تقارير

السينما المصرية.. من التأسيس إلى الواقعية

 

تفتح الجزيرة الوثائقية ملف السينما المصرية في سلسلة من أربعة أفلام تحكي قصتها من التأسيس إلى عصرنا الحالي، وفي الحلقة الأولى من هذه السلسلة نتحدث عن نشأة السينما المصرية منذ بدايتها وحتى ظهور ما يعرف بالأفلام الواقعية على يد المخرج كمال سليم في أربعينيات القرن الماضي.

 

سناء نصر الله

يعد الفن السينمائي واحدا من أكثر الفنون شعبية، وقد سماه الناقد الإيطالي الأصل "ريتشيوتو كانودو" بالفن السابع؛ لأنه ضمه إلى منظومة الكورال السداسي الإيقاع للحلم الجمالي على مرّ العصور، والمكون من العمارة والموسيقى والرسم والنحت والشعر والرقص.

تقدم الحلقة الأولى من سلسلة "ذاكرة السينما المصرية" التي أنتجتها الجزيرة الوثائقية؛ نبذة تاريخية عن بدايات دخول السينما إلى مصر، وكان ذلك بعد فترة وجيزة من ظهور "سينما توغرافي" عالميا على يد الأخوين الفرنسيين لوميير في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1896.

سجلت السينما تاريخ مصر من نهاية القرن التاسع عشر وحتى الآن، حتى إن بعض المؤرخين اعتمدوا الأفلام السينمائية لكتابة تصوراتهم عن تاريخ المجتمعات.

وتُعتبر السينما المصرية من أوسع السينمات انتشارا، إذ إن جمهورها امتد في كل دول العالم العربي، كما اعتُبرت أهم منتج ثقافي ظهر في العالم العربي في التاريخ الحديث.

 

البدايات.. الأخوين لوميير

ظهرت السينما (سينما توغرافي) عالميا على يد الأخوين لوميير عام 1895، أما السينما المصرية فقد ظهرت بعد ذلك بعام فقط، وقُدِمت أول العروض في الإسكندرية وبعدها القاهرة.

قُدم العرض من قبل الأخوين لوميير في غراند كافيه في الإسكندرية، وكان خاصا بهما ولم يشترك فيه مصريون، وامتد العرض لدقائق فقط، وكان العرض يستهدف مجموعة من العمال يخرجون من مصنع. وفي عرض آخر كان الفيلم عن قطار يدخل المحطة، فهرب الجمهور حين اعتقد أنه قطار حقيقي يقتحم مكان وجودهم.

ولم تكن في مصر في ذلك الوقت أبحاث خاصة عن العدسات أو الكاميرات أو السينما، لذلك ساد جدل بشأن القول إن السينما المصرية بدأت مع نظيرتها العالمية.

يقول أستاذ الإخراج في كلية العلوم مختار يونس: لم يكن الأمر عادلا ولا يعبر بشكل دقيق عن الحقيقة، بل كان الدور المصري دور المتلقي فقط.

بينما يقول مدير التصوير سعيد الشيمي، إن مصر عرفت التصوير بعد اختراع الأخوين لوميير، فقد حضر مصور من شركة لوميير بعد سنتين، وكانت أول مرة تدخل كاميرا إلى مصر عام 1897 وتصور معالم سينمائية متحركة.

ونظرا لطبيعة مصر وتاريخها الجاذب؛ صُور فيها في تلك الفترة الكثير من الأفلام، مثل إنشاء كُبري قصر النيل وأسوان، كما صُورت أفلام في صحراء النوبة.

وقد تقبل المصريون العروض السينمائية بأريحية شديدة. تقول أستاذة السيناريو في جامعة الفنون ثناء هاشم: إن فن الفُرجة كان شائعا في مصر، مثل عروض الأراجوز (المُهرج)، غير أن الأسلوب تغير، وبدأت دور السينما بالانتشار في أماكن مختلفة مثل المقاهي والفنادق والفيلات الكبيرة.

