تقارير

الحروب الصليبية.. السماء تتخلى عن الصليبيين وتهدم أولى قلاعهم

 

في هذه السلسلة تفتح الجزيرة الوثائقية ملف "الحروب الصليبية" في أربع حلقات؛ تناقش تاريخ الحروب الصليبية وكيف عاث الفرنجة في بيت المقدس ومصر وغيرهما، وكيف بدأ التغيير من مصر، ثم التقى الجمعان في معركة حطين، وإعلان المماليك انتهاء الحروب الصليبية.

 

محمد الحافظ الغابد

الطموحات والأشواق كثيرة، والجنود منغمسون في القتال، وثمة صرح وحيد لم يبلغه الضجيج، وإلهام شيطاني يغازل خيال البابا الذي قرر غزو الشرق من جديد، فلا يزال الشرق في الذاكرة الأوروبية مخزونا للجواهر واللآلئ والخيرات الحسان، فهو الشرق الذي نسجت فيه أسطورة ألف ليلة وليلة، فألهبت الخيال، وأشعلت الأطماع، فتحركت زحوف الفرسان وغوغاء الجنود الأوروبيين تسبقهم الأماني، وتدفعهم الآمال والوعود. وها قد دُكت أبواب المدينة المقدسة، ودخلت قوافل الحجيج المغتصبين، وغاصت أرض السلام في الدماء، وبات المسجد الأقصى رهينا بأيدي الفرنجة، والمسلمون سامدون لاهون. فمن للأمة يحمل عبئها ويوقظها من سباتها، ومن يطلق النفير للجهاد؟

وفي هذه الحلقة الثانية نتناول الجزء الثاني من السلسلة الرباعية، ويتطرق إلى التوسع الصليبي في أرض الشام، والأسباب التي أدت إلى مرحلة الصحوة وبدايات التجييش والتعبئة الدعوية، وما نتج عنها من محاولات للتوحد، والانتصارات والانتكاسات والتحالفات التي صاحبت مشروع الوحدة ضد المملكة الصليبية، والتنافس على مصر من أجل حسم المعركة.

 

هجرة مصحف عثمان بن عفان من بيت المقدس

ما إن استقرت في القدس الإمارة الصليبية التي أقامها الغزو الصليبي في غفلة من المسلمين، حتى ظهرت صحوة دينية إسلامية تنبهت للمخاطر التي يعنيها استمرار السيطرة الصليبية على الأقصى، فمع النجاح الذي حققته التحركات والحملات السابقة من إقامة الإمارة الصليبية في بيت المقدس وطرد عشرات الآلاف منها وقتل حوالي 70 ألف مسلم في المدينة المقدسة؛ فإن تحقيق هذا الهدف لم يكن إلا الطعم الذي زاد شرَه الكنيسة لالتهام الشرق لقمة سائغة في غفلة من أهله.

عندما سقطت القدس في عام (492هـ/1099هـ) نجح بعض أهاليها المسلمين في النجاة بأنفسهم، وأثناء المعركة استخرجوا مصحف الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وكان من ذخائر المسجد الأقصى المودعة فيه، فحملوه إلى دمشق ودخلوا به على الشيخ الإمام زين الدين الهروي، ليقصّوا عليه حال المسلمين وما حاق بهم من نكال في بيت المقدس.

كان هذا الإمام على علم تام بما يجري في البلاد الإسلامية، غير أنه كان يركّز على إقامة الدروس وتعليم العلم، فهالته أحوال المسلمين من جديد، وأثارت في نفسه يقظة وهمة كانت تتقد من حين للآخر، فهو يرى تكالب أعداء الإسلام في وقت لم تتحرك فيه أي من السلطات الإسلامية لوقف الزحف الصليبي.

الإمام الهروي يخترق الصفوف في المسجد الجامع ببغداد وينثر طعامه بين يديه كي يتناوله في نهار رمضان ليستثير ثائرة المصلين

 

الهروي.. إفطار في المسجد في نهار رمضان

حين استمع الإمام الهروي لقصة سقوط القدس ولبكاء المقدسيين الذين نُهبت دورهم وقُتلت أسرهم وسُبيت نساؤهم واستُرقَّ أبناؤهم، تأثر لهذا الحال تأثرا شديدا، وتساءل عن فائدة الاستمرار في إقامة الدروس وحال المسلمين بلغت هذا المستوى من التدهور.

