وهذا علم من العلوم الإسلامية ويسمى "السياسة الشرعية".

يجمل الكتاب سبب قيام الحكومات الإسلامية في تاريخ الاستعمار وإنشاء دولة باكستان وإنشاء دولة إسرائيل وهزيمة 67

 

الحكومة الإسلامية.. أسباب التاريخ والاقتصاد والمجتمع

تعرض المؤلف العشماوي على صفحات الكتاب لما أسماه جماعات الإسلام السياسي منذ أوائل القرن العشرين وناقش ما صاحب نشاط هذه الحركات من أهداف واستراتيجيات، وطبيعة تحركاتها ومساعيها، وقد رأى أن مصطلح الحكومة الإسلامية هو أحد أهم هذه المفاهيم وأشهر هذه الإستراتيجيات على الإطلاق.

يقول الكاتب: "إن أسباب الدعوة إلى الحكومة الإسلامية أسباب كثيرة جدا، تاريخية واجتماعية واقتصادية وغير ذلك من أسباب، غير أنه لا بد من اختزالها وتركيزها في عدد معين يستقيم به الحدث، وهذه الأسباب تجمل في: تاريخ الاستعمار، وإنشاء دولة باكستان، وإنشاء دولة إسرائيل، وهزيمة 67".

بينما يرى المعارضون للمرجعية الإسلامية أن بريطانيا سمحت بقيام باكستان لتعزل المسلمين في كيان مغلق لا يختلط ويؤثر في المجتمع الهندي الفسيح؛ فهذا السيد الهواري يقول عن باكستان: باكستان هي أول دولة ظهرت على أساس ديني لتجمع هؤلاء المسلمين بأفكارهم التي لا تقبل الاحتكاك مع الآخر، حتى يطبقوا الدين كيفما يرونه بمفردهم.

ويعارض د. مبروك هذا الطرح المختزل والمشوّه معلقا: لم تقم الظاهرة الإسلامية في الأساس لاسترجاع الخلافة فقط، ولكن لاسترجاع المرجعية الإسلامية التي تسبب في إزالتها الاستعمار في القرن 19، فهي في حالة كمون، وتستثار عند وجود محرض مثل قيام دولة إسرائيل، كذلك استغلال العالم الغربي لمقدرات العالم الإسلامي، إذا هي حالة موجودة وليست جديدة.

أراد عشماوي أن يطعن في التيار الإسلامي الذي يدعو إلى حاكمية الله وأن يصورها بأنها ثيوقراطية وكهانة

 

"لا حكم إلا لله".. بين الفهم الخاطئ والتشويه المتعمد

يتطرق الكاتب إلى مفهوم "حاكمية الله"، وعبارة "لا حكم إلا لله"، اللذين يعتبرهما عشماوي أكبر المشكلات التي تمس علاقة تلك التيارات ومجتمعاتها الإسلامية فيقول: "فجملة لا حكم إلا لله، أو الحاكمية لله جملة برّاقة لا يستطيع أحد أن يعارضها أو يناقضها، ومن ذا الذي يستطيع- خاصة مع وجود خلاف سياسي أو تيار متطرف أو اتجاه عنيف- أن يناقش مثل هذا القول أو أن يفند ما وراءه من مغالطات؟".

ويسخر د. عمارة من هذا الطرح بقوله: أراد أن يطعن في فكر التيار الإسلامي الذي يدعو إلى حاكمية الله وأن يصور هذه الحاكمية التي يدعو إليها التيار الإسلامي بأنها ثيوقراطية وكهانة تجرد الإنسان من الحكم، وتمنع الديمقراطية والشورى، وهذا ليس صحيحا، فالحكم لله، ولكن الله استخلف الإنسان ليحكم بما أنزل الله، والذي حسم الموضوع في عبارة موجزة هو الإمام ابن حزم الأندلسي حيث قال: إن من حُكم الله أن يكون الحُكم لغير الله.

يقول المؤلف: "وشبه جزيرة الهند منطقة المتناقضات الشديدة والمتعارضات العنيفة، ونتيجة ظروف تاريخية معقدة، فقد نشأ فيها تيار إسلامي تفاعلت فيه مركبات النقص ومشاعر الاضطهاد وأحاسيس الأقليات وكراهية الاستعمار، فأدى كل ذلك إلى التردي في المبالغة العنيفة والتعصب البالغ والتعالي الشديد"، في إشارة إلى قيام دولة باكستان.

