تقارير

البيت الأبيض.. عرَق العبيد وفضائح الساسة ومطبخ العالم

 

خاص-الوثائقية

بناه العبيد الأفارقة وأحرقه الجنود البريطانيون، سكنه جميع الرؤساء الأمريكيين باستثناء أولهم "جورج واشنطن" الذي اختار موقعه وتصميمه، ويسمى بالأبيض بفعل لون الحجارة التي بني بها والطلاء الذي يكسو جنباته، لكنه في الواقع علبة سوداء.

إنه البيت الأبيض الذي يقف شاهدا على قرنين من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، بعمارته الأيرلندية وحدائقه الخلابة وأقبيته السرية المتشعبة، يجمع في الآن ذاته بين واجهة رومانسية وباطن ملؤه السرية والإخفاء وصنع أهم القرارات العالمية.

من "سماسرة البيت الأبيض" إلى "آل ترامب المحترمون"، مرورا بـ"الديمقراطية الأمريكية: سلطة المال" و"ثورة ريغان" و"سنوات أوباما" و"عصر كلينتون"، قلّبت "الوثائقية" صفحات كثيرة من تاريخ وحاضر المبنى الأكثر أهمية في العالم.

وفي سياق الانتخابات الأمريكية لنوفمبر/تشرين الثاني 2020 التي ستفرز رئيسا جديدا وأغلبية جديدة في الكونغرس بدءا من فاتح يناير/كانون ثاني 2021، يستأثر مبنى البيت الأبيض بالاهتمام، وتتطلّع الأعين لكشف خبايا اختيار موقعه وهندسته الداخلية وسراديبه المحصنة تحت الأرض، وأهم ما دار فيه من قصص وأحداث سياسية وإنسانية، وفضائح أخلاقية هزت عروش بعض الرؤساء.

 

"آل ترامب المحترمون".. مهاجر ألماني معدم يحقق الحلم الأمريكي

رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها أمريكا لجعل مقر عمل وإقامة رئيسها يبدو كما لو أنه غرفة زجاجية شفافة ومفتوحة أمام العموم، فإن غلافا سميكا من العتمة يحيط بجل ما يقع داخل هده البناية، ويكفي أن الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" اعتبر تسريب خبر لجوئه إلى المخابئ السرية الموجودة في قبو البيت الأبيض أثناء الاحتجاجات التي أعقبت قتل "جورج فلويد" في العام الأخير من ولايته؛ إهانة له، مما جعله يخرق جميع قواعد البروتوكول والأمن ويخرج إلى الشارع متحديا الجميع[1].

وشكّل وصول "ترامب" إلى البيت الأبيض بداية حقبة جديدة في تاريخ هذه البناية، حيث جسّد الرئيس الـ45 للولايات المتحدة الأمريكية طينة جديدة من الحكام، فهو قادم من عالم المال والأعمال ومجالات الفنادق والحانات والكثير من الممارسات غير المحبذة عادة في النخب السياسية.

كما يجرّ "ترامب" وراءه قصة عائلية مثيرة بدأت بهجرة جده "فريدريك" من ألمانيا إلى الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن 19، محاولا الانعتاق من حالة الفقر والعوز التي كانت تعيشها عائلته[2].

يروي فيلم "آل ترامب المحترمون" كيف عمل جدّ "ترامب" حلاقا بمنطقة مانهاتن في نيويورك، لكنه واصل ترحاله وانتقل منتصف تسعينيات القرن الـ19 إلى الساحل الغربي، وتحديدا إلى "سياتل"، حيث تنتشر الملاهي ومحلات القمار، وبعد فترة قصيرة أصبح مالكا لمطعم في هذه المدينة. إنها قصة تضاهي أكثر سيناريوهات هوليود الخيالية، في تجسيد البيت الأبيض لغرابة "الحلم الأمريكي" وسحره الذي يجعل حفيد حلاق معدم يصبح أقوى رجل في العالم.

