تقارير

"التصلب المُتعدد".. معركة مُتعددة الجبهات في ميدان مرض غامض

 

إبراهيم إمام

قد يبدو تعبير "إم س" (MS) المختصر تعبيرا بريئا تستحضر مخيلتك حال سماعه شركة "مايكروسوفت" (MicroSoft) عملاق التكنولوجيا العالمي، أو بنك "مورجان ستانلي" (Morgan Stanley) أحد أكبر وأشهر البنوك الأمريكية، وربما تخاله يشير إلى شركة ناشئة، حيث تستخدم الكثير من الشركات أسماء إنجليزية تختصرها إلى أحرف بسيطة.

في جميع هذه الحالات ستفكر في مؤسسة ناجحة أو مؤسسة طامحة لن تحمل أفكارك الكثير من المشاعر السلبية، وسيكون الاحتمال الأقل هو أن يتبادر إلى ذهنك أن حرفين بسيطين مثل MS يشيران إلى مرض غامض أصاب ما يقرب من 2.3 مليون إنسان على وجه الأرض في عام 2015.

"إم إس" (MS) هو اختصار (Multiple Sclerosis) أو مرض التصلب المتعدد، وهو المرض الذي يتتبعه المخرج عبد الله حسن في وثائقي من إنتاج الجزيرة الوثائقية بعنوان "رؤية مزدوجة".

يحكي الفيلم قصة معركة متعددة الجبهات يخوضها عدد من ضحايا هذا المرض، معركة أدت ببعضهم إلى تمني الموت، بل والصلاة إلى الله طلبا له. وعلى الرغم من الانتشار الكبير للمرض فإن الثقافة الشعبية لا تضعه على قائمة توقعاتها، هكذا يواجه المصابين بالتصلب المتعدد أول معركة في رحلتهم مع المرض.

 

"قبل تلك الفترة كنت نشيطا كالجن".. بداية المرض

يحكي عبد المسيح فاروق أنه مرّ برحلة طويلة من الذهاب إلى مختلف الأطباء قبل أن يعلم التشخيص السليم لحالته، حيث يقول "عام كامل يصفون لي علاج نفسي، بينما ليس لدي أي مشكلات نفسية على الإطلاق".

تمثل قصة فاروق حالة متكررة بين مرضى التصلب المتعدد في مصر، فتقول شيريهان: عندما ذهبت إلى المستشفى أول مرة، لم يظهر على أنني مريضة على الإطلاق، وعندما ظهرت بعض الأعراض ظن الناس أنه صرع.

ويقول أحمد حافظ: لم أفهم ما الذي يحدث، قبل تلك الفترة كنت نشيطا كالجن.

بينما تقول سهير محمد عن حالة ابنها: كلما أذهب إلى مستشفى يخبرونني أن ابني مصاب بنزلة برد.

واحدة من أهم الخصائص المؤسفة للتصلب المتعدد هو مقدار ما يحيط به من مجهول، فلا يوجد سبب علمي معروف للإصابة بالمرض، ومن غير الواضح سبب إصابة البعض به وعدم إصابة البعض الآخر، لكن معركة المجهول لا تتوقف عند مرور الوقت، والضغط النفسي المُصاحب لمواجهة حالة غامضة، بل تمتد هذه المعركة لتشمل التأثيرات السلبية الناتجة عن تلقي علاج خاطئ.

مرض التصلب المتعدد يُسبب الكثير من المشاكل في المشي بسبب إصابته للعمود الفقري للإنسان

 

رانسي.. تشخيصات خاطئة وعلاج كارثي

تقول رانسي حسام: ذهبت إلى الطبيب وقال لي إن لدي كهرباء زائدة في المخ، على الرغم من أنها لم تكن زائدة، على الأقل إلى الدرجة التي تؤدي إلى هذه الأعراض.

لكن حالة رانسي لم تتحسن مع العلاج، لذلك قررت الذهاب إلى الطبيب مرة أخرى، فقال لها إن السبب هو وجود جلطة، وأعطاها علاجا مذيبا للجلطة، بينما كان معدل سيولة الدم لديها زائدا عن المتوسط.

