تقارير

السينما المصرية.. الأدب والثقافة في خدمة الفن

 

تفتح الجزيرة الوثائقية ملف السينما المصرية في سلسلة من أربعة أفلام تحكي قصتها من التأسيس إلى عصرنا الحالي، وفي الحلقة الثالثة من هذه السلسلة نتحدث عن أهم الأفلام في مرحلة الستينيات من القرن الماضي ومدى تأثرها بالأحداث السياسية في مصر، خصوصا تلك التي ظهرت بعد نكسة عام 1967 وحتى حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، وكيف أن تلك الفترة شهدت ظهور جيل جديد من السينمائيين.

 

سناء نصر الله

يرى النقاد أن فترة الستينيات كانت مرحلة الازدهار السينمائي في مصر، كما أنها شهدت إنشاء المؤسسة المصرية للسينما التي كان لها دور كبير في صناعة السينما.

تدور أحداث الحلقة الثالثة من سلسلة "ذاكرة السينما المصرية" التي أنتجتها الجزيرة الوثائقية حول الأفلام في مرحلة الستينيات من القرن الماضي ومدى تأثرها بالأحداث السياسية في مصر.

كما تتحدث عن أهم الأفلام التي قدمت في تلك الفترة، خصوصا تلك التي ظهرت بعد نكسة عام 1967 وحتى حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، وكيف أن تلك الفترة شهدت ظهور جيل جديد من السينمائيين مثل علي عبد الخالق وسعيد مرزوق وعلي بدرخان.

أدركت السلطات المصرية الأهمية البالغة للسينما وتأثيرها على الجمهور؛ فبادرت بإنشاء مؤسسة عامة لها، واستثمرت الأفلام التي أُنتجت في تلك الفترة لإيصال القيم والأفكار والتوجهات السياسية التي تريد إيصالها لعموم الشعب.

ويذكر أستاذ التاريخ المعاصر محمد عفيفي أن الشارع انقسم في تلك الفترة إزاء دخول الدولة مجال الإنتاج السينمائي، فمنهم من كان مؤيدا ومستدلا بنجاحات بعض الأفلام، بينما رأى آخرون أنه يحد من حرية السينما وانطلاقها.

 

درّة السينما

يلتقي معظم النقاد على أن هذه المرحلة من تاريخ السينما المصرية كانت الأكثر ازدهارا، دخل الأدب فيها بقوة وتبنت الشركة أفلاما عظيمة، واشترت روايات لا حصر لها لأدباء مهمين من مثل إحسان عبد القدوس ويحيى حقي ونجيب محفوظ ويوسف السباعي ويوسف إدريس، وغيرهم.

شكلت تلك الفترة درة الإنتاج السينمائي في مصر، وحدثت طفرة في نوعية الأفلام المقدمة، ولم تعد مقتصرة على قصص الحب والرومانسية كما في الماضي، كما لم تعد القصص النمطية للشاب البسيط الذي يجلس بقصر السلطان وتهبط عليه الثروة من السماء، فقد ظهرت شخصية ابن الحارة بنسقه القيمي الجديد الذي يناسب ثورة يوليو وقوانينها.

استطاعت السينما أن تحوّل النص الأدبي ذا الطبيعة الخاصة في توصيل الأحداث، إلى تصوير يتحرك تظهر فيه الأحاسيس والأفكار، وتحول فيه الكلمات إلى أفعال تعبر عنها.

هنا يتمتع السيناريو بحرفية أكثر من الأدب؛ لأن الصورة والحركة تحتاج للعقل أكثر من الأدب، وليس المقصود هنا القيمة الأدبية، ولكن أن يكون الكلام مناسبا للدور، فمثلا الراقصة تتحدث بلغة الراقصات وهكذا.

المخرج كمال الشيخ

أدباء وروايات أصبحت أفلاما

إذا أصبح الفيلم يجسد رواية لأديب وحسا لمخرج، وعلى كاتب السيناريو تفجير الرواية، ثم يقدم فيلما من عالم خاص وشخوص مختلفين، على ألا يتناقض مع روح الرواية وفكرتها.