قرر الشيخ المسير من دمشق إلى بغداد لمقابلة أمير المؤمنين، وحين دخل إلى بغداد أُسقط في يديه لما رأى من ترف الملك وخيلاء الإمارة، ولكنه قرر أن يقتحم على هؤلاء القوم ترفهم ويقضّ مضاجعهم. وذات يوم رمضاني اخترق الشيخ الصفوف في المسجد الجامع ببغداد، مقدِما على ما يستثير ثائرة المصلين، فنثر طعامه بين يديه كي يتناوله في نهار رمضان.

ويا لها من غضبة أطلقها المسلمون على إفطار الهروي وهم يصمّون آذانهم عما حل بالقدس على أيد الصليبيين، فانهالت على العالم الجليل جموع المسلمين الغاضبين توبخه، فشد وثاقه واستلمته الشرطة، ليمثل بين يدي الخليفة الشاب المستظهر بالله، فكثيرة هي الأبواب التي تحول بين أمير المؤمنين ورعاياه، لكن الهروي نجح في فتحها، وقد كانت من قبل موصدة أمامه.

خليفة المسلمين المستظهر بالله وهو يستمع لشكوى الشيخ الهروي لكنه كان شابا طري العود لا يملك من أمره شيئا

 

العلماء رأس المقاومة

وقف الإمام زين الدين الهروي خطيبا بين يدي الخليفة متحدثا عما تعرضت له القدس من عدوان، وما استهدف المسجد الأقصى من تدنيس صليبي مقارنا بين لهو المسلمين وتمتعهم في بغداد بمزايا الترف والملك بما يتعرض له إخوتهم في أطراف الشام من عدوان إفرنجي صليبي في أكثر من مكان.

كان الخليفة شابا غضا نضرا طري العود يجلس على عرش آبائه، وفي واقع الحال لا يملك من الأمر شيئا، والخلافة بين يديه مُلك دونما حكم، بينما تكمن القوة بين يدي الأمراء والأتابكة الذين يتحكمون برقاب العباد باسمه.

يقول الدكتور محمود سعيد عمران: لم يكن الخليفة يملك من الأمر شيئا إلا أن يصدر شيئا من التعاطف، كما يحصل الآن فيما يخص الأقصى وما يلحق به من تهديدات فلا يملك الحاكمون سوى جُمل الشجب والاستنكار لا غير.

وتكمن المفارقة في هذه اللحظة التاريخية في الدولة البيزنطية التي كانت على حدود الخلافة، وقد كتب إمبراطورها للخليفة يطالبه بالتعاون من أجل وقف الزحف الصليبي، حيث لم يلتزم الصليبيون بتعهداتهم للبيزنطيين، ولكن الخلافة كانت مجرد لافتة لقصور ورايات، بينما يمسك أمراء المناطق والجهات بكل شيء ويقيم كل منهم لنفسه دُويلة وحاشية فاسدة لا همّ لها إلا اللهو والإقبال على الملذات والمُتع وصنع الجاه الموهوم والتنافس فيه.

ابن الخشاب يحث المسلين على الجهاد ضد الصليبيين

 

صلبان على المحاريب.. اليقظة العلمية والأدبية

من حلب انطلق الشيخ ابن الخشاب وجمْعٌ من العلماء إلى بغداد لحثّ الخليفة على التصدي لهذا الغزو المباغت لسواحل المتوسط، حيث أرض النبوات وإرث السماء ومسرى الرسول، ومهبط الوحي على قلبه في سماء الأقصى.

حاول ابن الخشاب أن يستنهض الهمم في مسجد بغداد الجامع، ليكون جامع بغداد بذلك المنارة التي تنطلق منها المقاومة الفكرية والجهادية للغزو الصليبي، كما تقول الدكتورة عفاف صبرة أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة.

وقد صور شاعر بارع حال المسلمين في ذلك الوقت قائلا:

أحلّ الكفر بالإسلام ضَيما *** يطول عليه للدين النحيب

فحقٌ ضائع وحمى مباح *** وسيف قاطع ودم صبيب

وكم من مسلم أمسى سليبا *** ومسلمة لها حرم سليب

وكم من مسجد جعلوه ديرا *** على محرابه نُصِب الصليب

انطلقت بقوة يقظة فكرية وأدبية ساهمت فيها دروس العلماء وأشعار الأدباء وأصوات الخطباء، مما أحرج الخليفة ودفعه هذه المرة لتحرك أقوى من خطوات تعاطفه السابقة، فاستدعى السلطان السلجوقي وأمره على الفور بالتحرك لرد الاعتبار للخلافة الإسلامية.