واصل "ترامب" الجد رحلة تنقله إلى أقصى شمال الولايات المتحدة بحثا عن فرص أفضل، وهناك بني فندق ترامب الأول، وكان "ترامب" الجد يطارد الفرص في كل موضع، ففي طريق عمال المناجم نحو منطقة اكتشف فيها الكثير من الذهب كانت الخيول تموت بسبب وعورة الطريق، لذا ذهب "ترامب" الجد إلى هناك، وفتح مطعما يقدم لحم الخيول الميتة كطعام شهي، وعندما أغلق المنجم رحل إلى مكان آخر حيث أقام فندقا للهو والبغاء[3].

توفي "ترامب" الجد بسبب وباء الأنفلونزا الإسبانية الذي اجتاح العالم سنة 1918، وتحمّل بعده ابنه "فريد ترامب" مسؤوليات كبيرة، وبعد فترة تعلّم قصيرة استأنف أعمال البناء والعقارات التي بدأها "ترامب" الجد في نيويورك، لكنه واجه تبعات الكساد الكبير الذي عرفه الاقتصاد الأمريكي في العشرينيات من القرن الماضي، وسرعان ما حوّل تلك الأزمة إلى فرصة، إذ استفاد من السياسات الليبرالية الكبرى التي أطلقتها السلطات لإنعاش الاقتصاد، ونسج من أجل ذلك علاقات متشعبة مع الطبقة السياسية[4].

ربى "فريد" أبناءه -ومن بينهم "دونالد"- على حب المال واحتراف اقتناصه، وردّد على مسامعهم مقولة "بالقتل تبقون ملوكا"، أي أنه لا مجال للعواطف ولا الرحمة.

على طراز البرلمان اللإيرلندي بني "جورج واشنطن" البيت الأبيض سنة 1792 على يد المهندس الأيرلندي "جيمس هوبان"

 

مبنى أيرلندي بحجارة أسكتلندية.. مضاهاة الفخامة الأوروبية

إذا كانت قصة "ترامب" الجد تعود إلى نحو قرن مضى، فإن قصة البيت الأبيض تعود إلى أكثر من قرنين وربع القرن، حين أطلق "جورج واشنطن" أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية مسابقة لاختيار أفضل تصميم لبناء بيت إقامة الرئيس، مشترطا أن يكون بناؤه بالحجارة، سعيا منه إلى حيازة البناية الجديدة للفخامة الكافية لمضاهاة البنايات العظيمة في أوروبا.

ولكونها جمهورية لا ملكية فإنها لا يجوز لها أن تحوز قصرا شبيها بقصور الملوك، وقد حرص "جورج واشنطن" على منح البلاد إقامة رئاسية تحمل ما يكفي من مظاهر العظمة، فكان الفوز من نصيب المهندس الأيرلندي "جيمس هوبان"[5].

استغرق بناء البيت الأبيض ثماني سنوات، بتكلفة مالية إجمالية تقارب ربع مليون دولار، وتعود طاولة مكتب الرئيس الشهيرة الموجودة في القاعة بيضاوية الشكل إلى الملكة البريطانية "فكتوريا" التي أهدتها للرئيس الأمريكي "رذرفورد هايز" عام 1888، وقد صنعت هذه الطاولة من خشب سفينة بريطانية كانت تتولى مهمة استكشاف القطب الشمالي[6].

جاء الشكل الهندسي النهائي للبيت الأبيض شبيها بمبنى موجود في العاصمة الأيرلندية "دبلن" هو مبنى البرلمان الأيرلندي، ومن بين ما يثير به سكان البيت الأبيض الأنظار اختلاف أذواقهم في اختيار الحيوانات التي تقاسمهم العيش فيه، فالرئيس "جون كوينسي آدمز" اختار تربية تمساح داخل هذا المبنى، لكن ابنة الرئيس "ثيودور روزفلت" فضلت تربية ثعبان، بينما اشتهر الرئيس "كالفن كولدج" في عشرينيات القرن العشرين بتربيته أصنافا مختلفة من الحيوانات مثل دب وأشبال أسد وفرس نهر[7].