هكذا استمرت رانسي في تلقى علاجات خاطئة ناتجة عن تشخيصات خاطئة، مما أدى إلى أن كوّن جسدها مناعة ضد أدوية الأعصاب، وعندما وصلت رانسي إلى التشخيص السليم وحان وقت تلقى العلاج، كانت الخطوة الأولى هي عدم تلقي أي علاج حتى يعود جسدها إلى حالته الطبيعية فيكون للعلاج فعالية.

أحد المصابين بمرض "التصلب المتعدد" الذي يصيب الجهاز العصبي المركزي للإنسان ويتسبب في صعوبات في المشي

 

مصيبة الجهاز العصبي المركزي.. ابتلاء متلون

مرض التصلب المتعدد هو مرض يصيب الجهاز العصبي المركزي للإنسان؛ المخ والعمود الفقري، وهو من فئة الأمراض المناعية التي يقوم فيها جهاز المناعة بمهاجمة جسم الإنسان نفسه، وإحدى مشكلات هذا المرض هو أنه لا يُهاجم جزءا ثابتا من الجهاز العصبي، مما يؤدي إلى أن تكون أعراض كل حالة مختلفة عن الأخرى، فتتأثر حاسة الإبصار عند أحدهم، بينما يواجه آخر صعوبات في المشي، في حين تتأثر القدرات المعرفية لدى حالة أخرى، لكن على الرغم من قسوة المرض فإننا مع تقدم الفيلم نواجه المشكلة الأكبر وهي مواجهة المجتمع.

قد يرى كثيرون أنه لا مشكلة في المرض، فالمرض ما هو إلا ابتلاء من الله، وما يجب على الإنسان هو الصبر والتحلي بالإيمان، حيث يرى هؤلاء أن الدنيا زائلة، وأن خسارة الصحة أو المال ليست أمورا تستحق التعلق بها، لكن المخرج عبد الله حسن يرسم لنا صورة متعددة الأبعاد لا تسمح للأفكار البسيطة.

شيريهان واجهت تحديا خاصا بتخلّي المجتمع عن شخصها بسبب جسدها

 

"بمجرد علمه بإصابتي بهذا المرض طلقني وأخذ أولادي".. معركة المجتمع

تقبل المرض في هذه الحالة ليست رفاهية خاصة بالمريض وحده، لكنه أمر يشترك فيه المجتمع المحيط بالمريض نفسه. تقول شيريهان: خطيبي كان معي، في ذلك اليوم تسلّم هو نتائج الأشعة، وعندما خرجت لم أجده.

لم تكن شيريهان مدركة لطبيعة المرض بدقة في ذلك الوقت، لكن الصدمة الكبرى هي تخلي خطيبها عنها في وقت حاجتها، يمكننا بسهولة تخيل ضغط الأهل عليه كي ينسحب من هذا الزواج، لأن الزوجة لن تكون صحيحة معافاة.

لم تكن شيريهان قد وصلت إلى مرحلة تقبل المرض أو رفضه بعد، لكنها وجدت نفسها تواجه تخلي المجتمع عن شخصها بسبب جسدها. تقول شيماء: إن لهذا المرض جانبا جميلا للغاية، إنه يُعرّي جميع الأقنعة التي يختبئ خلفها الناس، فزوجي بمجرد علمه بإصابتي بهذا المرض طلقني وأخذ أولادي مني.

الحكومة المصرية تقدم برنامجا يوفر العلاج لمرضى التصلب المُتعدد على نفقة الدولة، لكن التفاصيل البيروقراطية تطغى

 

دعم الدولة.. شيطان البيروقراطية الكامن في التفاصيل

نتيجة للارتفاع الشديد لعلاج التصلب المتعدد، فإن النسبة الأكبر من المرضى لا تقوى على تحمل تكلفة العلاج، خاصة مع ضعف قدراتهم الإنتاجية بسبب المرض، وهو ما ما يستدعي تدخل جهاز الدولة.

تقدم الحكومة المصرية بالفعل برنامجا يوفر العلاج على نفقة الدولة، إلا أن الشيطان يكمن في التفاصيل، حيث يمتلئ برنامج العلاج على نفقة الدولة بالكثير من التفاصيل البيروقراطية التي تستهلك كثيرا من الوقت، وتحتاج إلى كثير من الطاقة، وبطبيعة الحال تتطلب الكثير من الأموال.

