تقارير

الشخصية الدينية في الدراما العربية.. تصفية الإبداع تحت ذريعة المعتقدات

 

الفنان المصري هشام عبد الحميد

كي نتعرض لهذا الموضوع المهم الذي نحن -دون شك- في أمَس الحاجة لمناقشته اليوم والتعرف على أبعاده نظراً لحساسيته وما يمثله من أهمية في الوجدان العربي الجمعي، وجب علينا ونحن بصدد هذا الموضوع أن نسأل: ما معنى الفن؟

هناك تعريفات كثيرة لعلم الجمال في معنى الفن وفلسفته، منها على سبيل المثال أن الفن هو: نشاط إنساني تم الاستدلال عليه منذ عصور ما قبل التاريخ، يُنتجه مجموعة من البشر يمتلكون موهبة إبداعية وابتكارية، ولديهم القدرة على التعبير عنها بطرق عدة من الوسائط الفنية، كالأفكار والموضوعات التي تؤثر في الآخرين.

ويمكن تعريف الفن أيضا على أنه: دراسة المهارات الإبداعية لإنتاج عمل مؤثر.

وفي تعريف آخر: هو منتج إبداعي يقوم على تحفيز أفكار وحواس المتلقي لما يُطلق عليه الاستجابة الجمالية.

والفن أيضا: هو التعبير عن فكرة فردية أو فكر الجماعة بطريقة إبداعية.

رواية "أولاد حارتنا"، للكاتب الكبير نجيب محفوظ

 

الفنون بين المادية والمثالية

تأسيساً على ما سبق من تعريفات للفن، نستطيع أن نُصّنف الفنون حسب تيارين فلسفيين كبيرين هما:

– الفلسفة المادية: وهي تُقّدم الفن من منظور حركة التاريخ على أرضية الواقع وروابطه وما ينتج عنها، سواء أكانت ذات خلفية سياسية أم اجتماعية.

– الفلسفة المثالية: وهي تنطلق من المطلق كقيم ثابتة، مثل جوهر الحق والخير والجمال.

وحتى لا نطيل، نستطيع أن نقول بإيجاز: إن الفن -ما بين هاتين الفلسفتين- يناقش ويجادل وينشغل في التابوهات الثلاثة التالية: الجنس والدين والسياسة.

أذكر أن خلافا ثقافياً حاداً نشب في الستينيات حول مفهوم الفن، كانت خلفيته مستندة لمعتنقي إحدى الفلسفتين، ففي الاتجاه المثالي تمحورت فكرة "الفن للفن"، أما ضرورة أن يكون "الفن للمجتمع" فهي غالبا ذات نزعة مادية واقعية، وراح كل فريق يشحذ ويعدد حججه وبراهينه وقتها.

من هذا المنطلق نقدم الأمثلة التالية من الدراما العربية:

– فيلم "الرسالة" للمخرج مصطفى العقاد.

– مسرحية "الحسين ثائرا وشهيدا" للكاتب عبد الرحمن الشرقاوي، وإخراج كرم مطاوع.

– رواية "أولاد حارتنا"، للكاتب الكبير نجيب محفوظ.

 

فيلم الرسالة.. مخاض عسير وسطحية دينية

أراد المخرج مصطفى العقاد أن يصنع فيلماً عالمياً عن الإسلام بمفاهيمه وقيمه من تراحم وتسامح، قاصداً أن يتعرف العالم على جوهر الإسلام الحقيقي، فحزم أمره وجاء إلى القاهرة ليقيم بها أكثر من ثلاثة شهور، مجتمِعا مع قامات ثقافية وفكرية وعلمية كبيرة لتكوين سيناريو يليق بأهمية هذا العمل الضخم، وكان على رأس هذه المجموعة المنتقاة أديبنا الكبير الكاتب عبد الرحمن الشرقاوي.

أنجز مصطفى العقاد السيناريو، وأرسله إلى مؤسسة الأزهر، وجاء الرد بالموافقة، وخِتم الموافقة على كل صفحات السيناريو، ثم أرسله إلى رقابة المصنفات الفنية التي وافقت بدورها وأعطت الأختام على السيناريو نفسه.

وبدأ العقاد في تكوين فريق الممثلين، فقرر -لمتطلبات السوق العالمي- أن يُقدم نسختين من الفيلم؛ نسخة بالعربية ونسخة بالإنجليزية، فكان يتحتم عليه اختيار طاقمين للممثلين، وكان على رأس الطاقم العربي عبد الله غيث بدور حمزة عم الرسول، وكان على رأس الطاقم الأجنبي أنتوني كوين بدور حمزة أيضا.

 

الصورة حرام.. معايير دينية مزدوجة

تحمست المملكة العربية السعودية بداية الأمر لتمويل فيلم الرسالة، وكذلك الملياردير السعودي عدنان خاشقجي، كما تحمست بعض البنوك العربية، وبدأت الآمال والطموحات وردية، ولكن فجأة حدث ما لا يُحمد عقباه، فقد اعتذرت السعودية عن التمويل، وكذلك بالتبعية الملياردير عدنان خاشقجي، ومن ورائهم كل البنوك العربية، وأصبح المشروع في مهب الريح مهدداً بالتوقف إلى أمد غير معلوم.