بني البيت الأبيض بأحجار من الكلس/ الجير جلبت من أسكتلندا على طراز كلاسيكي قديم استوحاه المهندس "هوبن" من الطراز المعماري الروماني الإيطالي القديم، وخصص الطابق الأرضي ليضم غرفة الخريطة والغرفة الصينية وغرفة اللقاءات الدبلوماسية، بينما يضم الطابق الأول قاعة الدخول والغرفة الحمراء والغرفة الزرقاء والغرفة الخضراء (حسب الألوان التي زينت بها)، في حين يشمل الطابق الثاني الغرفة الصفراء والقاعة المركزية وغرفة العشاء الرئاسية[8].

يضم البيت الأبيض مكتبة تتألف من 2700 كتاب تعود إلى كتاب أمريكيين أو تتناول تاريخ الولايات المتحدة، وتستخدم عادة للمقابلات الصغيرة وجلسات الشاي، كما يضم حديقة الورود التي صممت على طراز الحدائق الأمريكية في القرن الثامن عشر[9].

وتعتبر حدائق البيت الأبيض من أجمل مكوناته الداخلية، وخاصة منها حديقة الورود التي صمّمت في مستهل ستينيات القرن العشرين، بطلب من "جاكلين" زوجة الرئيس الأمريكي وقتها "جون كينيدي"، وهو الذي ترك بصمته داخل البيت الأبيض لما يناهز الستين عاما، قبل أن تعلن "ميلانيا" زوجة الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" عن عزمها تجديد شكل الحديقة، من خلال إضافة نظام لتصريف المياه وممرات من الحجر الجيري.

في حقيقة الأمر يعود إحداث هذه الحديقة إلى بداية القرن العشرين، وتحديدا عهد الرئيس "وودرو ويلسون"، لكن استخدامها كواجهة جمالية للبيت الأبيض لم يقع إلا في عهد "كينيدي"[10].

 

"عصر كلينتون".. ذروة الفضائح الأخلاقية في البيت الأبيض

خلف شكله البراق واسمه الذي يشير إلى الطهر والنقاء تختفي أسرار تاريخية وسياسية وفضائح ونكبات كثيرة بين جدران البيت الأبيض، أشهرها فضيحة "ووتر غيت" التي أطاحت بالرئيس الجمهوري "ريتشارد نيكسون" بداية السبعينيات، وآخرها علاقة الرئيس الديمقراطي "بيل كلينتون" بمتدربة شابة داخل البيت الأبيض.

ويحكي فيلم "جيل التسعينيات.. عصر كلينتون"، كيف كان الرئيس الأمريكي الذي حكم جل سنوات التسعينيات "بيل كلينتون" أشبه بالنيزك الساطع في سماء الولايات المتحدة، وجمع بين شحنة كبيرة من الأمل التي صاحبت صعوده إلى الرئاسة، وبين وسامة استثنائية وسيرة ذاتية مذهلة. كان مجرد الإنصات إليه أثناء إلقائه الخطب السياسية يشعل الأجواء، والتحاقه بمكتبه البيضاوي كان يعني ضخ كمية هائلة من الطاقة في فريق العمل[11].

قال "كلينتون" في مقابلة تلفزيونية بعد ثلاثة أشهر من دخوله البيت الأبيض "منذ اليوم الذي وصلت فيه إلى هنا، كان بانتظاري الكثير من العمل، وأنا أستمتع بذلك كثيرا، إنه امتياز هائل". لكن الألغام لم تتأخر في الانفجار في طريقه، وكان أولها ما يعرف بقضية "وايت ووتر" التي تعود إلى نهاية السبعينيات، حين كان "كلينتون" حاكما لأركنساس واستثمر في تطوير الأراضي، وهو المشروع الذي آل إلى فشل ذريع، وعاد إلى الواجهة بعد انتخاب "كلينتون" رئيسا[12].

تحوّلت "هيلاري كلينتون" إلى هدف مفضل لحملات استهداف الرئيس "كلينتون" منذ إعادة قضية "وايت ووتر" إلى الواجهة، باعتبارها كانت طرفا في عملية الاستثمار تلك من خلال مكتب المحاماة التابع لها، لكن "بيل كلينتون" أنهى ولايته الأولى بنجاح، متمكنا من الحصول على ولاية ثانية في ظل وضع اقتصادي متعاف نسبيا، لكن أيام السعادة هذه سرعان ما ستنسحب من محيط البيت الأبيض، لتخيّم عليه غيوم فضيحة "لوينسكي" الشابة اليافعة التي كانت تعمل كمتدربة في البيت الأبيض، واتهمت "كلينتون" باستغلالها[13].