يقول عبد المسيح فاروق: هناك أناس غير قادرين ماديا على الإطلاق، لا يستطيعون الذهاب إلى الأطباء، ولا يملكون تكاليف الكشف، ولا حتى شراء الدواء.

يشير فاروق أيضا إلى التعقيد المبالغ فيه للحصول على العلاج قائلا: حسنا، قم بتركيز معاملاتي في مكان واحد، لا تجعلني أذهب إلى وحدة التصلب المتعدد في جامعة القاهرة، ثم أخرج منها لأذهب إلى وزارة الصحة، ومنها إلى المجالس الطبية المتخصصة، وبعد كل ذلك أنتظر لمدة شهرين حتى يأتي دوري. أي مريض يتحمل كل هذا المجهود؟

المُصاب بمرض التصلب المتعدد عبد المسيح فاروق يقول إن شعوره بأن الدولة لن تساعدنا بأي صورة

 

"لا تحدثني عن نفقة الدولة مرة أخرى"

اقترح أحمد حافظ على والده أن يحاول الحصول على العلاج على نفقة الدولة للتخفيف من العبء المادي الواقع على الأسرة، حيث سعى والد أحمد للحصول على العلاج، وبالفعل نجح في الحصول عليه.

يقول حافظ: ظلّ والدي يروح ويجيء مدة شهر كامل متنقلا بين المؤسسات المختلفة، حتى وافقت الدولة على حصولي على العلاج على نفقة الدولة، وعندما حان وقت استلام الأدوية، أعطوه ثلاث حقن ليستخدمها في مدة ستة أشهر.

عاد والد أحمد بعد أن حصل على الدواء، وقال له: لا تحدثني عن نفقة الدولة مرة أخرى.

لكن برنامج توفير العلاج على نفقة الدولة في مصر، يقدم بعض التسهيلات لفئة الطلاب، وهو ما يخلق مشكلة أخرى، إذ يرى الطلاب المصير الذي ينتظرهم إذا ما تخرجوا من الجامعة، مما يدفعهم إلى الرسوب متعمدين كي يحصلوا على العلاج، لعلمهم أن النجاح والتخرج من الجامعة لن يؤدي إلا إلى صعوبة الحصول على العلاج، وعدم وجود فرص مناسبة للعمل الذي يوفر مقابلا ماديا مناسبا لتكلفة العلاج.

هكذا استمرت رانسي كطالبة جامعية في كلية العمارة مدة عشرة أعوام متواصلة كي تضمن الحصول على العلاج. يقول عبد المسيح: إن الأمر غير هين، وليس لدي شعور أن الدولة تساعدنا بأي صورة.

أحد المصابين بمرض التصلب المتعدد أحمد حافظ يقول إن فكر بالانتحار بسبب التحدي النفسي الذي يواجهه الإنسان من داخل نفسه

 

"وجدتني أفكر في فتح باب السيارة والقفز"

بعدما عرض لنا عبد الله حسن الجبهات المتعددة للمعركة مع التصلب المتعدد، يأخذنا في جولة أخيرة مع الذات الإنسانية، فهي محل المعركة الأخيرة ومصدر الأمل.

يتسم المرض بجانب نفسي مصاحب لمشاكله العصبية، فمرضى التصلب المتعدد مُعرضون بدرجة كبيرة لنوبات الاكتئاب. يقول أحمد حافظ إن معركته مع المعرض أخذت منحنى مختلفا، فقد اتضح له أن مشاكل تشخيص المرض وتحمل تكاليف العلاج تمثل نوعا واحدا من التحديات، وهي التحديات الخارجية، لكن المرض له وجه آخر وهو التحدي النفسي، فذلك تحدٍّ يواجه الإنسان من داخل نفسه.

