تقارير

التجارة الإلكترونية.. من بناء الثقة إلى تحدي حماية الخصوصية والملكية الفكرية

 

مراد بابعا

ما يقارب أربعة آلاف مليار دولار هو الحجم الإجمالي للتجارة الإلكترونية في العالم، منها 2130 مليار دولار من خلال تجارة التجزئة الإلكترونية تم تسجيلها سنة 2018، بحسب منظمة التجارة الإلكترونية (E-Commerce fondation).

رقم ضخم شهد نموا متصاعدا خلال السنوات العشر الأخيرة، وأصبحت معه التجارة الإلكترونية مركز اهتمام عالمي.

وخلال قمة مجموعة العشرين الأخيرة التي احتضنتها "أوساكا" اليابانية نهاية يونيو/حزيران الماضي، شكلت التجارة الإلكترونية أحد المواضيع الرئيسية التي حاول قادة الدول الصناعية العشرين الكبرى إيجاد أرضية مشتركة بخصوصها، من أجل تنظيمها أكثر وتجاوز الثغرات المتعلقة بانتهاك الخصوصية والملكية الفكرية، وهي المهمة التي أوكلت إلى منظمة التجارة العالمية.

ويتوقع خبراء أن يتزايد الإقبال على التعاملات الإلكترونية في السنوات المقبلة، خصوصا مع نمو سوق العملات الإلكترونية وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتوقعات بتجاوز عتبة الـ5 مليارات مستخدم للإنترنت بحلول عام 2020.

فكيف تطور إذا هذا النوع من التجارة في ظرف وجيز؟ ومن هم اللاعبون الرئيسيون في التجارة الإلكترونية؟ وما هي التهديدات التي يمكن أن يتعرض لها المستهلك بسبب أنشطته على الإنترنت؟ وكيف تتم حماية المنتجات من أخطار التعدي على الملكية الفكرية؟

أصبحت أمازون في عام 2018 العلامة التجارية الأكثر قيمة في العالم بعدما كانت في المركز الثالث في عام 2017

الإنترنت.. مستقبل التجارة

لا شك في أن من أبرز التحولات التي رافقت تطور الإنترنت في العالم نمو سوق التعاملات الإلكترونية، واليوم أصبح الهاتف الذكي أو الحاسوب بوابة الولوج نحو مختلف السلع والخدمات حول العالم.

ويمكن تعريف التجارة الإلكترونية بأنها أي عملية بيع أو شراء أو تبادل المنتجات والخدمات والمعلومات باستخدام شبكة الإنترنت. وتعتبر منظمة التجارة العالمية أن الثورة الرقمية توفر فرصة هائلة وغير محدودة للمستهلكين في الدول النامية والشركات -خصوصا الصغرى والمتوسطة- لتطوير أنشطتها وتسهيل عملياتها التجارية، إذا وفرت الحكومات تأطيرا قانونيا مناسبا.

ويعول على التكنولوجيا الحديثة من أجل تقليص كلفة التجارة خصوصا في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ووسط أوروبا والهند، والتي تمثل 2.5% فقط من إنفاق التجارة الإلكترونية العالمي، وتعتبر أيضا أرضية خصبة لنمو هذا الشكل الجديد من التجارة.

ولا يقتصر البيع والشراء من خلال الإنترنت فقط على السلع التي اعتدنا اقتناءها من الأسواق، بل امتد ذلك إلى جميع نواحي الحياة، من حجز للفنادق وتذاكر الطائرات، إلى أداء الفواتير والضرائب والغرامات أو حتى الحصول على استشارة قانونية من محام دون تحمل عناء التنقل.

ومن المتوقع أن تصل عائدات التجارة الإلكترونية عالميا إلى 2700 مليار دولار بحلول عام 2023، ويهيمن قطاع النسيج والملابس على أكبر حصة من المبيعات بحوالي 600 مليار دولار متوقعة مع نهاية العام الجاري، يليه قطاع الإلكترونيات بأكثر من 430 مليارا.

التجارة الإلكترونية هي عملية بيع أو شراء أو تبادل المنتجات والخدمات والمعلومات باستخدام شبكة الإنترنت

هيمنة صينية أمريكية

الصين تتربع حاليا على عرش التجارة الإلكترونية باعتبارها أكبر سوق على مستوى العالم، إذ حققت رقم معاملات فاق 600 مليار دولار، تليها الولايات المتحدة بـ522 مليارا حسب أرقام عام 2018 لمنظمة التجارة الإلكترونية.

وتستفيد الصين من سوقها الاستهلاكية الواسعة، وانتشار شركات معروفة مثل مجموعة "علي بابا" ومواقعها المشهورة "تاوباو" و"علي إكسبرس" و"تيمول" (Tmall). وهي المجموعة التي أسسها "جاك ما" وتجاوزت قيمتها السوقية العام الماضي 54 مليار دولار أمريكي.