يتصدى السيد مبروك مرة أخرى لفكرة دولة باكستان الإسلامية قائلا: كلام عشماوي عن المودودي كلام غير حقيقي على الإطلاق، ولكنه كان يتحدث عن مئات ملايين المسلمين في الهند الذين تحكمهم قواعد وأفكار ومناهج غربية، فعندما أراد أن يعيدهم إلى المرجعية الإسلامية قام العشماوي بتخطيئه، فكل ما يهمه تشويه أفكار سيد قطب والمودودي دونما سبب أو مرجع وجيه.

جعل عشماوي من الجهاد كلمة مطاطة تتسع لما يأمر به الله من جهاد، وما يدعو له بعض الدعاة من حرب وقتل وإفساد

 

مفاهيم الجهاد.. بين الكلمة الطيبة وحدّ السيف

صاغ محمد سعيد العشماوي كتابه على شكل مقالات نشرت وسط مناخ عاصف بلغت فيه حملة العنف والعنف المضاد ذروتها، فساعده هذا المناخ على طرح أحد فصول الكتاب الهامة وهو "الجهاد في الإسلام"، وعمد فيه إلى تقديم تفسير مختلف عن الجهاد قائلا: "وقد تطور مدلول اللفظ في القرآن الكريم تبعا لظروف التنزيل وأحوال العصر، ثم تغير هذا المدلول عبر التاريخ تغيرا كبيرا، بعُد به في كثير من الحالات عن معناه الأصلي، وجعل من الجهاد كلمة مطاطة تتسع مظلتها لما يأمر به الله من جهاد، وما يدعو له بعض الدعاة من حرب وقتل وإفساد".

وهذا اجتراء على المفهوم الشامل للجهاد في نظر د. عمارة الذي يفند ذلك قائلا: هذا افتراء شديد على المسلمين، فهم لم يفهموا الجهاد على أنه القتال وحده، بل بالعكس، فإن 99% من الجهاد لا يقصد به القتال، والجهاد الكبير يكون بالكلمة والحجة.

أما د. كمال مغيث من المركز القومي للبحوث، فيؤيد ما ذهب إليه المستشار بقوله: مفهوم الجهاد في الإسلام اختلف من عصر إلى آخر كما يرى عشماوي، ولكن ليس بالمعنى الذي تراه الجماعات المتطرفة، فعندهم يكون الجهاد قتال من هم دونهم أو عداهم.

ويتحدث الأستاذ مبروك عن الجهاد كما يفهمه كثير من المسلمين قائلا: "ليس هناك علماني يعمل لصالح الجهات الخارجية إلا ويعمل على إبطال نظرية الجهاد، فالجهاد عندنا هو بذل الجهد لتحقيق غرض ما، أما أن تجتزئ وتختزل الجهاد في جهاد النفس فهذا كذب وتضليل.

ويتابع مفصلا في نظرة المسلمين وغير المسلمين والمتعصبين إلى الجهاد قائلا: الجهاد في نظر غير المسلمين حرب مشهرة عليهم وسيوف مسلطة على الرقاب، وهو في نظر أكثر المسلمين واجب ديني لدعوة غير المسلمين إلى الدين الحق بالقدوة الطيبة والجدال الحسن. وهو في نظر نفر من المتعصبين فريضة دينية لم تزل غائبة، ولن تعود إلا بإشهار السيوف وإعلان الحروب على الجميع، مسلمين وغير مسلمين، ممن يخالفونهم الاتجاه أو يعارضونهم الأسلوب.

يعلق د. عمارة على موضوع المنع والمصادرة المزعومَيْن لكتب عشماوي: من قال إن مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر صادر الكتاب فهو كاذب، فمنذ عهد السادات لا يصادَر كتاب إلا بحكم محكمة قاطع، وإنما مجمع البحوث يعطي رأيه فقط، والذين يقولون عن كتبهم إنها صودرت فإنما يمارسون نوعا من الدعاية والإشهار ليس أكثر.

ذات صلة