تقارير

الإنترنت الفضائي.. هل تستطيع الأقمار الصناعية ضمان تغطية شاملة للأرض؟

 

مراد بابعا

مع بداية العام الجديد 2020، تستعد الشركة الأمريكية "سبيس إكس" (SpaceX) لإطلاق حزمة ثالثة من أقمارها الصناعية الصغيرة إلى الفضاء، في إطار مشروعها الطموح "ستارلينك" (Startlink).

مشروع بدأ فعليا السنة الماضية بإطلاق حزمتين من 60 قمرا صناعيا لكل حزمة، خلال شهري نوفمبر/تشرين الثاني ومايو/أيار 2019، ضمن خطة تشمل إرسال 12 ألف قمر صناعي صغير مستقبلا، والوصول إلى 42 ألف قمر صناعي حول الأرض على المدى الطويل.

وتهدف الشركة التي أنشأها الملياردير الأميركي "ايلون ماسك" من خلال هذه الأقمار الصناعية توفير انترنت عالي السرعة في أي نقطة على سطح الأرض، بعد حوالي 24 عملية إطلاق.

وليست " سبيس إكس" الوحيدة التي تطمح إلى قلب الموازين في هذا المجال، فشركة "ون ويب" (OneWeb) التي مقرها في بريطانيا وتعتبر من بين فروع إيرباص" لصناعة الطائرات تتوفر أيضا على أزيد من 600 قمر صناعي بمدار أرضي منخفض (160 – 2,000 فوق سطح الأرض)، وتسعى لرفع هذا الرقم في السنوات المقبلة. فيما كشفت “أمازون” عن خطط لبناء شبكة تضم أكثر من 3 آلاف قمر صناعي في إطار مشروع يسمى "كايبر" (Kuiper).

ورغم أن الإنترنت الفضائي ليس بالجديد، إلا أن التوجه الحالي يسعى لجعل التقنية رائدة عوض اقتصارها فقط على المناطق النائية كبديل للشبكات التقليدية، كما تجري الأبحاث لتقليل كلا من تكلفة الخدمة وتأثير الظروف المناخية على جودة الاتصال.

فلماذا هذا التوجه نحو الإنترنت الفضائي؟ وكيف تشتغل هذه التقنية؟ وما هي مميزاتها مقارنة بالإنترنت الأرضي؟

"سبيس إكس" تعد بمستقبل فضائي واعد في خدمة العلوم وسرعة الاتصالات

 

الإنترنت الفضائي.. التقنية القديمة الجديدة

ظهور الإنترنت عبر الأقمار الصناعية مرتبط بظهور الإنترنت و"الويب" بشكل عام. لكن تطوير هذه التقنية لم يحظ بالاهتمام نفسه مقارنة بالشبكات التقليدية الأخرى، وظل منحصرا على بعض التجارب القليلة إلى غاية تسعينيات القرن الماضي، حين برزت شركة "تيلي ديسيك" (Teledesic) كأحد رواد هذه التقنية، وأطلقت مشروعا طموحا لوضع مئات الأقمار الصناعية في مدارات منخفضة لتأمين الاتصال بالإنترنت، لكن مشروعها باء بالفشل سنة 2003 بسبب كلفته المرتفعة، وهو المصير نفسه الذي لاقته شركات أخرى على غرار "إريديوم" و"غلوبال ستار" و"آي سي أو".

هذا الوضع أخّر كثيرا تطور تقنية الإنترنت الفضائي، وترك فراغا كبيرا في هذا المجال رغم محاولة شركة "يوتسات" (Eutelsat) فيما بعد تأمين الاتصال بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية للمشتركين، ما ساهم جزئيا في تقليص كلفة الخدمة.

لكن بعد العام 2014، وبسبب التطور الهائل الذي عرفته شبكة الإنترنت حول العالم، بدأ الاهتمام يعود تدريجيا إلى التقنية التي يفترض فيها أن تسهّل الولوج إلى الشبكة العنكبوتية، وهو ما تزعمته شركات مثل "سبيس إكس" و"ون ويب" و"أمازون" التي لا زالت تطور هذه التقنية وترسل كويكبات من الأقمار الصناعية في مدارات منخفضة قريبة من الكرة الأرضية.

وتحاول هذه المشاريع وعلى رأسها "ستارلينك" (Startlink) التغلب على الإشكاليات الحالية للانترنت الفضائي بتوفيرها في كل الدول، وخفض تكلفة الخدمة إلى الحد الأدنى، ورفع سرعتها بما قد يتعدى سرعة الإنترنت الأرضي.