وبالإضافة إلى "علي بابا" استطاع موقع "بايدو" -محرك البحث الواسع الانتشار- فرض نفسه في السوق الصيني بعد دخوله في شراكة مع شركة "تينسنت" الصينية العملاقة منذ سنة 2014.

ولاتزال السوق الصينية قابلة للتطور باعتبار أن نسبة ولوج سكانها إلى الإنترنت لا تتعدى 56% مقارنة بنسبة 89% في الولايات المتحدة. كما أن نسبة نمو هذه السوق تعتبر من بين الأسرع على المستوى العالمي بـ35% سنويا.

أما الولايات المتحدة مهد التجارة الإلكترونية والتي ظلت مهيمنة عليها لأكثر من عقد من الزمن، فتعتبر أيضا سوقا نشطة تحت قيادة "أمازون" (Amazon) و"إيباي" (eBay) و"وول مارت".

وأصبحت أمازون في عام 2018 العلامة التجارية الأكثر قيمة في العالم بعدما كانت في المركز الثالث في عام 2017، وارتفعت قيمتها بـ42% متجاوزة 150 مليار دولار، كما صُنف مؤسسها "جيف بيزوس" كأغنى رجل في العالم وبلغت قيمة ثروته الصافية 150 مليار دولار.

ومع نهاية عام 2016 حطّت أمازون رحالها في الوطن العربي للاستحواذ على "سوق. كوم"، أحد أكبر المتاجر الإلكترونية على مستوى المنطقة لقاء مبلغ وصل إلى 650 مليون دولار أميركي.

تعتبر الولايات المتحدة مهد التجارة الإلكترونية سوقا نشطة تحت قيادة "أمازون" (Amazon) و"إيباي" (eBay)

مرحلة بناء الثقة

التعاملات التي تطغى حاليا على سوق التجارة الإلكترونية من حيث العدد هي تعاملات التجزئة "بي2سي" (B2C) وهي اختصار لـ(Business to Consumer) أي من الشركة إلى المستهلك، وتتم من خلال صفقات أو عمليات بيع وشراء بين أشخاص عاديين وشركات. أما النوع الثاني فهو "بي2بي" (B2B) اختصارا لـ (Business to Business) أي عملية التجارة بين الشركات بعضها مع بعض وليس بين الشركات والمستهلكين الأفراد، ويتم بين الشركات عبر عمليات شراء أو تبادل أو تعاقد على الأدوات والمعدات والبرمجيات.

ويطرح النوع الأول "بي2سي" إشكالية الأمن المعلوماتي وحماية الخصوصية والمعلومات البنكية للأفراد. فالشراء عبر الإنترنت يحتم الكشف عن مجموعة من المعطيات الشخصية كرقم الهاتف والعنوان وأيضا رقم البطاقة الائتمانية من أجل الأداء.

تدبير هذا الأمر لم يكن باليسير في البداية، وتطلب الوقت سنوات من أجل بناء ثقة متبادلة بين "الزبون" والبائع الافتراضي، وهناك مواقع تقترح الاختيار بين الدفع المباشر عبر الإنترنت، أو الدفع نقدا بعد التوصيل، من أجل كسب فئة المترددين في تقديم بياناتهم البنكية للموقع الإلكتروني.

كما تقدم شركات أخرى إمكانية استبدال المنتج أو استرجاع ثمنه في حالة عدم رضا الزبون، إلى جانب سن الحكومات في مجموعة من الدول قوانين وتشريعات لحماية المستهلك من أخطار النصب والاحتيال، أو الوقوع ضحية إساءة استخدام البيانات الشخصية.

تعتبر الموسيقى والأفلام والصور، أكثر المجالات التي تعاني من ضياع الملكية الفكرية وحقوق المؤلف في العالم

نحو تعاملات أكثر أمانا

أن يصل مستوى ثقة بعض الزبائن إلى السماح للتجار بحفظ بطاقات ائتمانهم ومعلومات الشحن الخاصة بهم، فهذا يؤكد أن منسوب الثقة بين بعض المواقع والمستهلكين ارتفع بشكل مهم خلال السنوات الأخيرة.

مجهود كبير بذل من أجل الوصول إلى هذا المستوى، رغم العديد من الثغرات وحوادث القرصنة، والتي فرضت على المواقع المتخصصة رفع مستويات الأمن الإلكتروني إلى مستويات عالية وصلت في الصين مثلا إلى اعتماد تقنية "التعرف على الوجه" كوسيلة للتأكد من هوية الزبون، وحتى لا يتم استخدام بياناته بشكل تدليسي من قبل بعض الهاكرز أو المجرمين.