وعلى الفور أصدر السلطان السلجوقي توجيهاته للأتابكة التابعين له، وخصوصا قائد الموصل مودود بن التونتكين الذي كلفه بتجميع الجيش ورفع الحصار المفروض على حلب، وكان من المنتظر أن يتم ضم قوات الموصل لقوات حلب فينشأ تكتل جديد يسهم في تحرير المدن ومواجهة الفرنج.

بعد أن طرد الصليبيون المسلمين وبقية سكان القدس أصبحت المدينة خالية من السكان

 

مدائن خاوية على عروشها.. خريطة الانتشار الصليبي

كوّن الصليبيون بعد سيطرتهم على القدس وجودا وانتشارا متصلا عبر الموانئ والمدن الساحلية، وانبهروا بالمستوى الحضاري الذي وجدوه في العالم العربي الإسلامي في ذلك الوقت، فهناك في مدينة السلام تبيّن لأصحاب القبر المقدس أنهم بقدر تعطشهم للقتل كانوا جميعا متعطشين للحياة الجديدة ومبهورين بغناها.

وكان من أوائل مهام الإدارة الصليبية أنها قامت بطرد شامل للمسلمين وكذلك اليهود والمسيحيين الشرقيين، وفوجئت الإدارة الجديدة بأن جميع من بقي لا يملأ شارعا واحدا في المدينة. لقد أصبحت القدس خالية من سكانها، وهي في الحقيقة مشكلة كبرى، ومن ثم كان لا بد من جلب سكان جدد إليها من المسيحيين السريان كي يستوطنوا في القدس، وفق الدكتورة "إليزابيث كروزيه بافان" أستاذة التاريخ بجامعة السوربون بفرنسا.

وقد قام الصليبيون بدعايات كبيرة في الغرب للقدوم إلى الشرق لسد هذا الفراغ، ولكنه قدوم ليس للحج والزيارة والرجوع، وإنما للاستقرار والعمل. وفي هذا السياق تم تكوين عدة مستوطنات بإزاء مدينة القدس، ومن أشهرها: البيرة وبيت جبريل والرملة وبيتونيا وعين سينيا ومستوطنة رماتيس وكفر مالك.

في القدس صار عبيد الأرض الأقنان سادة وملاكا

 

من عبيد للأرض إلى سادة وملاك

وأغلب سكان هذه المستوطنات كانوا من جنوب فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وكان أغلب المستوطنين الجدد أقنانا وعبيدا ليس لهم حقوق، لكنهم بمجرد أن وصلوا أصبحوا مُلاكا للأرض. وبذلك تغيرت مراكزهم الاجتماعية، وتغيرت التركيبة السكانية والطبقية لهؤلاء الأقنان.

وفي القدس وقع في سنة (494هـ/1100م) تحوّل كبير، فقد أصبح عبيد الأمس سادة، وأصبح أقنان الأرض ملاكا، فالقائد "بالدوين" الذي صرفته الرها بالأمس عن الزحف لإنقاذ القبر المقدس، يُتوج اليوم ملكا على المدينة التي كُلل فيها المسيح بتاج من الشوك.

يقول الدكتور قاسم عبد قاسم: وجود مملكة بيت المقدس وإمارتَي الرُّها وأنطاكية أسس لنوع من التوسع السهل يأخذ مجراه في البلاد العربية، وقد مضت الإدارة الاستعمارية في توسيع نطاق المملكة بسهولة شديدة تشبه سهولة قطع السكين للزبدة.

ومن القدس توجهوا لنابلس دون قتال، ومنها إلى بيسان فاقتحمها الأمير "تانكرد"، ومن بيسان إلى طبرية واستولى عليها، ومنها توجه لحيفا سنة (494هـ/1100مـ) ثم إلى قيسارية وأرسوف حتى وصل إلى عسقلان، ولكنه لم يستطع أخذها لكونها كانت بوابة مصر وفيها تحصين جيد، فعاد أدراجه، ثم اتجه إلى عكا وأخذها سنة (1104مـ)، ومنها إلى طرابلس التي سقطت (1107مـ) ثم صيدا (1110مـ) وبيروت و(1111مـ)، وبذلك تحققت للفرنجة السيطرة على كافة مرافئ الساحل الشامي، باستثناء بعض البلدات التي فيها حاميات تابعة للفاطميين في مصر وأجزاء من الشام.