يقول حافظ: بدأت أفكر في الانتحار، ذات مرة وقعت في البيت، ووجدتني في هذه اللحظة أفكر في فتح باب الشرفة والقفز منها بدون أي سبب، وفي حالة أخرى كنت أركب سيارة، ووجدتني أفكر في فتح باب السيارة والقفز، بينما لا يوجد أي سبب لذلك. ما الذي جعلني أفكر في ذلك أصلا؟

أخصائية العلاج النفسي شيرين خالد تُشدد على أهمية الدعم النفسي لمريض التصلب المُتعدد

 

جمعية رعاية التصلب المُتعدد.. نور من ثنايا الذات

يلفت الفيلم نظرنا إلى أن الإصابة بالاكتئاب ليس مصدرها المرض ذاته فقط، لكن أيضا العلاج، فأحد الأعراض الجانبية للأدوية التي يحتاجها المرضى هو زيادة احتمال إصابة المريض بالاكتئاب.

تقول شيرين خالد أخصائية العلاج النفسي: إن الدعم النفسي لمريض التصلب المُتعدد أمر شديد الأهمية، لأن المريض بمجرد علمه بإصابته بهذا المرض تتغير نظرته للحياة ولنفسه، وهذا هو دور الدعم النفسي، أن يحافظ على نظرة المريض لنفسه، وعلى حبه للحياة، ورغبته في العمل والإنتاج.

هكذا ينبعث النور من ثنايا الذات، ومن هذه المجموعة من المرضى تكونت جمعية رعاية التصلب المتعدد التي تقدم عددا كبيرا من الخدمات، مثل الدعم النفسي، وتقديم الأدوية للمحتاجين، وتوفير الأنشطة الاجتماعية، والتوعية لمرضى التصلب المتعدد وأهلهم والمجتمع المحيط بيهم.

يقدم لنا الفيلم صورة لمجموعة متفرقة من الضحايا الذين أدركوا كونهم ضحايا معركة واحدة، مع اختلاف صورها وجبهاتها، قامت هذه المجموعة المتفرقة بالتعرف على ذاتها في صورة الضحايا الآخرين، مما دفعهم إلى التكاتف والاستناد إلى بعضهم، كي يمكنهم الوقوف ومواجهة المرض، وكذلك مواجهة القصور في توفر العلاج، بل ومواجهة ذواتهم والتسامح معها وحب الحياة والرغبة فيها.

شيماء تقول إن مرض "التصلب المُتعدد" يُعرّي جميع الأقنعة التي يختبئ خلفها الناس، فزوجها بمجرد علمه بإصابتها بهذا المرض طلقها وأخذ أولادها منها

 

"خسرت الكثير، لكن لم أخسر ضحكتي، ولم أخسر طموحي"

يعرض فيلم "رؤية مزدوجة" صورة قاتمة لمرض غامض لا يُصاب به الشخص حتى يجد نفسه مضطرا لخوض عدد كبير من المعارك الضارية في آن واحد، لكن الفيلم على الرغم من قتامة الصورة التي يقدمها، فإنه لا يقدم صورة يائسة، بل ينتهي باستعراض مواطن الأمل في العمل الجماعي والتضامن المجتمعي بين المرضى وأهلهم وذويهم ومجتمعاتهم المحلية، ويسلط الضوء على المحاولات الطموحة للمرضى.

تقول رانسي حسام: قررت أن لا أستسلم للمرض، وقررت التخرج من الجامعة، قدمت مشروع تخرجي في كلية العمارة تصميما لمستشفى تخصصي لعلاج مرضى التصلب المتعدد.

لا تزال رانسي تملك طموحا لمساعدة مُصابي التصلب المتعدد تعبر عنه في مشروع تخرجها، وفي محاولاتها المستمرة لمساعدة الآخرين من خلال جمعية رعاية، بينما تنهي شيماء حديثها بقولها: خسرت الكثير، لكن لم أخسر ضحكتي، ولم أخسر طموحي.

ذات صلة

"الإيدز".. المرض المخيف لم يعد قاتلا لكنه ما زال شرسا
نقد سينمائي

"الإيدز".. المرض المخيف لم يعد قاتلا لكنه ما زال شرسا

ما هي آخر الأرقام المرتبطة بالحالة الوبائية للإيدز حاليا، وكيف يعاني حاملو الفيروس بسبب نظرة المجتمع تجاههم، وما هي سبل الوقاية من الداء، وهل طرق العلاج المتوفرة حاليا فعالة، وإلى أين وصلت الأبحاث العلمية في هذا المجال؟