تقارير

السينما التركية.. مغامرة المئة عام

 

 

بعد حلقات "السينما المصرية" في سلسلة من أربعة أفلام تحكي قصتها من التأسيس إلى الألفية؛ تفتح الجزيرة الوثائقية ملف "ذاكرة السينما" وتتناول فيها السينما العربية إضافة إلى السينما النيجيرية والتركية. وتتناول السلسلة بدايات السينما وتطوراتها في كل دولة، إضافة إلى أبرز الأحداث التي أثرت فيها والتغييرات التي طرأت على محتواها والتحديات التي واجهتها والآمال المرجوة منها، كما تتطرق إلى أبرز الممثلين والنجوم الذين صنعوا السينما في هذه الدول، وتعرض لأبرز أفلام كل مرحلة. وفي الحلقة السادسة نسلط الضوء على صناعة السينما التركية وتأسيسها، ومراحل تطورها، والصعوبات التي واجهتها منذ تأسيسها وحتى الآن، وكيف استطاعت المنافسة في كبرى المهرجانات العالمية.

 

خاص-الوثائقية

شعب كوّن لنفسه شخصيته الخاصة من خلال السينما، فعكست آماله وتطلعاته.

سينما طورت نفسها ولعبت دورها في حياة الشعب التركي، تعثرت أحيانا وانطفأت أحيانا أخرى، لكنها مثل طائر الفينيق تعود إلى الحياة في اللحظة التي يَظن فيها الجميع أنها انتهت.

يتناول هذا الفيلم الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية بعنوان "السينما التركية" ضمن سلسلة "ذاكرة السينما"، ويفتتحه كاتب السيناريو التركي صفا أونال وهو يصف قاعة السينما بوصف احترافي يجعلك تجلس في نقطة معتمة أمام هالة مقدسة من الضوء .

 

"انهيار النصب الروسي في آيا صوفيا".. البدايات

يرجع تاريخ السينما التركية إلى ما قبل تأسيس الجمهورية التركية عندما قام الملازم فؤاد أوزكناي بتصوير انهيار النُصُب الروسي في آيا صوفيا عام 1914 كما يذكر ذلك الناقد السينمائي أتيلا دورساي، مع أن كثيرا من الناس يقول إن السينما التركية بدأت قبل ذلك بكثير.

ويقول البعض إن بداية السينما التركية ترجع إلى تصوير زيارة السلطان محمد رشاد الخامس إلى مناطق يونانية عام 1911 على يد الأخوين ماناكي، وهذا ما يؤكده الناقد السينمائي إحسان قابيل.

ويضيف قابيل أن الأخوان ماناكي قاما بتصوير أفلام أخرى في الشوارع والحياة اليومية في تركيا.

كانت المحاولات الأولى في إنتاج الأفلام التركية خلال الحرب العالمية الأولى عام 1917 في فيلم "نوري بابا"، وبعد استقلال الجمهورية التركية عام 1923 شهدت السنوات الأولى من الاستقلال ولادة السينما التركية.

كانت التجارب الأولى مرتبطة بالمسرح، ويعتبر "محسن أرطغرل" هو مؤسس الفن المسرحي، وأول مخرج في السينما التركية، وهو أيضا مخرج فيلم "إيسل بنت بيت الأوحال" الذي تم تصويره عام 1934، واحتوى على كل العناصر السينمائية من دمج وحركات الكاميرا وغيرها.

صورة أرشيفية لانهيار النُصُب الروسي في آيا صوفيا عام 1914

 

التملص من المسرح.. نقطة تحوّل

بدأت ملامح السينما التركية تتضح في أربعينيات القرن الماضي، هذه الفترة التي أحب فيها الجمهور السينما، وشكلت نقطة تحوّل حقيقية للسينما التركية.

ففي عام 1949 قام المخرج السينمائي لطفي عقّاد بإخراج فيلم "ورون قهبيه"؛ وبهذا بدأ عهد المخرجين في السينما التركية، ثم خرج عقاد بفيلم "باسم القانون" عام 1952 الذي يعتبر أول فيلم حركة (أكشن) في السينما التركية، وبدأ بذلك عصر المخرجين الذين لم يتقيدوا بالمسرح وتمتعوا بمزيد من الحرية والابتكار والإبداع أمثال "متين أركصان" و"عثمان سدن" وغيرهم.

