تقارير

التلاعب بالأصوات في انتخابات الرئاسة.. هل تراجعت القِيم الأمريكية؟

 

خاص-الوثائقية

تطرح انتخابات الرئاسة الأميركية في كل مرة تساؤلات جوهرية عن ماهية الديمقراطية فيها، فهناك حرب ثقافية مادتُها المحافظة على القيم الأميركية، في ظل إطلاق العنان لقوى ومجموعات تضر بالديمقراطية الأميركية.

يرى مراقبون أن هناك مؤشرات على انقسامات عميقة بين مجاميع الناخبين فيما يتعلق بالتغيرات الاجتماعية والديموغرافية، وهناك حرب تخاض ضد أغلبية جديدة تستقطب الأميركيين وتضعف مؤسساتهم الديمقراطية.

رغم أن الفيلم الذي بين يدينا بُث قبل رئاسيات عام 2016، فإن معالجته لقضية الانتخابات جاءت بإطار عام يمكن استحضاره بين يدي كل انتخابات أميركية، فالحرب حتى الآن مستعرة بين دعاة الحفاظ على المبادئ وخصومهم.

يتحدث الفيلم الذي أنتجته الجزيرة بعنوان "الديمقراطية الأمريكية.. التلاعب بالأصوات" ضمن سلسلة "عالم الجزيرة"، عن مجموعة من التدابير التي اتخذتها ولايات أمريكية يسيطر عليها الجمهوريون وتستهدف الناخبين ذوي الميول الديمقراطية.

 

الإضرار بالديمقراطية.. صناديق اقتراع للمؤيدين فقط

قبل الخوض في هذا الأمر، نشير إلى "ستانلي غرينبرغ" الذي ناقش في كتابه "أمريكا الهيمنة" الثورة في الحياة الأمريكية المنبثقة عن شريحة مختلفة من الناخبين، وقال إن هناك حربا ثقافية سببها القيم في المجتمع.

ويطرح الكتاب مسألة الثورة المضادة التي يشنها الجمهوريون، ويقول إن انتخابات عام 2004 التي فاز بها الجمهوري "جورج بوش" الابن أطلقت العنان لقوى تضر بالديمقراطية الأميركية.

في تلك الانتخابات كان "كارل روف" مدير حملة جورج بوش، وخلص إلى أن هناك خمسة ملايين من الإنجيليين المحافظين كانوا سيحضرون التصويت، ولا بد من التركيز على تنشيط قاعدتهم الانتخابية.

كانت نظريته تقوم على بعث الشعور في حتمية المعركة الفاصلة بين الخير والشر "فإن لم نحُل بين قِيمنا وتلك الأحزاب الجديدة فإنها ستدمر طريقة حياتنا".

يقول "ستانلي": كانت تلك استراتيجية جذرت للحزب الجمهوري في أكثر المناطق الريفية عنصرية وتعصبا دينيا، ولم يكن ذلك سهلا فقد أحضروا أعدادا غفيرة من الناخبين مدعومين بشكل واضح بمبالغ طائلة من أموال الأثرياء والشركات، بينما مُنع الآخرون من التصويت في هذه الولايات.

الأحد الدامي.. الحقوق لا تعطى بل تنتزع

في ولاية ألاباما التي شهدت معركة لانتزاع حقوق التصويت للمواطنين السود على جسر "سيلما"، يروي القس "فريدريك ريس" -وهو ناشط في تلك الحقبة- قصة الكفاح التي خاضوها.

يقول: نظرنا للمستقبل، وتحرك الناس بأي ثمن حتى يكون لهم حق المشاركة في العملية السياسية، في الأحد الدامي عام 1965 عبَر ريس وأكثر من 600 ناشط من المطالبين بحق السود الجسر إلى مبنى حاكم الولاية، وقد قمعت الشرطة المتظاهرين بعنف.

ويضيف: بعد ذلك بأسبوعين جاء "مارتن لوثر كينغ" بناء على طلب من "ريس"، وسار مع الآلاف إلى مونتغومري بحماية قوات الفيدرالية، وبعد ذلك صدر قانون حق التصويت ودخل ملايين السود العملية السياسية.

قبل إقرار قانون إثبات الهوية، كان يمكن للناخب أن يبرزَ بطاقة الضمان الاجتماعي أو أي شيء يظهر أنه من سكان الولاية

 

انتخابات للأثرياء.. التراجع إلى الوراء

بدءا من عام 2010 أقرت 21 ولاية أميركية يسيطر عليها الجمهوريون قوانين جديدة للتصويت بالانتخابات، بينما أبطلت المحكمة العليا عام 2013 فقرة هامة من قانون حقوق التصويت. وشملت هذه التدابير إغلاق حملات تسجيل الناخبين، واشتراط إثبات المواطنة للتسجيل من أجل التصويت، وتقليص فترة التصويت المبكر، والفترة الزمنية التي يجب أن تصوت فيها قبل يوم الانتخابات، وكذلك اشتراط أشكال صارمة من إثبات الهوية لم تكن مطلوبة في أي انتخابات سابقة.