تطور تقنيات الدفع الإلكتروني أيضا -والتي لم تعد تقتصر على البطاقات الائتمانية التقليدية- رفع من منسوب الثقة أكثر، فظهرت البطاقات المسبقة الدفع التي تصدرها مثلا "بايونير" (Payoneer) و"كاش يو" (CashU)، وأيضا البنوك الافتراضية المتخصصة في خدمات الدفع الإلكتروني، ومن أشهرها على الإطلاق "باي بال" (PayPal)، بالإضافة إلى الدفع عبر الهاتف والاستعمال المطرد للعملات الإلكترونية وعلى رأسها "البيتكوين"، في انتظار عملة "ليبرا" التي سيصدرها منتصف العام المقبل عملاق التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

وتعتمد هذه المنصات على استخدام البيانات الضخمة لديها من أجل تحليل توجهات وسلوك زبائنها في إطار مخطط عام لمبيعات "التجزئة الذكية" القائم على عرض المحتوى المناسب للجمهور المناسب.

وفي الصين مثلا أظهر أحدث تقرير لـ"بلومبيرغ إنتلجنس" عن وجود 1.4 مليار مستخدم لخدمتي الدفع عبر "ويتشات" و"أليباي"، ومن المتوقع أن تتضاعف معاملات الدفع باستخدام الهاتف المحمول عشر مرات في أفق 2027.

تطور تقنيات الدفع الإلكتروني فظهرت البطاقات المسبقة الدفع التي تصدرها مثلا "بايونير" (Payoneer)

تحدي حماية الملكية

التجارة الإلكترونية تتطلب أكثر من الأنظمة التجارية الأخرى؛ بيع منتجات وخدمات قائمة على الملكية الفكرية وترخيصها، إذ يمكن الاتجار بالموسيقى والرسوم والصور وبرامج الحاسوب والتصاميم والمواد التدريبية والأنظمة وغيرها بواسطة الإنترنت.

وهذا يطرح تحديا كبيرا أمام الشركات والمؤسسات وأنظمة الأمن التكنولوجية وقوانين الملكية الفكرية، فمن دون حماية ستظل الأشياء القيّمة التي تباع وتشترى على الإنترنت عرضة للسرقة أو القرصنة، مما قد يؤدي إلى انهيار المشروع التجاري بأكمله.

وتعتبر الموسيقى والأفلام والأعمال الفنية والصور وبرامج الحاسوب، أكثر المجالات التي تعاني من ضياع الملكية الفكرية وحقوق المؤلف في العالم. وبسبب سهولة نقل وتحميل الملفات الرقمية، أصبح الاستنساخ غير المصرح به مشكلة كبرى تنجم عنها خسائر مالية تقدر بملايين الدولارات في عائدات أصحاب تلك الحقوق.

وتقدر بعض الدراسات حجم قرصنة الأفكار في العالم بنحو 75% من حجم تداول الإنتاج الفكري، فيما يرى مراقبون أن الصراع الحقيقي بين الصين والولايات المتحدة يتجاوز التفوق التقني والتكنولوجي إلى حقوق الملكية الفكرية.

وأظهرت دراسة صدرت العام الماضي عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن أن بكين حرمت الولايات المتحدة من إيرادات تقدر بحوالي 600 مليار دولار بسبب سرقة حقوق الملكية الفكري والتكنولوجيا الحديثة والأسرار التجارية، وأن التجسس الإلكتروني الصيني لوحده يكلف الولايات المتحدة ما بين 20 و30 مليار دولار سنويا.

"جيف بيزوس" مؤسس أمازون، وبدأ مشروعه عام 1994 عبر بيع الكتب

البداية من بيع الكتب

بداية التجارة الإلكترونية في العالم بشكلها الحالي كانت مع "جيف بيزوس" الذي بدأ مشروعه أمازون عام 1994 عبر بيع الكتب، وهي الفكرة التي بدت غريبة في تلك الفترة، وبدأت التساؤلات تطرح عن الجدوى من ذلك في وجود محلات بيع الكتب الكلاسيكية.

لكن الثورة التكنولوجية التي بدأت آنذاك في الولايات المتحدة جعلت الموقع يتطور في ظرف وجيز، مقدما عروضا مغرية للكتّاب ومكنهم من أرباح تتجاوز بكثير ما تقترحه دور النشر الكبيرة.

وما ساعد الكتب أكثر على الانتشار هو إدراجها في صنف "السلع الثابتة" وهي تلك الأشياء التي ليس عليك لمسها أو شمها من أجل شرائها، والتي تضم أيضا أجهزة الحاسوب والإلكترونيات وغيرها.

وهكذا تطورت الفكرة الأساسية إلى بيع الكتب الإلكترونية سنة 2007، حين حققت الشركة خطوة تاريخية تزامنا مع انفتاحها على سلع أخرى. وتوالت التطورات إلى أن أصبحت أمازون ومعها باقي مواقع التجارة الإلكترونية الأخرى تبيع كل شيء تقريبا حتى العطور التي اعتاد الناس على الذهاب إلى المتجر وتجربتها قبل اتخاذ قرار الشراء.