محمد كريم أحد أهم رواد السينما في مصر، وهو أول مصري قام بإنتاج وإخراج وتصوير فيلم سينمائي

 

بيومي وكريم.. آباء السينما المصرية

بدأت السينما في مصر عبر شركة إيطالية بالإسكندرية لإنتاج الأفلام المصرية، وبعد ذلك ظهرت عدة شركات للإنتاج، ومن أشهر الأفلام التسجيلية التي عُرضت فيلم "المحمل للحج"، وفيلم "رحلة سعد زغلول من المنفى"، أما على مستوى الأفلام الروائية فقد أنتج محمد بيومي فيلمين مدة كل منهما 20 دقيقة.

ويعتبر محمد كريم أحد أهم رواد السينما في مصر، وهو أول مصري قام بإنتاج وإخراج وتصوير فيلم سينمائي، حيث كان يتدرب على التصوير أثناء وجوده في الشركة الإيطالية.

عشق كريم السينما، وقد أُسند إليه دور شاب عربي في أحد الأفلام الإيطالية، وشارك بعدها في فيلمين، ثم انتقل إلى ألمانيا وهناك عمل مساعدا للمخرج الألماني فريتز لانج؛ مما أكسبه خبرة ودراية بفن الإخراج السينمائي، وتعلم منه كيف يكتب سيناريو.

بعد ذلك عاد إلى مصر وأنتج فيلم "زينب" عام 1930 من بطولة بهيجة حافظ، وكان أول فيلم يُكتب له نص، وأول فيلم ناطق في تاريخ السينما المصرية.

لكن بعض النقاد يعتبرون أن محمد بيومي الضابط في الجيش هو الأب الحقيقي للسينما المصرية، فقد سافر إلى ألمانيا وتعلم السينما هناك، ثم عاد وأنشأ أستوديو مصر في الحي الجديد في شبرا، وبدأ بإنتاج الأفلام.

وهنا تقول ثناء هاشم إن محمد بيومي بدأ عمله في السينما مع فيلم "عودة الزعيم" عن عودة الزعيم المصري سعد زغلول من منفاه في سيشل، إذ كانت العواطف متأججة في تلك الفترة.

وصور محمد بيومي لقطات لاستقبال المصريين للزعيم سعد زغلول، وكان أول مصري يقف خلف الكاميرا، وهناك بدأ طموحه السينمائي يتنامى، وفكر في عمل أفلام قصيرة.

بعد ذلك أنتج بيومي فلم "برْسوم يبحث عن وظيفة" عام 1923، ويعتبر أول فيلم روائي مصري صامت في تاريخ السينما المصرية، وأول فيلم صُوّر على مستوى أفريقيا، وقدم الفيلم نقدا جارحا لثورة 1919، وأظهر حالة العوز والفقر والتقاتل على رغيف الخبز.

بعض النقاد يعتبرون أن محمد بيومي الضابط في الجيش هو الأب الحقيقي للسينما المصرية

 

طلعت حرب.. أول شركة سينمائية

بعد ذلك اقترح بيومي على رجل الاقتصاد المصري طلعت حرب إقامة شركة خاصة لصناعة السينما، وبالفعل تأسست شركة مصر للتمثيل والسينما عام 1925 كواحدة من شركات بنك مصر التابع لطلعت حرب.

وقد انعكست الأحداث الهامة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على السينما المصرية، ومنها الثورة العُرابية والاستعمار الإنجليزي واندلاع الحرب العالمية الأولى.

وأسهمت تلك الأحداث في ظهور القومية المصرية، وإنشاء المملكة المصرية ومشروع الاستقلال، وشهد المجتمع المصري تحولات سياسة واجتماعية، فظهرت الأحزاب والزعامات الشابة مثل مصطفى كامل، كما تعالت دعوات تحرير المرأة، وانعكست كل تلك التحولات على السينما المصرية.