رسم تخيلي للفضاء حول الأرض مليء بالأقمار الصناعية (يمينا) وستون قمرا دفعة واحدة مرصوصة في رأس صاروخ سبيس إكس (يسارا)

 

استثمار ضخم.. بقدرات غير مسبوقة

ستكون سنة 2020، استثنائية لشركة "سبيس إكس" ومشروعها "ستارلينك"، إذ ستقوم الشركة لأول مرة بتغطية الولايات الأمريكية الجنوبية بشبكة الإنترنت الفضائي، لإظهار أهمية هذه التقنية وتحمّلها للظروف المناخية الصعبة في هذه المنطقة المعروفة خصوصا بالأعاصير.

وفي حالة انقطاع التيار الكهربائي يشكل أيضا الإنترنت الفضائي بديلا مهما لتفادي خسائر مادية كبيرة ناجمة عن توقف العمل أو إبرام صفقات مهمة. كما تعتبر هذه التقنية حلا حقيقيا للتواصل مع العالم في المناطق النائية التي لا تتوفر فيها شبكة كهربائية جيدة، ما سيمثل بديلا حقيقيا لحوالي 3.5 مليار نسمة. ويمكن أيضا استخدام إنترنت الأقمار الصناعية على متن السفن لاستقبال الإنترنت في أعماق البحار.

وخلال سنة 2020 ستقوم "سبيس إكس" بـ38 عملية إطلاق؛ 23 منها ستخصص لمشروع "ستارلينك" والبداية ستكون بحزمة جديدة من 60 قمرا صناعيا صغيرا، سينضافون إلى 120 قمرا صناعيا يوجدون أصلا في المدار، وسترتفع وتيرة الإطلاق من أجل الوصول إلى 120 قمرا صناعيا كل شهر.

وتتوقع الشركة في حال نجاح المشروع، توفير خدمة إنترنت بسرعة أعلى 180 مرة من أجود خدمة مقدمة حاليا في جميع أنحاء العالم. وتحافظ "سبيس إكس" على سرية معظم تطورات مشروعها، الذي تقدر تكلفته بمليارات الدولارات، مع العلم أن هذا الاستثمار على المدى الطويل غير مضمون من الناحية الربحية.

 

الاستغلال التجاري.. تساؤلات عديدة

لا تختلف العروض التجارية للإنترنت عبر الأقمار الصناعية التقليدية التي يتم تسويقها حاليا كثيرا عن عروض الإنترنت عبر الشبكات الأرضية واللاسلكية، رغم أن الكلفة لا زالت مرتفعة من أجل اقتناء التجهيزات الخاصة بالتقاط إشارات الأقمار الصناعية.

لكن خدمة مشروع "ستارلينك" تسعى إلى الاعتماد على أجهزة استقبال أصغر حجما، وأقل تكلفة، وأكثر استجابة بفضل الأقمار الصناعية التي ستُحلق في مدارات مُنخفضة فوق الأرض على ارتفاع قد يصل إلى 335 كيلومترا، ولن يتعدى في أسوء الحالات 1300 كيلومترا، وهو ما يسهل وصول الإشارة بقوة وبدقة مقارنة بأقمار الاتصالات التقليدية الموجودة على مدارات عالية جدا تصل إلى 36000 كيلومتر.

وتتحفظ شركة "سبيس اكس" عن تقديم تفاصيل اشتغال أجهزة استقبال الإنترنت القادمة السماء، لكن التجارب الأولية التي أجريت على التقنية تظهر أن أجهزة الاستقبال ستكون على شكل هوائيات استقبال ثابتة. ويتوقع أن تعمل الشركة على تقليص قطرها لتصل إلى حجم قطعة "بيتزا"، كما لن تحتاج للدوران في كل مرة كما هو الحال بالنسبة للهوائيات التقليدية.

ولن يقتصر الأمر على الاستعمال المنزلي أو داخل بنايات المؤسسات والشركات، فالهواتف المحمولة أيضا ستستطيع استقبال "الإنترنت الفضائي" والاستفادة من مميزاته وسرعته الفائقة بحسب شركة "سبيس إكس" من خلال تأجير الخدمة لمشغلي شبكات الاتصال الحاليين وبثها عبر أبراج الاتصالات التقليدية التي تستقبل الهواتف إشاراتها.