ويقول الناقد السينمائي محمد آجار: إن المخرج متين أركصان هو أحد مؤسسي السينما التركية، حيث قام بصنع عالم بصري فريد من نوعه في أفلامه، ضمن أجواء صوفيّة تركية ولوحات فنية مثل فيلم "وقت الحب".

اعتُبر "متين أركصان" مفكرا ينتج السينما، وصار رمزا لجميع المخرجين الشباب. ويقول المتحدثون بالفيلم أن فيلمه "صيف بلا ماء"، متميز وفريد ولم يُنتج مثله في تلك الفترة.

يشيل جام.. مهد السينما التركية

كما هو الحال في سينما هوليوود وبوليوود، احتضنت مدينة إسطنبول وتحديدا في شارع "يشيل جام" مكاتب المنتجين والسينمائيين؛ فسميت السينما التركية بالسينما اليشيلجامية، وصار لها تيارها الشعبي الخاص، ووصل سحرها إلى كافة المناطق العربية.

وبازدياد الأفلام ازداد الطلب على صالات العرض، فافتتحت صالات جديدة وكبيرة، كما ازداد الطلب على المخرجين والممثلين وكتّاب السيناريو. وتطورت الميولودراما التركية، حتى صارت سينما شعبية تخاطب الطبقة العاملة، وتتماهى شخصياتها وأبطالها بالناس.

وظهر نجوم الخمسينيات مثل "جاهده سونوكو" و"محترم نور"، ونجوم الستينيات الذين صارت لهم محبة عظيمة بين الناس مثل "توركان شوراي" و"حليه قوج" و"فاطمة غيريك" .

محسن أرطغرل مؤسس مسارح المدينة في إسطنبول

 

300 فيلم كل عام.. العصر الذهبي

تطورت السينما التركية كثيرا، وزاد عدد الأفلام المُنتجة حتى وصل إلى 300 فيلم في العام الواحد، وصار شارع "يشيل جام" بلد الأحلام، ومع ازدياد عدد الأفلام في الستينيات صارت الأفلام تجارة رابحة، وبدأ الاستثمار فيها، واعتُبرت هذه الحقبة العصر الذهبي للسينما التركية.

وهنا يذكر المخرج يلماز أطا دنيز تجربته السينمائية حين حضر أحد أفلامه مع عشرة آلاف شخص من الجمهور المتابع.

ويتحدث الممثل وكاتب السيناريو "أرجان كسال" عن تجربته الأولى، ويقول "إن السينما دخلت إلى حياتنا وتسللت إلى أعماقنا"، وكذلك يتحدث الممثل "إيهان أوغلو" عن أفلامه الكثيرة وأدواره المتنوعة التي لعبها في 192 فيلما.

تميزت السينما التركية في الستينيات برومانسيتها وبراءتها، وتمحورت أفلامها عن خيريّة الطبقة الفقيرة وشر وقسوة الطبقة الغنية، فعاش الشعب التركي هذه المرحلة من سينما "يشيل جام" في البراءة والطفولة والرومانسية والفضيلة.

"الملك القبيح" يُفسد لعبة الأمل

وفي حقبة السبعينيات انتقلت الـ"يشيل جام" من عصر البراءة إلى عصر التقلبات السياسية، واختفى العالم الخيالي الرومانسي وحان وقت الحقيقة وهيمنة الشرّ.

ظهر بعض الممثلين الذين صرحوا بأنهم يساريين وعلى رأسهم "يلماز غوناي" الذي كان قائدا سياسيا وممثلا جيدا، وكان أول أفلامه فيلم "الأمل" الذي يروي قصة رجل بائس يبحث عن الكنز.

ظهر غوناي واضحا وأفسد لعبة الأمل، وأثّر تأثيرا عميقا في السينما التركية، وترك بصماته على جيل كامل من السينمائيين، وأوجد لنفسه أسلوبا خاصا حتى صار نجما.