 

نحن بنادقة أولا ومسيحيون ثانيا

الملفت للانتباه أن الوجود الصليبي طوال عقود وجوده الممتدة ظل ظاهرة ساحلية محدودة التأثير سكانيا واجتماعيا، ولم تتوغل في داخل البلاد الإسلامية إلى العمق.

يقول الباحث في تاريخ العصور الوسطى "فاند يبورييه": كانت المنطقة الساحلية تمثل أهمية كبيرة بالنسبة للصليبيين حتى يتمكنوا من توفير الإمدادات وتأمين حركة الحجيج عبر الموانئ، لذلك كان تأمين المناطق الساحلية هدفا حيويا في الخطط الحربية الصليبية.

ويشير الدكتور أحمد حطيط إلى أنه "يجب ألا ننسى الدور الذي لعبته الدويلات الإيطالية، فقد اشترطت بوضوح أن تشترك وتساعد بشروط من أهمها: أخذ ثلث أية مدينة تتم السيطرة عليها في هذه الحروب والغزوات".

وقد تم تركيزهم على المدن الساحلية لأنها مهمة للتجارة. ففي البندقية على سبيل المثال، كان البنادقة يقولون نحن بنادقة أولا ومسيحيون ثانيا. فهذا التصريح يكشف الهدف الاقتصادي لهذه الحروب، إذ الدين عندهم هو المرتبة الثانية بعد الأرض، كما يقول الدكتور سعيد عبد الله جبريل البيشاوي أستاذ التاريخ بجامعة القدس المفتوحة.

وحيثما توجد الأرض والمياه توجد الأطماع الصليبية، فالهدف الكبير للصليبيين يتجسد في تكوين مملكة صليبية ضخمة، على حساب الوجود الإسلامي في كل مكان يمكن أن يستقر فيه الصليبيون.

 

أزمة الحكم في الدولة الإسلامية.. الاستيقاظ المتباطئ

كان استيقاظ صناع القرار في الخلافة العباسية يجري بشكل بطيء تحت مطالب العلماء والحراك الشعبي الذي استثاروه من منابر خطبهم ومن مدارسهم ومن مواقع نفوذهم كقضاة في المدن وأعيان في الحواضر الكبرى في العراق والشام ومصر.

ويأتي حصار الصليبيين لحلب ليشكل بداية لحملة سلجوقية يقودها قائد جَسور، فقد كان قائد الموصل مودود بن التونتكين رائدا من رواد الجهاد ومن أمراء السلاجقة العظام. قال عنه ابن الأثير: "كان خيّرا عادلا كثير الخير"، وهو أول أمير يحقق انتصارات فعلية على الفرنجة الصليبيين القادمين بأمر من البابا من غرب أوروبا، وهو أول من وحد جيوش المدن وأمراء عصره لمواجهة الحملات الصليبية فكان أول أبطالها.

وقد أخذ مودود استعداده واتجه من الموصل لإنقاذ حلب فنجح إلى حد ما في فك الحصار، لأن الصليبيين لم يستطيعوا أن يستمروا في مواصلة الحصار، كما كانت وضعيتهم من حيث الإمداد اللوجستي لا تسمح لهم بالصمود، فعادوا أدراجهم إلى أنطاكية قاعدتهم الخلفية الأهم، بحسب رأي الدكتور قاسم عبد قاسم.

ومما يكشف جانب مأساة المسلمين في هذا العصر، نمط الحكم وشخصيات الحكام الذين كانوا يحكمون في هذه الفترة؛ فمن هؤلاء رضوان بن تتش بن ألب أرسلان، فقد كان هذا الحاكم شابا غرّا ورث عن أبيه حكم الشام، ولكن أحد إخوته استقل بدمشق عنه، فسارع إلى حلب وحكمها وتحالف مع الفاطميين والحشاشين، وقتل أخويه الصغيرين خوفا من تمردهم عليه، فكان نموذجا للحاكم الخائن المتآمر.