أنكر "كلينتون" أي علاقة تربطه بالمتدربة "مونيكا لوينسكي"، وأدلى بشهادته هذه تحت القسم، مما عرضه لحرج كبير حين بات أمر هذه العلاقة شبه مؤكد، كما أن شبهة ضغط "كلينتون" أو تأثيره على المتدربة الشابة لتدلي بشهادة إنكار مماثلة جعله في شبهة الإقدام على جريمة حسب القوانين الأمريكية.

يقول "بيل كلينتون" في تصريح له معترفا بالفضيحة: بالفعل جمعتني علاقة بالسيدة "لوينسكي"، ولم تكن لائقة. في الواقع كان الأمر خاطئا، وشكّل زلة خطيرة في الحكم وفشلا شخصيا لي، وبالطبع أنا المسؤول الوحيد عن ذلك، لقد ضللت الناس بمن فيهم زوجتي وأنا نادم بالفعل على ذلك[14].

ورغم الصدمة التي خلفتها الفضيحة الجنسية فإن خطيئة "بيل كلينتون" كانت أكبر، حين تأكد أنه حاول تضليل العدالة وإخفاء الأمر بطرق غير قانونية، ومع ذلك فإن الملف انتهى إلى تبرئته من أي اعتداء على النظام الدستوري للولايات المتحدة الامريكية، وهو ما جنّبه العزل من منصبه كرئيس للبلاد.

 

آل "بوش".. أرستقراطية الأب ووحشية الابن

في كتاب أصدرته الصحافية "كيت أندرسون براور" عام 2015 حول الأسرار الداخلية للبيت الأبيض، نقرأ كيف أن شهادات قرابة مائة من موظفي البيت ونحو 250 من المتعاونين والمتدربين، تتقاطع في اعتبار عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب وزوجته "باربرا" الأفضل على الإطلاق، وذلك في الفترة ما بين 1989 و1993. فاعتياد هذين الزوجين على حياة مليئة بالخدم والمتعاونين، جعلتهم حسب شهادات الكتاب أكثر انفتاحا واندماجا، بعكس أسرتي "كلينتون" و"أوباما" القادمتين من أوساط اجتماعية متواضعة[15].

وخلافا لهذه الصورة "الوردية" يبين فيلم "سماسرة البيت الأبيض" كيف شهد عهد الرئيس "جورج بوش" الابن -الذي استعاد البيت الأبيض بعدما خسره والده قبل ثماني سنوات- طفرة نوعية في استقدام المتعاقدين للعمل لحساب الجيش الأمريكي في حروبه، خاصة منها تلك التي دارت في العراق، وهو ما شكّل وصمة عار في جبين القوة العسكرية الأمريكية[16].

وفي الوقت الذي قدّمت فيه فترة "بوش" الابن فرصة تأكد معها الجمهور من وجود سراديب سرية تحت بناية البيت الأبيض -حين جرى تهريب نائب الرئيس وقتها "ديك تشيني" خوفا من تعرض البناية للهجوم أثناء تنفيذ ضربات 11 سبتمبر/أيلول 2011 الشهيرة-؛ تذهب الأرقام الإحصائية إلى أن عدد المرتزقة في صفوف الجيش الأمريكي تجاوز المائة ألف حتى بداية العام 2007، حيث يشكل المرتزقة الذين يؤمنون خدمة الحراسة الخاصة غالبية هؤلاء المتعاقدين.

وبفعل القرارات السرية التي جرى اتخاذها في أقبية البيت الأبيض، اضطلعت فئة أخرى من هؤلاء المتعاقدين بمهام أخرى من قبيل أشغال البناء، حيث عهد إلى جيش من العمال الآسيويين بمهمة بناء السفارة الأمريكية في بغداد، على مساحة تعادل تراب دولة مثل الفاتيكان. وعندما كان بوش يحاضر في سمو الحرية، ووزيرة خارجيته "كوندوليزا رايس" تردد أن الإدارة الامريكية تحارب الاتجار بالبشر، كانت أنشطة السماسرة تتسارع لجلب مزيد من العمالة إلى القواعد العسكرية الأمريكية بطرق تكاد لا تختلف عن العبودية في شيء[17].