صواريخ "سبيس إكس" تتمكن من العودة إلى منصات إطلاقها بعد أداء مهمتها بوضع الأقمار الصناعية حول الأرض

 

إشكالات متعددة.. هل يتحقق الهدف من المشروع؟

يعتبر البعض "مزرعة الأقمار الصناعية" التي ينوي "إيلون ماسك" إقامتها في الفضاء بمثابة كابوس يهدد مستقبل الكرة الأرضية. فهذا العدد الكبير من الأقمار الصناعية لن ينجو من حوادث الاصطدام المتعددة التي ستنتج حطاما يؤدي إلى مزيد من التلوث الفضائي، رغم أن الشركة أكدت مرارا أن أقمارها الصناعية زودت بنظام لتفادي الاصطدام، يمكنها من تعديل المسار إلكترونيا، كما زودت بقاعدة بيانات تجمع مواقع الأقمار الصناعية الأخرى المُحلّقة حول الأرض.

أن الكثير من علماء الفلك عبّروا أيضا عن إحباطهم، ليس فقط بسبب احتمالات التصادم، وإنما نتيجة الانعكاسات السلبية لآلاف هذه الأقمار الصناعية المضيئة، والتي قد تفسد بشكل متزايد النظر إلى السماء في الليل وتعيق أبحاث علم الفلك.

وحتى الشركات الأخرى لم تُخف تحفظها على مشروع "ستارلينك"، فالرئيس التنفيذي لشركة "إريان سبيس" (Arianespace) الأوروبية حذر مؤخرا في مقابلة مع صحيفة "ديلى ميل" البريطانية مما يدعى "استعمار المدار الأرضي المنخفض واحتكار القطاع".

ورصد رئيس " إريان سبيس" -وهي أول شركة أقمار صناعية تجارية في العالم تعمل منذ عام 1980- أخطارا محتملة للمشروع مرتبطة بالاحتكار قائلا "إن امتلاك شخص واحد لهذه المنطقة يمكن أن يحرم العالم من مساحة مستدامة".

وتطرح أيضا تقنية الإنترنت عبر الأقمار الصناعية إشكالية المراقبة، فأغلب الدول لن تسمح بفقدان التحكم في هذه الوسيلة ولن تسمح للمواطنين بالولوج بشكل مباشر إلى الشبكة العنكبوتية دون المرور من خلال الخوادم التقليدية التي تخضعها للمراقبة، على اعتبار أن الإنترنت الفضائي يسمح بالاتصال مباشرة بالقمر الصناعي باستعمال لاقط هوائي فقط.

عنقود من ستين قمرا صناعيا تطلقها "سبيس إكس" كل دفعة لتخدم الإنترنت في أية بقعة على الأرض

 

سرعة الإنترنت.. أبواب جديدة ستُفتح

يعتبر السباق من أجل الحصول على شبكة انترنت عالية الأداء أحد أشرس المواجهات التي يعرفها العالم حاليا، فشبكة الجيل الخامس للاتصالات مثلا أثارت أزمة غير مسبوقة بين الولايات المتحدة والصين، ولا شك أن الإنترنت الفضائي سيقلب الموازين إذا تحققت وعود الشركات التي تطور هذه التقنية وعلى رأسها حاليا "سبيس إكس".

فإذا استطاع العالم الرفع من سرعة الإنترنت وضمان استقرارها بشكل أفضل، فإن ذلك سينعكس إيجابا على كل التقنيات الناشئة والبحوث العلمية الحالية، فالوصول إلى سرعات كبيرة لا يفيد فقط في تصفح الإنترنت وتحميل البرامج والتطبيقات والأفلام بشكل أسرع، لكن ذلك سيساعد أيضا في انتشار تقنيات لا تزال حاليا في طور الاختبار، كالمحادثات ثلاثية الأبعاد بالصوت والصورة، أو تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى السفر عبر العالم بشكل افتراضي، أو حتى إجراء عمليات جراحية للمرضى عن بعد.

وأكثر من ذلك، فعندما حصلت شركة "سبيس إكس" في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 على موافقة من لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية لإطلاق 7 آلاف قمر اصطناعي ضمن مشروع "ستارلينك" إلى الفضاء، قال مؤسس الشركة "إيلون ماسك" إن هدف مشروعه على المدى البعيد هو توفير إيرادات من خلال الإنترنت الفضائي للمساعدة في تمويل إنشاء مدينة على سطح المريخ!

فهل ستتكلل خطة "سبيس إكس" بالنجاح؟ وكيف سيستقبل العالم هذا النوع المفتوح من عالم الإنترنت؟ وكيف ستتعامل دول العالم الثالث خصوصا مع هذه التقنية الغازية؟