معركة الصنبرة التي التقى فيها جيش مودود مع جيش "بالدوين" ملك المملكة الصليبية وفك فيها حصار بيت المقدس

 

معركة الصنّبرة.. الانتصار الأول

بعد أن فك الصليبيون حصارهم عن حلب على يد جيوش المسلمين القادمة من الموصل، اتجه الأمير رضوان للقبض على العلماء وأهل الرأي الذين تحركوا باتجاه الخلافة للاستنجاد بها، وفي مقدمتهم القاضي أبو الفضل بن الخشاب.

وقد منع رضوان جيش مودود من دخول حلب التي أزال عنها الخطر الصليبي مؤقتا فعاد جيش مودود وهو يلعن رضوان الحلبي الخائن.

لم ييأس مودود جراء تخاذل رضوان وخيانته، بل اتجه للتعبئة ضد الخطر الصليبي مستفيدا من جهود العلماء وتجييشهم لحركة الجهاد الإسلامي، وكان جاهزا عندما استنجد به "طقتكين" حاكم دمشق، فسارع لنجدة عاصمة الشام التي كانت معرّضة لهجوم من مملكة بيت المقدس الصليبية، لكنه فك الحصار عنها، وفرض التراجع على الصليبيين في معركة الصنّبرة سنة (507هـ/1113م) التي التقى فيها جيش مودود مع جيش "بالدوين" ملك المملكة الصليبية الوليدة في القدس، وانتصر المسلمون في هذه المعركة انتصارا كبيرا.

يقول الدكتور إبراهيم بيضون أستاذ التاريخ بالجامعة اللبنانية تعليقا على المعركة: حتى إن "وليام الصوري" مؤرخ الحروب الصليبية يعتبر أن "السماء تخلت عن الصليبين عندما هُزموا في هذه المعركة، لأنهم اعتقدوا أن السماء تقف إلى جانبهم، وبالتالي فلن يهزمهم أحد".

طقتكين أتابك أرسل لشرف الدين مودود أحد الباطنية ليقوم باغتياله

 

سقوط مودود.. طعنة من الداخل

بعد معركة الصنبرة استقبل طقتكين حاكم دمشق الأمير المنتصر مودود استقبال الحامد للفضل الشاكر للجميل، لكن قلبه كان يضمر غير ما أعلنت قسمات وجهه، وكانت مشكلة مودود أنه كان صادقا في عصر كثر فيه الكذابون والمتملقون الذين أرادوا الإبقاء على مصالحهم في عروش الحكم، حتى وإن كان في ذلك التضحية بأي شيء، بحسب الدكتور محمد مؤنس عوض أستاذ التاريخ بجامعة الشارقة.

غادر مودود معسكره ليؤدي صلاة الجمعة بصحبة مضيفه طقتكين، لكن سيف الغدر كان في انتظاره، فحسب المصادر التاريخية، هناك من يشير إلى أن طقتكين أتابك خشي من شرف الدين مودود، فأرسل له أحد الباطنية ليقوم باغتياله، وقد تمكن من قتله وهو صائم، وحين جاء إليه بكوب من الماء ليشرب رفض وفضل الشهادة وهو صائم، وفقا للدكتور سعيد عبد الله جبريل البيشاوي أستاذ التاريخ بجامعة القدس المفتوحة.

الاغتيالات السياسية وسيلة لتصفية القادة البارزين

 

الباطنية.. سيف في يد من يدفع أكثر

ترى الدكتورة عفاف صبرة أستاذة التاريخ بجامعة القاهرة أن خطر الباطنية في هذا العصر كان يوازي الخطر الصليبي، لأن المسلمين كانوا يواجهون بصدورهم الصليبيين، فتتسلل إليهم الطعنات في ظهورهم من الخلف من قبل الباطنية.

ومن أبرز الكيانات الباطنية في ذلك العصر طائفة الإسماعيلية النزارية، التي عرفت بالحشاشين أو الباطنية. وكان أخطر مكوناتها العناصر الفدائية التي كانت تقوم بالاغتيالات السياسية، فتصفّي القادة الذين لهم دور بارز في مجابهة التحديات. وكان خطرهم يكمن في أنهم ينفذون ما يُطلب منهم دون تفكير في العواقب، كما يرى الباحثان عفاف صبرة ومحمد مؤنس عوض.

كذلك يكمن خطرهم في كونهم يعملون مرة إلى جانب الصليبيين ومرة إلى جانب بعض أمراء المدن الإسلامية المتنافسين، وقد حاولوا اغتيال عدد كبير جدا من الناس، وكانت خدماتهم متاحة لمن يدفع، حسب قاسم عبد قاسم.