يقول المؤلف والكاتب في مجلة نيشن "آري بيرمان": لقد تراجعت الديمقراطية الأمريكية خطوات كبيرة إلى الوراء، إن التدابير المتشددة لإثبات الهوية تستهدف الناخبين ذو الميول الديمقراطية، لذا فقد تلقت فئة الشباب وذي الدخل المحدود والملونين ضربة قوية للغاية.

ويتابع: في جميع أنحاء البلاد، ليس فقط الولايات الجنوبية التقليدية وإنما في الولايات الرئيسية والتي يتقارب فيها عدد أنصار الحزبين الجمهوري والديمقراطي، سيذهب الناخبون وسيجدون أمامهم قيودا جديدة.

نتيجة لقرار المحكمة العليا لم تعد الولايات المعروفة بالتميز بحاجة لإرسال التغيرات لوزارة العدل للموافقة عليها، وسارعت ولاية ألاباما وأربعة ولايات جنوبية لوضع قوانين إثبات هوية الناخبين الجدد موضع التنفيذ، ونفذوا قانون إثبات الهوية لدى الناخبين، وهم يعرفون أنه سيحرم الكثير من الفقراء وكبار السن من حقهم الانتخابي.

مكافحة التزوير.. عذر أقبح من ذنب

قبل إقرار قانون إثبات الهوية، كان يمكن للناخب أن يبرزَ بطاقة الضمان الاجتماعي أو فاتورة الكهرباء أو أي شيء يظهر أنه من سكان الولاية ليصوت.

يقول الجمهوريون إن قانون إثبات الهوية ضروري لمكافحة التزوير، لكن دراسة أثبتت أن انتحال شخصية ناخب آخر بعيدة الاحتمال. ولم تقتصر الأمور على ذلك، بل تم إغلاق دوائر المرور في بعض الولايات التي يقطنها السود، حتى لا يحصل الناخبون على رخصة القيادة التي تعتبر واحدة من هويات إثبات الشخصية.

أصبحت الإجراءات في ولاية ألاباما مثلا يحتذى به لتعقيد عملية الانتخاب، إذا أردت أن تجعل التصويت أكثر صعوبة فعليك معرفة ما فعلت ألاباما، وبذلك يعزف الناس عن التصويت.

يقول الأستاذ في معهد كاتو للدراسات الليبرالية المحامي إيليا شابيرو في مذكرة لقضية إلزام الناخبين في الولايات الجنوبية بالحصول على موافقة من وزارة العدل للتصويت: لم تتغير النِّسب للمقترعين الأمريكيين من أصول أفريقية منذ أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، وأخيرا قررت المحكمة العليا وبسهولة أن يستمر الحال على هذا المنوال.

ولاية ألاباما شهدت معركة لانتزاع حقوق التصويت للمواطنين السود على جسر "سيلما"

 

التقسيم الانحيازي.. معركة عرقية

إضافة إلى إقرارهم قوانين تصويت جديدة، أعاد الجمهوريون في عدة ولايات رئيسية رسمَ حدودِ الدوائر الانتخابية لمناطق الكونغرس بهدف التخفيف من تأثير ناخبي الأقليات، وكانت تكساس إحدى تلك الولايات.

ويقول المحامي هوزيه غارزا عن تشكيل الدوائر الانتخابية وهو ما يعرف بالتقسيم الانحيازي للمناطق "إنها معركة عرقية سوف تقمع حرية الأقليات".

ففي عام 2012 حصل مرشحو الكونغرس الديمقراطيون على أصوات أكثر من الجمهوريين ولكن التقسيم الانحيازي أبقى الجمهوريين كأغلبية في مجلس النواب، ويرى الخبراء أن الكونغرس لا يعكس الصورة الحقيقية للبلاد.

وبهذا الصدد نعود إلى "ستانلي غرينبرغ" الذي يقول: إن كنت تعتقد أن قيمك على وشك أن تقود، وأننا أمام معركة حاسمة بين الخير والشر؛ عندها يمكنك تبرير هذه الإجراءات بهدف منع هذه الفئة الجديدة من الهيمنة، وهذا يتطلب المزيد من الشدة والمزيد من إثارة المشاعر لتتوفر لك فرصة الفوز.