يتحدث المخرج "أرول منتاش" عن أول فيلم قدمه ليلماز غوناي بعنوان "الطريق"، ويعتبره مدرسة لأفلامه وكتاباته، كان متأثرا بالسينما الإيطالية، وأضافت له توجهاته السياسية الكثير من الخبرة.

أمضى غوناي وقتا طويلا في السجن، وكان يُخرج أفلامه من داخل السجن، وتأثر بقصص المسجونين من حوله وترجمها إلى أفلام من نوع المغامرات كان البطل فيها حتى لقبه الجمهور بالملك القبيح الذي كان يقف في وجه الظالم دائما، وهذا ما جعله يحوز على إعجاب الجماهير والناس.

ويتحدث الناقدان السينمائيان "وجدي صايار" و"سنان أوغلو" عن أفلام يلماز غوناي وتأثيرها الشديد في الجمهور، فبعض أفلامه مثلا جعلت الأكراد أكثر ظهورا، لكن أبرز نجاحاته تمثلت في فيلم "الطريق" الذي حاز على جائزة السُعفة الذهبية للسينما.

لقطة من الفيلم التركي "وقت الحب" لمتين أركصان أحد أهم صناع الأفلام في السينما التركية

 

مهرجان إسطنبول نافذة إلى العالم

مع الانقلاب العسكري في تركيا عام 1980، تأثر قطاع السينما بشكل واضح، شأنه شأن جميع قطاعات الحياة، مما أدّى ذلك إلى انقطاع العمل السينمائي تماما، وسجن بعض السينمائيين، وفرار بعضهم إلى الخارج.

وبعد عامين من الانقلاب تم تأسيس مهرجان الفيلم الدولي في إسطنبول وهذا ما ساعد في خروج السينما التركية من أزمتها، وبدأ انتقالها إلى العالمية. ثم تأسست دائرة السينما التي بدأت بدعم السينمائيين الشباب.

تقول مديرة مهرجان إسطنبول حليا أوجانصو: كانت الجماهير تنتظر المهرجان كما تنتظر أيام الربيع، لأن أي حشد جماهيري في ذلك الوقت كان محظورا بسبب الأوضاع السياسية.

وفي تسعينيات القرن العشرين شهدت السينما التركية انتكاسة أخرى بسبب الكلفة العالية للأفلام وقلة الإيرادات، ومع ذلك فقد برز عدد من المخرجين المبدعين الذين أعادوا لها الألق من جديد مثل "زكي دينير كوبوز" الذي تميز بإسلوبه الخاص، حيث كان دائما في صف الناس المُهمّشين والمُضطهدين.

ويؤكد المنتج "طيفون بيرسليم" على أهمية مهرجان إسطنبول؛ فقد كان نافذة السينما التركية إلى العالم، كما أن جيله من السينمائيين خرج من معطف المهرجان.

ميلاد وملامح سينما جديدة

في التسعينيات تمكن المصور نوري بلغاجيلان أن يصنع ملامح السينما التركية لأجيال قادمة عبر أسلوبه الروائي الخاص بعد إخراجه لفيلم "البلدة" وفيلم "غيوم أيار" الذي حصد العديد من الجوائز العالمية، ومع ذلك لم تلقَ أفلامه ترحيبا جماهيريا.

المنتج "نادر أوبرلي" تحدث عن مخرجي هذه الحقبة من التسعينيات وعن نجاحاتهم وعن تشكيل وزارة الثقافة لِبُنيةٍ تدعم الإنتاج مباشرة كما في أوروبا، مؤكدا أن هذا ما شجع ظهور جيل جديد من المنتجين.

وتؤكد ذلك المنتجة زينب أوزباطور بقولها: إن أفلام منتصف التسعينيات كانت ميلاداً مُهما.

عملت دُور السينما الشعبية على تشكيل عناصر فنية ذات طابع خاص يختلف عن الجيل الذي أفرزته سينما "يشيل جام" أمثال النجم "يلماز أردوغان" وقد أحدث تحولا مذهلا في السينما بعد فيلمه "فيزيون تيلا" بقالبه الكوميدي الدرامي، والذي تقول عنه المنتجة "زمرد بكجه" أنه حطّم رقما قياسيا في تركيا عام 2001 بفكاهته ومواضيعه الدرامية.