عماد الدين زنكي كان ربيب بيت مودود وشارك معه في كل الحملات التي قادها

 

ترتيب البيت الداخلي.. المعدة بيت الداء

أدى اغتيال مودود إلى نتائج هامة، فقد اتضح أن البيت الإسلامي بحاجة لترتيب من الداخل، وأن الأعداء ليسوا صليبيين فقط بل الإسماعيلية النزارية أعداء أيضا، والسياسيون الذي حرصوا على مناصبهم هم أيضا من أخطر الأعداء. وكل هذه العوائق والأمراض اتضحت للمسلمين وبات لديهم وعي كبير بها لتجاوزها لاحقا.

كما كان من أبرز نتائج فشل حركة مودود، الوعي بأن نمط الخليفة الذي لا يملك من أمره شيئا لم يعد يصلح للدفاع عن المسلمين، ولهذا برز نمط جديد من الزعماء يمكن أن نصفه بالملك المحارب أو الأمير المحارب.

لقد عاجلت مودودا أيدي الخائنين، ثم أسالت على أثره دماء ابن الخشاب، إنها إرادة السوء تسعى لسفك دماء المصلحين وتقييد ألسنة العلماء، لكن أيدي القدر تمن على المفجوعين باقتلاع رضوان حاكم حلب الأثيم، وتكافئهم وهم يرنون إلى بطل جديد بظهور نجم عماد الدين يلوح من الموصل للمتعطشين إلى الجهاد.

كان عماد الدين زنكي ربيب بيت مودود، شارك معه في كل الحملات التي قادها، وقام بدور جهادي كبير واستكمل جهوده في العمل على تقويض أركان الزحف الصليبي والغدر الداخلي على السواء، خصوصا مجابهة الباطنية والحشاشين.

نجح عماد الدين في تحديد هدف واضح يعمل لتحقيقه وهو القضاء على هؤلاء الصليبيين، ولذلك لم يتجه لتحقيق الوحدة مباشرة وإنما اتجه إلى أن يؤسس بجيش الموصل نواة لهذه الوحدة، ورأى أن يتجه لحلب من جديد لعله يؤسس محورا مشتركا معها، كما يقول قاسم عبد قاسم.

وقد استطاع عماد الدين أن يصل إلى حلب مؤسسا بذلك قوة جديدة في المنطقة تتهيأ للاستجابة للتحديات التي تواجه الأمة، وخصوصا الخطر الصليبي المتوغل والمهيمن في السواحل الشامية، والذي يحاول من حين لآخر ابتلاع كيان رمزي مؤثر كدمشق أو حلب.

أسامة بن منقذ كان رسول حاكم دمشق للتفاوض مع الصليبيين وإبرام اتفاقيات من أجل إفشال جهود عماد الدين في توحيد الجيوش الإسلامية.

 

الحلف الصليبي الدمشقي.. التي نقضت غزلها

استطاعت حركة الوصل الجيوستراتيجي التي قام بها عماد الدين الفصل بين الرها وأنطاكية من جهة، والتهيئة لتفكيك الوجود الصليبي على أطراف الإمبراطورية البيزنطية -خصوصا في الرها وأنطاكية- من جهة أخرى، وكان ذلك مقدمة لقيام دمشق ومصر بدَور ما في تقويض هذا الوجود، بل إن الوصل بين حلب والموصل كان له دور في تهديد مملكة القدس وإمارة طرابلس.

حاول عماد الدين التوجه لدمشق، لكن حاكمها الأناني فضّل التنسيق مع الصليبيين واقتسام المياه وتدبير التجارة بدلا من التعاون مع الجيوش الموصلية والحلبية لتحرير الأقصى ووقف تدنيس مقدساته. وقد أرسل حاكم دمشق "أونر" الفارس الشاعر أسامة بن منقذ إلى المملكة الصليبية للتفاوض وإبرام اتفاقيات من أجل إفشال جهود عماد الدين في توحيد الجيوش الإسلامية.

ويعتبر أسامة من الشخصيات الهامة التي سجلت تاريخ هذه الحقبة، فهو ينحدر من أسرة تحكم قلعة شيزر قرب حمص على نهر العاصي، وشارك في مواجهة الصليبيين في أكثر من موقعة، وقد تضمن كتابه "الاعتبار" وصفا للكثير من الجوانب الثقافية والفكرية الهامة عن المستوى الحضاري للفرنجة.