ومن هنا ظهرت أعمال نجيب محفوظ في السينما، وكان ذا قدرة كبيرة في الكتابة السينمائية، فهناك الصور الأدبية المتنوعة، والرمزيات والانتقالات الخاصة بالفيلم في كتاباته، وأصبح من أكثر الأدباء الذين يمكن تطويع أعمالهم وتحويلها إلى سينما.

استطاع المخرجون أن يطوعوا أعمالا كبيرة لكتاب كبار لتصبح أفلاما سينمائية، مثل رواية "الحرام" للكاتب يوسف إدريس، و"دعاء الكروان" لطه حسين، وكلاهما من إخراج هنري بركات وبطولة فاتن حمامة.

يقول المخرج هنري بركات في أحد لقاءاته المسجلة: عندما قرأت رواية "دعاء الكراون" أعجبتني وتخوفت من الاقتراب منها خاصة أنها لطه حسين، ذهبت له وأخبرته بنيتي أن أعمل منها فيلما. وقال لي طه حسين "في البداية أنت تعلم أني لا أستطيع كتابة الصور"، قلت له إن أسلوب الرواية يوحي بقدرتك على ذلك، فوافق على التعاون معنا، وقدمنا نهاية للفيلم تختلف عن نهاية الرواية لأنها تتماشى أكثر مع عقلية المتفرج.

فيلم صلاح الدين كان منحازا لعبد الناصر والقومية العربية

 

أيدولوجيا المخرجين

في هذه الفترة، طغى نقد الفكر الذي يتبناه المخرج على نقد العمل السينمائي الذي يقدمه، ويدلل المخرج أحمد ماهر على أن المنتجين أعطوا في تلك الفترة فرصة ومساحة أكبر للمخرجَين صلاح أبو سيف وتوفيق صالح، على حساب المخرج كمال الشيخ الذي لم يكن يقلّ عنهما إن لم يكن يفوقهما كفاءة.

يقول أحمد ماهر إن السبب في ذلك يعود إلى اتهام كمال الشيخ بأنه كان يمينيا وليس يساريا أو قوميا، مع أنه قدم أفلاما كبيرة ومواضيعها متنوعة منها السياسي والبوليسي والرومانسي، "لقد تعرض لظلم كبير في الحركة النقدية التي كانت سائرة".

وعن فيلمه "الخائنة" الذي قامت ببطولته الفنانة نادية لطفي، يقول كمال الشيخ: إن كل مخرج له زاوية وأسلوب، وكان لي هذا الأسلوب، لم أكن حريصا عليه لكني أحببته، وهو أن أتناول موقفا واحدا مليئا بالتفاصيل ومشحونا بالتوتر، وهذا هو الغرض من العمل.

مخرج آخر تحدث عنه النقاد هو توفيق صالح، فقد درس في فرنسا ومع ذلك قدم أفلاما مصرية حتى النخاع، ولم يتأثر بالفيلم الغربي إلا بالتكنيك، وقد استخدمه بشكل جيد.

كان توفيق صالح مخلصا لفنه، لكن إخلاصه كان أكثر لأفكاره، ولم يتمكن من صهر الأيدولوجيا في أعماله.

يقول أستاذ قسم الإخراج في كلية العلوم مختار يونس: لا تلتقي الأيدولوجيا والفن إطلاقا، وسيحكم على العمل ذي الطابع الأيدولوجي بالفشل؛ لأنها (الأيدولوجيا) تخنق الإبداع وتقيده.

ثلاثي أضواء المسرح الضيف أحمد وسمير غانم وجورج سيدهم

 

فقاعة ثقافية

تثير تلك المرحلة من مراحل السينما جدلا بشأن شيوع مصطلح "المنتج الثقافي الأعلى في القرن العشرين"، فقد رأى بعض المتخصصين أن هذا المصطلح كان مجرد فقاعة كبيرة؛ لأنه لا يمكن للثقافة أن تعوض ما أُخذ من الحرية.

فلا يوجد عصر تتسع فيه الثقافة التي تُنتج السينما والأدب بينما تضيق فيه الحريات. لقد غُلفت تلك المعرفة بالخوف والتردد نتيجة للقمع الذي مورس في ظل حكم قادة الثورة.