 

"سنوات أوباما".. عودة الرجل الأسود إلى ما بنى أجداده

لم يكن التطور الذي حصل في عهد بوش الابن في الحقيقة سوى ربط للحاضر بالماضي، فما لا يعرفه كثيرون عن مبنى البيت الأبيض هو أنه بني أساسا بأيدي عبيد. معطى يلفه الكثير من الغموض والصمت في خطابات السياسيين الأمريكيين، وتعتبر زوجة الرئيس الأمريكي الأسبق "ميشيل أوباما" أول من تجرأ على الإشارة إلى ذلك في خطاب رسمي لها ألقته سنة 2016، حين وجّهت تحية خاصة إلى الذين تحملوا عبء العبودية في الولايات المتحدة، مضيفة أنها فخورة بالاستيقاظ كل صباح في بناية بناها العبيد[18].

فكما يظهر فيلم "سنوات أوباما" الوثائقي، انتخب الامريكيون في نهاية العام 2008 أول رجل ينحدر من أصول إفريقية رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، لكن دخول أول رجل أسود إلى البيت الأبيض جاء في سياق تميّز بحدوث كساد اقتصادي عالمي كبير جعل مهمته شديدة الصعوبة[19].

برقصة رومانسية جمعته بزوجته، "ميشيل" وضع "باراك أوباما" قدمه أول مرة داخل البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2009، لكن الطقس كان شديدة البرودة والأجواء متوترة والمستقبل قاتما[20].

تعرّض البيت الأبيض لهدم سنة 1814 على يد البريطانيين تبعه حريق سنة 1929 أتى على الجناح الشرقي منه

 

"جيمس آدم".. أول رئيس في القصر الأمريكي الجديد

بين استغلال العبيد في بناء القصر الرئاسي ورقصة الرجل الأسود وزوجته بداخله، يحكي التاريخ كيف انطلق بناء "البيت الأبيض" -حسب الأرشيف الرسمي- سنة 1792 على يد مهندس أيرلندي اسمه "جيمس هوبان"، في مكان اختاره أول رئيس للولايات المتحدة الامريكية، "جورج واشنطن". وذلك بعد حصوله على تفويض من الكونغرس الأمريكي، يمنحه صلاحية اختيار موقع مناسب لبناء مقر إقامة دائمة لرئيس البلاد، وهو ما ساعده فيه مهندس فرنسي اسمه "لانفان"[21].

لكن أول من سكنه هو الرئيس "جيمس آدم"، وذلك بدءا من العام 1800، ولم يكن حينها هذا المبنى يحمل اسم "البيت الأبيض"، ولن يبدأ استخدام هذا الاسم إلا بعد قرن كامل وتحديدا عام 1901، بقرار من الرئيس "ثيودور روزفلت".

كما تعرّض هذا المبنى لعمليات هدم عنيفة، أولاها جرت سنة 1814 على يد البريطانيين أثناء ما يعرف بحرب الاستقلال الثانية، كما أن حريقا اندلع في المبنى سنة 1929 أتى على الجناح الشرقي منه[22].

يدعى مكتب الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض بالمكتب البيضاوي بسبب شكله البيضاوي

 

أجنحة القصر.. عش العقاب الأصلع الذي يحكم العالم

تضم بناية البيت الأبيض 132 غرفة، موزعة بين البناية الرئيسية التي تضم الجناح الخاص بسكن الرئيس وأسرته، وجناحين آخرين منفصلين، أحدهما غربي يضم مكتب الرئيس، والآخر شرقي وبه يوجد مكتب السيدة الأولى. وعلاوة على المكتب المعروف بشكله الهندسي (البيضاوي)، توجد إحدى أكثر الغرف إثارة وشهرة في البيت الأبيض في المستوى تحت الأرضي للجناح الغربي، وتعرف باسم "غرفة العمليات"، حيث تجري أكثر الاجتماعات سرية وحساسية، ومنها مثلا تابع الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" عملية اغتيال أسامة بن لادن[23].