تقول الدكتورة عفاف صبرة: لا نعرف حياة الصليبيين في داخل بلاد الشام، إلا من خلال كتاب "الاعتبار" لابن منقذ الذي يحكي ما عايشه ورآه من سلوك الصليبيين مسجلا مستواهم العقلي والفكري والثقافي. لقد تضمن كتاب الاعتبار معلومات هامة عن الفرنجة الذين احتلوا البلاد وقتلوا العباد، وشكلوا أخطر غازٍ للبلاد في ذلك العصر.

ليلة الخامس والعشرين من كانون أول/ديسمبر سنة (539هـ/1144م) استولى عماد الدين على مدينة الرها

 

ليلة الرها.. 46 عاما من الاحتلال

اتجه عماد الدين زنكي إلى تحرير مدينة الرها، وذلك لاعتبارات استراتيجية تتعلق بكون المدينة مفصولة عن أي مدد، فنجدتها بعيدة، كما أن حاكمها "جوستين الثاني" كان شخصا عابثا غارقا في اللهو، وكانت تتوفر لعماد الدين معلومات عن خروجه إلى قرية مجاورة لمعاقرة الخمر واللهو هناك بعيدا عن تحديات الحكم ومخاطر الغزو، لذا سيطر المسلمون بسرعة على المدينة.

ففي ليلة الخامس والعشرين من كانون أول/ديسمبر سنة (539هـ/1144م) وفي جو احتفالي بأعياد الميلاد، قام عماد الدين بحركة خداعية، حيث موّه بأنه متوجه لقتال الأراطقة، لكنه رجع عبر حركة التفافية سريعة، وخلال سويعات استولى على الرها التي كانت أول مدينة يستولي عليها الصليبيون، لتصبح بذلك أول مدينة يستردها المسلمون بعد أن خضعت للصليبيين 46 وأربعين عاما متتالية.

لقد مثّل تحرير الرها البداية الفعلية لإحياء الجهاد في الشرق الإسلامي الأدنى، وكانت أول هزيمة كبرى للصليبيين، فأكدت إمكانية هزيمتهم، كما أظهرت مستوى الصحوة واليقظة التي بدأت في الجانب الإسلامي، وهنا انتقل المسلمون من ردة الفعل إلى الفعل، وأصبح الفرنجة الصليبيون في ردة الفعل، كما يقول الدكتور "فاند بورييه".

وترتب على هذا الانتصار بزوغ نجم قائد ومجاهد عظيم هو عماد الدين زنكي بدءا من العام (1144مـ/ 539هـ) الذي يعتبر عاما فارقا في تاريخ الحروب الصليبية، وتحول زنكي إلى قائد شعبي كبير لأنه حقق حلما طالما انتظره المسلمون، كما يقول محمد عوض. وقد تحدثت المصادر الإسلامية عن حقيقة التعلق بهذا القائد الذي عاجلته المنية قبل أن يكمل مشروعه فجاءت فاجعة سريعة للفرحين بعهد جديد.

لولا شخصية نور الدين زنكي وجهده وجهاده لما تأتّى تحرير بيت المقدس

 

نور الدين زنكي.. صوفي أمام موجة صليبية جديدة

ما هي إلا سنوات قليلة تلت وفاة عماد الدين زنكي حتى برز نجله نور الدين محمود الذي جسّد سيرة جديدة للملوك والأمراء المجاهدين بصدق للتخلص من المخاطر المُحدقة، فسار سيرة أبيه وسيرة مودود من قبل ذلك.

وقد جسّد نور الدين فعلا شخصية جديدة كانت الساحة السياسية والعسكرية الإسلامية بحاجة إليها، فقد أظهر ليونة بعكس أبيه الذي كان صاحب شكيمة وشدة تُفهم في سياق الحاجة لمستوى من الحسم والحزم الذي تفرضه الظروف القائمة، كما تقول عفاف صبرة.

كان نور الدين رجلا متصوفا وزاهدا وصاحب تربية إسلامية قوية بخلاف أبيه الذي كان رجلا سلطويا وقائدا عسكريا، ولم يكن ملتزما دينيا بما فيه الكفاية، أما نور الدين فقد كان غريبا في هذه الدنيا لا تَعلق له بها، يبحث عن الشهادة والمجد وما يخدم الأمة وجهادها للصليبيين والمنافقين من حشاشين وغيرهم.