الممثل النركي يلماز غوناي الذي حاز على جائزة السُعفة الذهبية للسينما عن فيلم الطريق

 

السينما التركية الحديثة.. عصر ذهبي جديد

بدخول الألفية الثالثة أصبح قطاع الإعلان تجارة رابحة، وأصبح التلفزيون حليفا جديدا للسينما وزاد عدد الأفلام المُنتجة بشكل كبير، ومع نهاية العقد الأول من الألفية عاشت السينما التركية عصرها الذهبي مرة أخرى، وأُنتجت مئات الأفلام سنويا.

يقول المدير التلفزيوني والسينمائي محمد دمرهان: كان هذا الوقت هو العصر الذهبي للسينما التركية، فقد تنوّعت من الناحية الاجتماعية وحققت نجاحات دولية، وصار يظهر العديد من المخرجين كل عشر سنوات تقريبا.

وبظهور أسماء فنية جديدة أنعشت السينما التركية نفسها مرة أخرى، وعادت بثقة أكبر بعد أن حُلّت المشكلات المتعلقة بقِيمها وهويتها، وسُميت هذه المرحلة بـ"السينما التركية الحديثة"، فتنوعت الروايات السينمائية بقصصها وأنماطها.

وحصدت الأفلام التركية جوائز هامة وأساسية في المحافل الدولية، وأصبح السّيرُ حثيثا نحو سينما تهتم كثيرا بالسيناريو وتتجاوز مشاكل الإخراج التقنية لتكون على مستوى السينما الدولية.

ويُجمع المتحدثون في الفيلم أنهم سعيدون بالولادة الجديدة للسينما التركية، وأنها تسيرُ في الطريق الصحيح وقريبة من الجماهير، ويمكنها أن تُنتج أعمالا مُهمّة في المستقبل.

 

السُّعفة الذهبية في سرير "نوم الشتاء"

عادت السينما التركية لتلعب دورا هاما في السينما العالمية عندما حصل الفيلم التركي "نوم الشتاء" الذي أخرجه "نوري بلغاجيلان" على جائزة السُعفة الذهبية. وقد وضع بذلك الفيلم السينما التركية في القمة مع أن قصته مستوحاة من الأدب الروسي.

كما اتّجه سينمائيون آخرون إلى إيجاد سينما من وحي الثقافة الفنية التركية، ومن بينهم "درويش زعيم" الذي أنتج أفلاما مستوحاة من الخط التركي ومن فن الإيبرو وصناعة الرخام.

ويقول المخرج درويش زعيم عن تجربته، إنه أنتج أفلامه مستفيدا من مصادره الخاصة وفي إطار خطاب خاص به.

وبحكم الموقع الجغرافي لتركيا، أصبحت السينما التركية تبحث عن هوية خاصة لها بين الشرق والغرب، لكنها استطاعت أن تصنع لها هوية ثقافية وفّرت لها مكانا خاصا، ومن ناحية أخرى ارتفعت معايير الإنتاج التلفزيوني الذي أوجد لنفسه نجوما مميزين، وأعاد طرح القضايا الاجتماعية الطبقية كما فعلت "يشيل جام" قديما؛ فأعادتها إلى الحياة في قالب تلفزيوني درامي، ولاقت رواجا كبيرا في الدول العربية ودول البلقان، وحصدت نجاحات كبيرة في هذه الأقاليم.

ولعل المسلسل التلفزيوني "سليمان القانوني" من أهمّ الأعمال التي تتناول الحديث عن عروش الشرق الماضية.

وتنبّه المنتجون أن القصص التاريخية تستقطب الجماهير؛ فأُنتجَ الفيلم الضخم "الفاتح" الذي استقطب عددا كبيرا من الجماهير، وكانت كلفته الباهظة من أعلى الميزانيات في السينما التركية.

ورغم كل النجاحات فما زالت السينما التركية في صراع بين الثقافات المتعددة، وما زالت تعيش مغامرتها باحثة عن مضامينها وروحها الخاصّة حتى يومنا هذا.