كما تتمتع غرفة المعاهدة بشهرة خاصة، حيث كانت المكان الذي احتضن اتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل عام 1978، واتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية التي وقعت بين أمريكا والاتحاد السوفياتي عام ١٩٨٧[24].

تتألف بناية البيت الأبيض من ستة طوابق، منها طابقان تحت الأرض، إلى جانب الطابق الأرضي وثلاثة طوابق علوية. ومن بين غرفه الـ132، يضم البيت الأبيض 35 قاعة استحمام. وتحوي البناية عددا من مرافق الترفيه والتسلية، ومنها ملعب خاص برياضة التنس ومسبح وقاعة سينما وفضاءات أخرى للعب والترفيه[25].

يعتبر المطبخ واحدا من أهم مرافق البيت الأبيض، حيث تقول التقديرات إن بإمكانه تحضير وجبة عشاء تكفي لإطعام 140 شخصا دفعة واحدة، وتوفير المقبلات لأكثر من ألف شخص[26].

فضيحة بيل كلينتون مع المتدربة بالبيت الأبيض "مونيكا لوينسكي" جعلت من البيت الأبيض مكانا غير قابل للاختراق

 

حصن الرئيس.. عظمة البيت الواهن القابل للاختراق

يستقبل البيت الأبيض يوميا نحو 7 آلاف زائر من جميع أنحاء العالم، حيث يقود الفضول الكثير من الأشخاص لمشاهدة الأماكن التي عاش فيها عشرات الرؤساء الأمريكيين منذ أكثر من قرنين[27].

ورغم ما يمكن أن يعتقده الجميع عن كون البيت الأبيض أكثر البنايات تحصينا ومناعة في العالم، فإن تاريخ المبنى لا يخلو من عمليات اختراق واستباحة، وقد جرى إحصاء أكثر من مائة عملية اختراق خلال عشر سنوات الفاصلة بين عامي 2005 و2015.

ويقع الاقتحام عبر القفز فوق السور المحيط بالبيت الأبيض الذي يعود بناؤه إلى عهد الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية "توماس جيفرسون"، لكن العقود اللاحقة عرفت تجديدا دوريا لهذا السور ورفعا لمستوى علوه، إلا أن ما يحاط به البيت الأبيض من تحصين أمني لم يمنع حدوث مواقف شديدة الغرابة والطرافة، منها ما رواه "جيمي" ابن الرئيس الأمريكي السابق "فرانكلين روزفلت" عن دخول شخص غريب قاعة عشاء الرئيس وكبار مسؤولي الجولة في عز الحرب العالمية الثانية، معبرا عن رغبته في الحصول على توقيع من الرئيس[28].

تميّز عهد "كلينتون" بكثير من التكتم والسرية حول الحياة الخاصة لأسرة الرئيس، وزادت درجة التكتم هذه بعد تفجير فضيحة "مونيكا لوينسكي"، وذلك بسبب الاضطرابات والخصومات العنيفة التي كانت تدور بين الرئيس وزوجته بعيدا عن أعين الإعلام والرأي العام.

وتذهب بعض الشهادات إلى اتهام "كلينتون" بالإصابة بالوساوس والخوف من التنصت على محادثاتهم، علما أن رئيسا أمريكيا سابقا هو الرئيس "ريتشارد نيكسون" كان قد أمر بتركيب أجهزة تنصت في جميع أرجاء البيت الأبيض، لضمان الاطلاع على كل ما يجري بداخله[29].

 

"سلطة المال".. صعود على سلم الشعبوية والفساد

كما تصوّر ذلك كثير من الأفلام الوثائقية والسينمائية، يشكّل القرب من المكتب البيضاوي داخل الجناح الغربي من البيت الأبيض، علامة نفود وسلطة. فكلما اقترب مكتب المستشار أو الموظف من مكتب الرئيس زادت سلطاته وارتفع نفوذه، وما يؤكد ذلك، أن مكتب "جاريد كوشنر"، صهر ومستشار الرئيس الحالي "دونالد ترامب" يعتبر الأقرب إلى المكتب البيضاوي[30].