وحسب قاسم عبد قاسم، فلولا شخصية نور الدين وجهده وجهاده لما تأتّى تحرير بيت المقدس والكثير من الحصون والقلاع التي كانت محتلة من طرف الصليبيين.

على الجبهة الصليبية، شكل سقوط الرها فرصة جديدة لحملة صليبية جديدة دعا إليها المجمع الكنسي الغربي، وفعلا وصل جيش كبير لمملكة بيت المقدس في موجة صليبية هي الثانية من نوعها من حيث الأهمية العددية والعسكرية.

فشلت الحملة على دمشق بسبب الانقسام الكبير بين الصليبيين

 

حصار الصليبيين لدمشق.. على أهلها جنت براقش

بعد الحملة الصليبية الثانية اتجهت حملة عسكرية لحصار دمشق المدينة الكبرى في الشرق الأدنى، وذلك في صيف عام (1144م)، وهي خطوة يعتبرها "مارتن أرويل" -أستاذ التاريخ بجامعة "بواتيه"- خطأ كبيرا، خصوصا أن دمشق كانت في تحالف مع مملكة بيت المقدس ضد الأتراك.

ويعلق الدكتور "كريستوفر تيرمان": لقد كانت دمشق اختيارا مثيرا للاهتمام، كانوا حريصين على عدم تولي الحاكم الجديد لشمال سوريا، لهذا قاموا بمهاجمة دمشق، ولذلك أبعاد استراتيجية واقتصادية وتجارية.

لقد حدث انقسام كبير بين الصليبيين، فالصليبيون المحليون في غضب من تصرف قائد المدد الجديد الذي نظر نظرة أبعد للصراع بدل الالتزام بالتعهدات السابقة، وكلا الطرفين تبادلا الاتهامات بالعمالة للمسلمين، وقد فشلت الحملة على دمشق وكانت بداية النهاية للصليبيين.

في العام (544هـ/ 1149م) فتحت دمشق ذراعيها لنور الدين زنكي، فقد دعاه الأهالي لدخولها، وفعلا دخلها وبذلك عادت حملة الصليبيين بالخيبة. وبانضمام دمشق للعاصمتين الموصل وحلب أصبحت الجبهة الإسلامية موحدة ومهيأة للقيام بدور هام لوضع حد للغزو الصليبي الجاثم على سواحل الشام وبيت المقدس.

الصراع بين الوزيرين شاور وضرغام جعل شاور يتجه لنور الدين يعرض عليه التعاون بينما اتجه ضرغام إلى الصليبيين

 

"عموري الصليبي".. ملك قوي يتوج في القدس

قام نور الدين بإحداث نهضة علمية كبيرة في دمشق وحلب، فكلما سمع بأن ثمة عالما فقيها في مصر أو بغداد شجعه على القدوم لحلب أو دمشق لتعزيز النهضة العلمية الجديدة، وبذلك أسس لروح إسلامية قوية متوثّبة للجهاد والكفاح لطرد الصليبيين من بيت المقدس.

وفي هذه الأثناء، وصل الملك "عموري الصليبي" للعرش وتُوج ملكا للمملكة الصليبية القوية في القدس، وكان رجلا قويا ذو بأس ولديه قوات، ولذلك بدأ نور الدين يأخذ في الحسبان هذا المتغير.

في هذا السياق رأى نور الدين أن تقويض هذه المملكة يتطلب فعلا كسب الجبهة المصرية، إلى جانبه وكانت مصر تتخبط في حالة ضياع سياسي واستراتيجي في ظل حاكمها الفاطمي المريض، وكان الصراع بين الوزيرين شاور وضرغام على أشده، ويستنجد كل منهما بمن يمكن أن يساعده فاتجه شاور لنور الدين يعرض عليه التعاون بينما اتجه ضرغام إلى الصليبيين يعرض عليهم التعاون.

وفعلا سارع نور الدين لقطف الثمرة في مصر، بين يدي رحيل آخر الخلفاء الفاطميين ووصل السباق النوري العموري مداه، وفي سياق هذا الصراع، برز يوسف بن شادي المشهور باسم صلاح الدين الأيوبي، وقد تُوج من قبل نور الدين ودخل مصر ليعتلي كرسي الوزارة بوقار، فهل كان هذا الشاب يدري شيئا عما يخبئ له القدر من مجد أثيل؟