كانت شركة مصر للتمثيل والسينما التي أسسها طلعت حرب قاعدة ثابتة وعميقة لتأسيس أستوديو مصر الذي افتُتح فيما بعد عام 1935، ولا يزال قائما في نفس المكان.

يقول المخرج علي بدرخان، إن طلعت حرب طلب منه أن يقدم له دراسة في صناعة السينما أثناء وجوده في فرنسا لدراسة المحاماة، وقد لقي ذلك هوى في نفسه، وترك المحاماة ليدرس السينما، فبعث بعد ذلك بدراسة وافية لطلعت حرب الذي باشر في افتتاح أستوديو مصر.

جُلبت معدات التصوير للأستوديو من ألمانيا، ولم يتجه العاملون في ذلك الحقل للدولة المستعمرة بريطانيا، ولا لصاحبة الأطماع الاقتصادية فرنسا، وجُهز الأستوديو على أعلى مستوى وبتجهيزات راقية، وتم الافتتاح بحضور عدد من الممثلين والممثلات، وقدم محمد أمين أغنية من ألحانه في الافتتاح.

كانت فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي مليئة بالتجارب السينمائية، وكان النفَس القومي فيها عاليا، وحرص المخرج محمد كريم على أن يكون الفيلم من الأدب المصري، لذا اختار قصة "زينب" لحسين هيكل كي تكون قصة لأول أفلامه.

أنشأ بيومي أستوديو مصر في الحي الجديد في شبرا، وبدأ بإنتاج الأفلام

 

سينما الثلاثينيات.. أفلام غنائية

في الثلاثينيات كان الغناء عنصرا مهما في السينما بشكل عام والمصرية بشكل خاص، ويشير الناقد الفني طارق الشناوي إلى أن المغنية "نادرة" كانت هي رائدة الغناء في الفيلم المصري، وذلك في فيلمها "أنشودة الفؤاد"، وكان محمد عبد الوهاب أول مطرب يغني بفيلم "الوردة البيضاء".

أدخل محمد كريم العنصر الغنائي للفيلم، واختار محمد عبد الوهاب وأخرج له كل أفلامه، ومن تلك الأفلام "لست ملاكا" و"ممنوع من الحب"، في المقابل أخرج أحمد بدرخان أفلاما لأم كلثوم مثل فيلم "فاطمة".

وفرض الذوق المصري نفسه على السينما، لذلك ظهر الغناء والرقص والاستعراض كمكوّن للفيلم المصري، وكان أول إنتاج لأستوديو مصر فيلم "وداد" من بطولة أم كلثوم.

وشكل الاسمان الكبيران محمد عبد الوهاب وأم كلثوم حضورا قويا للسينما المصرية في البلاد العربية، وقد أسست الأغاني التي قدمتها أم كلثوم في الأفلام للأغنية القصيرة التي لم تكن تؤدى على المسرح.

أثر توسع المدن في العشرينيات والثلاثينيات -كما يقول أستاذ التاريخ المعاصر محمد عفيفي- على السينما، إذ نشأت مصالح جديدة وتزايد عدد دور السينما، وقد حدث خلط في البداية بين السينما والمسرح، وكان نجوم السينما هم أنفسهم الممثلين والمغنين المسرحيين.

السينما المصرية كانت في البداية نسائية بامتياز

 

نجيب الريحاني.. وجه لا يُنسى

وظهر من النجوم "علي الكسار" و"نجيب الريحاني"، وكان الصراع بينهما محتدما في المسرح، أما في السينما فقد خفت حدته، وقدم الكسار أشهر أفلامه ومنها، "سلفني ثلاثة جنيه" و"علي بابا والسبعين حرامي"، لكنه وقع –كما يقول النقاد- تحت الشخصية الواحدة ولم يترك رصيدا مطلوبا.

أما نجيب الريحاني فهو الوجه الذي لا يُنسى في تاريخ السينما المصرية، ويقول عنه الناقد كمال رمزي: وجهٌ مصري فيه سمات العناء وصاحبه ليس من الأثرياء، خرج من بيئة متوسطة وأدى شخصيات من الواقع ممتدة مدى الحياة، كما أخلص كثيرا لعمله، ومن أشهر أفلامه "سلامة في خير".