وقد حاولت الدولة المصرية زمن جمال عبد الناصر السيطرة على السينما؛ ليس فقط من الناحية الإدارية والفنية، بل حتى من ناحية الفكر الذي يقدم في الأفلام. فمثلا فيلم "صلاح الدين" قدم لغة حوار تلك الفترة التي أنتج فيها الفيلم وليس الفترة التاريخية لصلاح الدين، لذلك كان فيلما منحازا لعبد الناصر والقومية العربية.

برع فؤاد المهندس في الكوميديا وحققت أفلامه إيرادات عالية

 

الكوميديا الراقية

احتلت الكوميديا جزءا كبيرا من الإنتاج السينمائي لتلك الفترة، واعتمدت على ما يُعرف بكوميديا الموقف التي تعالج المشاكل الاجتماعية في البيت والحارة والمدرسة.

كما طغى الاهتمام بالشباب على السينما المصرية حينذاك، وجاءت أدوار الآباء والأمهات هامشية، وفي بعض الأفلام تطورت المعالجة قليلا لتصل لصيغة فيها اهتمام بالأسرة بشكل عام.

ويرى المخرج عمر عبد العزيز أن الكوميديا فن متطور باستمرار، وهو الفن الوحيد الذي يعتمد على العقل، "فلا يمكن أن أُضحك الجمهور دون أن أفكر بالكيفية، بعكس التراجيديا، ولم تعد الإعاقة مقبولة في الكوميديا كتلك التي قدمها إسماعيل ياسين".

قدمت السينما في تلك الفترة نماذج كوميدية لا يمكن نسيانها، فكان ثلاثي أضواء المسرح الضيف أحمد وسمير غانم وجورج سيدهم الذين نجحوا نجاحا باهرا في خفة الظل والقدرة على انتزاع الضحكة وتطويع المشهد.

كما برع في هذا المجال فؤاد المهندس الذي حققت أفلامه إيرادات عالية، وكذلك ظهر عبد المنعم مدبولي الذي كان مصنعا للضحك ومخرجا مسرحيا مهما، وسميت تلك الفترة بـ"المدبوليزيم" وليس المقصود بها هو، وإنما نمط مجموعة الممثلين كلها.

المخرج كمال الشيخ قدم رواية "ميرامار" لنجيب محفوظ

 

نكسة 67.. نكسة السينما

بقي المصريون في هذا الوضع المخملي الثقافي والسياسي والعسكري إلى أن جاءت نكسة 1967 حيث أفاق الجميع على هذا الكابوس. وكما يقول بعض المتحدثين: تم إعادة تقييم كل القناعات التي كنا نؤمن بها، كنا نريد أن نرى الحقيقة، وظهر ذلك في الأفلام، لم تكن الدولة تمتلك القدرة على السيطرة على الأوضاع لأن الغضب الشعبي كان كبيرا.

قدم المخرج كمال الشيخ رواية "ميرامار" لنجيب محفوظ، وكانت تعبر عن جرأة سياسية كبيرة إلى حد التهور، وقد وافقت الدولة على الفيلم رغم رفض الاتحاد الاشتراكي الذي اعتبرها إساءة، لكن الرئاسة أجازته.

ترى أستاذة السيناريو في جامعة الفنون ثناء هاشم أن فترة القمع تكون خصبة وبيئة جيدة للسينما الرمزية، وهي أن تتحدث وتضيف خرافات وأساطير وحكايات ملفقة لعمل إرهاصات على الوضع السياسي، وخير مثال هو فيلم "الخوف" الذي قدم كبيرَ القرية على أنه الظالم الأكثر بطشا، وكان يشير خفية إلى حكم جمال عبد الناصر.

كان الفيلم سيُمنع من العرض، لكن عبد الناصر قال "لو أنا فعلا كده فعندكم حق"، وتم عرض الفيلم الذي تضمن مشاهد عالمية، وكان الممثلون متأثرين جدا بهزيمة 1967.

كانت النكسة إيذانا بانهيار ما سمي بالعصر الذهبي للسينما، فشكلت هزيمة فعلية للمجتمع وشرخا حقيقيا في الوجدان المجتمعي الثقافي، وهرب صناع الفن والجماهير من الجدية واتجهوا نحو الأفلام الهزلية، ولم يحصل المشاهد على أي نوع من التعبئة النفسية أو المجتمعية أو الوطنية.