ويروي فيلم "الديمقراطية الأمريكية – سلطة المال"، كيف أنه بعد قضاء "باراك أوباما" ولايتين متتاليتين، برز إلى الواجهة "دونالد ترامب" كمرشح مثير للأنظار قادم من عالم المال والاعمال، وكنجم تلفزيوني يحسن دغدغة الهواجس الاقتصادية للأمريكيين، فقد لعب منذ الوهلة الأولى على وتر الشعبوية والعنصرية مختصرا المسافات نحو البيت الأبيض، إذ توعّد المسلمين والأجانب وخص المكسيكيين بهجوم خاص يضج بالعدوانية[31].

لم يستعمل "ترامب" سلّم الشعبوية والعنصرية فقط، بل تغذى أيضا على عيوب خصومه ومكامن الفساد لديهم، حيث لم يتورّع عن التصريح بأنه كان يتبرع بالأموال لصالح جميع المترشحين بمن فيهم الديمقراطيين، حماية لأعماله وضمانا لخدمات جميع السياسيين التواقين إلى المال، وذلك وجه آخر من الوجوه المعتمة للبيت الأبيض[32].

 

المصادر:

[1] https://rb.gy/3fumzn
[2] /video/آل-ترامب-المحترمون/
[3] /video/آل-ترامب-المحترمون/
[4] /video/آل-ترامب-المحترمون/
[5] https://www.lego.com/cdn/cs/set/assets/blt003d3bcaa93b0ced/21006_WhiteHouse_A4_FRCA.pdf
[6] https://rb.gy/8keigf
[7] https://rb.gy/f48tw6
[8] https://rb.gy/0ou1lc
[9] https://rb.gy/0ou1lc
[10] https://rb.gy/0ou1lc
[11] https://www.youtube.com/watch?v=kk-k0LVBr8M&feature=youtu.be
[12] https://www.youtube.com/watch?v=kk-k0LVBr8M&feature=youtu.be
[13] https://www.youtube.com/watch?v=kk-k0LVBr8M&feature=youtu.be
[14] https://www.youtube.com/watch?v=kk-k0LVBr8M&feature=youtu.be
[15] “The Residence: Inside the Private World of the White House”; Kindle Edition; by Kate Andersen Brower

[16] https://www.youtube.com/watch?v=aeuj7AIT5r4
[17] https://www.youtube.com/watch?v=aeuj7AIT5r4
[18] https://www.jeuneafrique.com/mag/457238/culture/lieux-de-pouvoir-cote-obscur-de-maison-blanche/
[19] https://www.youtube.com/watch?v=Z0R7IDGAGGQ&feature=youtu.be
[20] https://www.youtube.com/watch?v=Z0R7IDGAGGQ&feature=youtu.be
[21] https://rb.gy/f48tw6
[22] https://www.jeuneafrique.com/mag/457238/culture/lieux-de-pouvoir-cote-obscur-de-maison-blanche/
[23] https://www.jeuneafrique.com/mag/457238/culture/lieux-de-pouvoir-cote-obscur-de-maison-blanche/
[24] https://www.jeuneafrique.com/mag/457238/culture/lieux-de-pouvoir-cote-obscur-de-maison-blanche/
[25] https://www.lego.com/cdn/cs/set/assets/blt003d3bcaa93b0ced/21006_WhiteHouse_A4_FRCA.pdf
[26] https://rb.gy/8keigf
[27] https://rb.gy/8keigf
[28] https://rb.gy/tayq57
[29] https://www.jeuneafrique.com/mag/457238/culture/lieux-de-pouvoir-cote-obscur-de-maison-blanche/
[30] https://www.jeuneafrique.com/mag/457238/culture/lieux-de-pouvoir-cote-obscur-de-maison-blanche/
[31] https://www.youtube.com/watch?v=BbDnr_9SBPc&t=388s
[32] https://www.youtube.com/watch?v=BbDnr_9SBPc&t=388s

ذات صلة