كانت تجربة الريحاني خالدة، وكان أسلوبه بسيطا وانفعالاته مضبوطة ومدروسة على حجم الكادر.

وفي نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي، أصبح يُنظر للسينما كعمل مؤثر ويجب مراقبته، ولكن لم تكن هناك قوانين تلجم العمل السينمائي، وكان هذا لصالح السينما والمسرح، لكن في عام 1938 بدأت القفزة الرقابية على فيلم "لاشين"، إذ اعتبرته السلطات مسيئا للطبقة العليا والملك أحمد فؤاد، ومُنع من العرض، ثم أعيد للعرض بعد حذف أجزاء منه.

وتدور قصة الفيلم حول فترة حكم المماليك، وقد استعار فترة قديمة كستار لصناعة الدراما، ولكنه كان يتحدث عن الظلم الاجتماعي وأن الشعب قد يثور في النهاية على الحاكم.

تأسست شركة مصر للتمثيل والسينما عام 1925 كواحدة من شركات بنك مصر التابع لطلعت حرب

 

سينما نسائية

ومن المفارقات التي تُذكر في تاريخ السينما المصرية، أنها كانت في البداية نسائية بامتياز، وأول من مثل فيها نساء منهن عزيزة أمير وبهيجة حافظ وآسيا داغر.

وكانت عزيزة أمير أول من مثلت وتعاونت مع ستيفان روستي في أول فيلم سينمائي طويل عام 1927 حمل اسم "ليلى"، وقد أنتج زوجها هذا الفيلم. وتماشت قصة الفيلم مع الفكر القومي وقتها وأن الأجانب هم أصل الشر، وأنه يمكن لأي سيدة أو رجل أن يكون عرضة لذلك الشر.

نجح الفيلم بطريقة منقطعة النظير، وهنا قال طلعت حرب مقولته الشهيرة لعزيزة أمير: لقد قمت يا سيدتي بعمل يعجز عنه الرجال.

اختلف دور المرأة حسب الفترة، ففي فترة الثلاثينيات والأربعينيات قدمت المرأة دور المتأنقة والمدللة، ووفقا للنقاد فإن البطلة المحبوبة في الفيلم يجب أن تتمتع بأكثر من سمة وليس شرطا أن تقتصر على سمة الجمال، فمثلا عزيزة لم تكن جملية ولكنها كانت تتمتع بجاذبية، أما بهيجة حافظ فكانت جميلة ومثقفة.

أستوديو مصر افتُتح عام 1935

 

التلفون الأبيض.. سينما الطبقة الراقية

أُطلق على السينما في تلك الفترة "التلفون الأبيض"، وتعني الطبقة الراقية، فالأبيض له علاقة بالرفاهية، لكنها تحولت وتوجهت للواقعية التي رسخ لها المخرج كمال سليم.

واجهت واقعية كمال سليم "دليل السينما" (المنفستو) الذي أطلقه السينمائي المخضرم أحمد بدرخان للسينمائيين ليكون دليلا للسينمائي الناجح، وحدد فيه الأماكن المحببة للجمهور وتلك التي يجب تجنبها لعمل فيلم جيد.

تقول أستاذة السيناريو في جامعة الفنون ثناء هاشم: الأغنياء توجسوا خيفة من تفكير المواطن البسيط بأن يكون طموحا للثراء، فظهرت الأفلام الموجهة التي تتحدث عن القناعة وأن الفقر حشمة، وكيف أن الثروة هي أساس البلاء وأنها تغير النفوس.

شكلت الحرب العالمية الثانية منعطفا مهما للسينما بشكل عام وللمصرية بشكل خاص، واعتبرها المؤرخون نقلة نوعية، ومن هنا نرى كيف عالجت السينما موضوعات مصرية داخلية كالأزمة الاقتصادية التي تحدث عنها فيلم "السوق السوداء".