ظهرت في السينما حالة مراجعة بعد وفاة عبد الناصر

 

سينما جديدة.. جماعة "الغاضبون"

شهدت بداية السبعينيات من القرن الماضي تحولات كبيرة في المجتمع المصري، وكانت وفاة عبد الناصر بمثابة نهاية حلم وأفول شمس القومية العربية؛ فظهرت في السينما حالة مراجعة.

أطلقت مجموعة من المخرجين والسينمائيين على أنفسهم جماعة "السينما الجديدة" أو "الغاضبون"، وأفردت لهم مجلة "الكواكب" صفحات للتعبير عن آرائهم.

كان هذا التيار مهتما بتقديم موجة جديدة من السينما المصرية التي تعتمد على وجود الشباب المثقفين، لكنها قوبلت بسخرية، وقال لهم المخرج حسن الإمام الذي كان معاديا لهم: قالوا إنهم سيعملون موجة جديدة، أي موجة؟ ذهبْت للبحر الأحمر لم أجدها، وذهبْت للمتوسط ولم أجدها.

قدمت هذه المجموعة أفلاما عدة، من بينها فيلم "على الممر"، ويتحدث عن مجموعة من العساكر يرأسهم شاويش يحاصَرون ويصمدون وكل واحد يتحدث عن قصته التي تتحدث عن هزيمة المجتمع، ويبقى الشاويش ليسرد حكاياتهم للمجتمع.

خلق هذا الفيلم حالة وجدانية لدى المشاهدين، فكانت النساء الثاكلات لأحبائهن في الحرب تحدث لهن حالات انهيار وإغماء لشدة تأثرهن به.

ومن الأفلام المهمة التي تلت النكسة فيلم "الأرض"، وبالرغم من أن روايته كتبها عبد الرحمن الشرقاوي في الخمسينيات، لكن أهمية الفيلم كانت أنه جاء بعد هزيمة 1967، وكان المخرج يوسف شاهين صاحب حس اجتماعي وسياسي، وبرز ذلك في المشهد الأخير للفيلم، حين ظهر البطل محمود المليجي يُجَر وهو متمسك بأرضه.

كما عُرض فيلم "غروب وشروق" للمخرج كمال الشيخ، وتحدث عن القمع المطلق الذي مارسته السلطة. ورغم أنه عُرض بداية السبعينيات، فإنه تحدث عن فترة الحكم الملكي والطرابيش، وكان مستواه رفيعا فلم يتحدث عن فساد الملك بشكل مباشر لكنه تحدث عن فساد السلطة وقمعها.

سعاد حسني أثبتت أنها ممثلة من طراز رفيع

 

نجوم.. عنوان المرحة

سطر عدد من النجوم أسماءهم في هذه الفترة، ومنهم محمود المليجي الذي اعتُبر من أكثر النجوم شهرة، وكان بطلا لعشرين فيلما من إخراج يوسف شاهين، وكانت أدواره تأتي مناصفة بين الخير والشر.

واعتُبر شادي عبد السلام من أهم السينمائيين، فهو مخرج ومهندس ديكور ومصمم ملابس وكاتب سيناريو. ووفقا للمتحدثين "كان من أهم السينمائيين الذين يعملون في اتجاه مصري صرف"، وقدم فيلمي "المومياء" و"حكاوي الفلاح الفصيح"، وتوفي قبل أن يعمل فيلم "أخناتون".

كان شادي فنانا تشكيليا، لذلك لم يعل عليه أحد في تكوين الكادر واهتمامه الكبير بالجماليات، لكنه وقع في شرك أن المصريين يفهمون تاريخهم جيدا؛ لذلك فإن أفلامه لقيت نجاحا منقطع النظير في الخارج، ولم يكتب لها النجاح في مصر.

وفي الأدوار النسائية، تميزت سعاد حسني التي أثبتت أنها ممثلة من طراز رفيع، يقول عنها الناقد الفني طارق الشناوي "كانت عجينة إبداع".

كما اعتُبرت الفنانة شادية أهم عنوان نسائي بعد ليلى مراد تاريخيا، وتكاد تكون هي الفنانة الوحيدة التي جمعت بين موهبتي الطرب والتمثيل بالمناصفة، وتفوقت فيهما بنفس الدرجة.