استقطاب سياسي

يقول المتحدثون إن كثيرا من الممارسات والقوانين الخاصة بالانتخابات -خصوصا تلك التي تتعلق بما يرتبط بعلاقة المحكمة العليا بالانتخابات- يزيد من حالة الاستقطاب السياسي في البلاد.

ويقول رئيس مركز بيو للأبحاث "مايكل ديموك": إن 36% من الجمهوريين قالوا إن الحزب الديمقراطي يشكل تهديدا لرفاه الأمة الأميركية، وفي المقابل يقول 27% من الديمقراطيين الأمر ذاته عن الجمهوريين.

ويضيف أن الاستقطاب السياسي يتعزز بالمكان الذي يفضل الناس أن يعيشوا فيه، وبالوسائل الإعلامية التي يستمعون إليها، والتكنولوجيا المتفوقة.

في عام 2012 حصل مرشحو الكونغرس الديمقراطيون على أصوات أكثر من الجمهوريين

 

المجتمع المتصدع.. صناعة التأثير على القرار

أريستوتل(ARISTOTLE)  هي مؤسسة دولية تهتم بالتقنيات التي تستخدم للتأثير على القرار في صناديق الاقتراع، يطلعنا المدير التنفيذي للشركة "جون فيليز" على الكيفية التي يتم بها استهداف الناخبين.

يقول "فيليز": هذا مثال على التركيبة السكانية التي يمكن من خلالها استهداف فئات بعينها من الناخبين، هذه الخريطة الكبيرة تضم المنتخِبين الذين نسعى لاستهدافهم عن طريق معرفة بياناتهم كاشتراكهم بمجلة ما، أو كم سيارة يقتني أحدهم وما نوعها.

يمكن جمع آلاف البيانات، وبعدها يتم تصنيف الأشخاص باستخدام البيانات المتاحة لنا، ومن ثم نبدأ بمعرفة الصورة بشكل أوضح عن العائلة، يمكن من خلال ذلك تحديد نوع الرسالة التي سيتم إرسالها لكل شخص، ولدينا أيضا ما نسميه العوالم الصغيرة التي يتم استهدافها.

وفي ذات الصدد، يقول الصحفي "كريس هيدجز": إن مجتمعا متصدعا كمجتمعنا ينسحب فيه الناس إلى مصالح محددة وهوايات خاصة، وهذا التصدع يجعل السيطرة عليه أمرا سهلا.

الديمقراطية الموجهة.. استهزاء بوثيقة إعلان الاستقلال

يعتقد "كريس هيدجز" أن "أمريكا ديمقراطية موجهة" وهو مصطلح ابتدعه الفيلسوف الراحل "شيلدون ولن"، وما يقصده بالديمقراطية الموجهة هو أنها مصممة على أنها مسرح سياسي، لذا فهم ينفقون الكثير من المال عليها كوسيلة لاحتضان الناس، وهو نظام يستهزئ بمفهوم رضا المحكومين، وهذا مخالف لنصوص وثيقة إعلان الاستقلال. ثمة تشابه بين الديمقراطية الأمريكية والأنظمة الشمولية.

يقول "هيدجز": الشمولية كلمة قوية جدا، لكنها تطبق في نظام الانتخابات الأمريكية بشكل مقلوب، فنحن نشهد صعود القوة غير المراقبة وغير المحدودة للشركات، هذا النظام لا يعَرف عن نفسه بأيديولوجيا محددة غير سيادة الربح والرأسمالية.

ويضيف: إنه يساعد في حشد الولاء للسياسات الانتخابية، ومع ذلك يسيطر على كافة مقاليد السلطة كي يجعل المواطن عاجزا في الغالب، لا تناقش القضايا بطريقة جدية، إنهم يضخمون التافه والسخيف، وكل بث للأخبار متعلق بالانتخابات يشبه يوما في السباق، كل شيء يتعلق بالتقديرات وجمع الأموال.

كثيرا من الممارسات والقوانين الخاصة بالانتخابات يزيد من حالة الاستقطاب السياسي في أمريكا

 

إلى أين يتجه النظام السياسي الأميركي؟

يجيب الصحفي "هيدجز": في بعض الأحيان يكون لتلك الأنظمة المتعفنة مرونة أكثر مما تتخيل، ولكن هناك شيء قادم ولا يمكن إنكاره بعده ستؤول البلاد إلى نوع من الفاشية الواضحة، لدينا مسؤولية أخلاقية تلزمنا ببذل كل ما في وسعنا لإعادة الديمقراطية الأمريكية.