وبالطبع سافر مصطفى العقاد إلى السعودية في محاولة منه لإنقاذ المشروع، واجتمع هناك باللجنة المنوطة بمثل هذه الأمور، وهي لجنة دينية بالدرجة الأولى، وهناك وقع الخبر كالصاعقة على مصطفى العقاد، فقد أخبروه أن الصورة بالأصل حرام، وعندما أخبرهم أن صور جلالة الملك موجودة في الصحف اليومية أخبروه أن هذا شأن آخر.

إحراج الدبلوماسية.. عقبة جديدة في المغرب

اضطر العقاد إلى أن يفكر في بدائل كي يُنقذ المشروع من شبح التوقف، فتوجه إلى المغرب عارضاً المشروع على الملك الحسن الثاني، فتفضل الرجل بنفسه ووافق عليه، وبالفعل بدأ التصوير ووضعت المغرب كل إمكاناتها المختلفة لدعم هذا العمل المهم.

ولكن دائما ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد استُدعي مصطفى العقاد فجأة إلى القصر لمقابلة الملك الحسن، وهناك أخبره الملك أن مؤتمر القمة الإسلامية سيُعقد بالمغرب، ومنعاً لأي إحراج مع دول المؤتمر -ويقصد السعودية- يجب وقف التصوير بشكل نهائي لمشروع الفيلم.

مصطفى العقاد خلال تصوير فيلم الرسالة

 

العقيد القذافي.. الملجأ الأخير

حزم العقاد أمتعته مرة أخرى وتوجه هذه المرة نحو ليبيا لمقابلة العقيد معمر القذافي، فعرض الأمر عليه بما فيه المادة المصورة التي أنجزها في المغرب، وقد راق المشروع للقذافي وأمر ببناء مدينة كاملة بالصحراء لإتمام المشروع على أكمل وأجمل وجه.

وبالفعل أُنجز الفيلم، وبدأ مصطفى العقاد حملته الترويجية بلندن أولا، وكان اسم الفيلم حينها "محمد رسول الله"، ولكن العقاد واجه اعتراضاً من الكثيرين، وهو أنه لا يصح إطلاق اسم الرسول على ملصقات ترويجية، فغير الاسم ليكون "الرسالة".

ولكن رغم كل هذا رفض الأزهر عرض فيلم الرسالة بمصر لأسباب غير معلومة حتى الآن، ولكنها في ظاهرها تتمثل في أنه لم يقبل ظهور آل البيت والصحابة والعشرة المبشرين بالجنة في أعمال درامية.

ولكن أليس الأزهر هو الذي وافق من البداية على السيناريو وأعطى أختامه عليه؟ حقا إنه لأمر يدعو إلى الحيرة والتساؤل، أين هي النصوص المقدسة التي تُحرّم ظهور آل البيت والصحابة والعشرة المبشرين بالجنة؟ وإذا لم تكن هناك نصوص فلماذا المنع ولماذا التعنت؟

 

"الحسين ثائراً وشهيداً".. منعٌ سياسي أم ديني؟

كان كاتبنا الكبير عبد الرحمن الشرقاوي قد اتفق مع المخرج كرم مطاوع على تقديم مسرحية "الحسين ثائراً وشهيداً"، وقد تم هذا في أوائل السبعينيات على المسرح القومي، واستطاع المخرج كرم مطاوع أن يدعو الجمهور لحضور البروفات النهائية للمسرحية ولمدة 15 يوماً متتالياً مجاناً بعد أن استشعر نية الأزهر منع عرض المسرحية.

وكما توقع، فطن الأزهر للأمر وقامت الدنيا ولم تقعد لوقف البروفات ناهيك عن المسرحية نفسها، وكان على رأس مؤسسة الأزهر وقتها الشيخ عبد الحليم محمود الذي رفض وبإصرار كل المقترحات التي قدمها عبد الرحمن الشرقاوي من أجل إرضاء الأزهر الشريف، وكان سبب الرفض أيضا هو السبب نفسه لرفض فيلم الرسالة.

على أية حال مُنع عرض المسرحية، واستمر موقف الأزهر في تعنته رغم محاولات الشرقاوي المستمرة، حتى لاحت في الأفق عام 1986 بارقة أمل بموافقة الأزهر مع حلول اقترحها الشرقاوي، ولكن مع الأسف جاءت الموافقة متأخرة بعد أن رحل كاتبنا الكبير عبد الرحمن الشرقاوي عن عالمنا بعد الموافقة بيوم واحد فقط.

وبعد ذلك بسنين طويلة، حاول المخرج جلال الشرقاوي تقديم المسرحية، ليصطدم بالأسباب نفسها، حيث دخل في معارك كثيرة مع مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر.

تم منع المسرحية مجددا بعد الموافقة عليها، ولكن يظل السؤال: هل حقا الأزهر يمنع هذه العروض للأسباب السالف ذكرها، أم أن هناك أسبابا أخرى؟

وذلك لأن هذا النوع من المنع تجاوزته بلاد عربية أخرى، فقد قدمت كل من قطر والأردن وسوريا وشبكة إم بي سي السعودية -بروح تنويرية وجرأة تُحسب لهم- مسلسلين هامين هما: "الحسن والحسين" و"عمر بن الخطاب"، وفيهما ظهور حي لعمر وآل البيت والصحابة، في خطوة هامة في تاريخ الدراما العربية.

لنكُن صرحاء ونقُل إن سبب منع "الحسين ثائراً وشهيداً" هو سبب سياسي بالدرجة الأولى، فالمسرحية تدافع عن الحرية وتُعلي من قيمة الكلمة الثورية ضد الطغيان والاستبداد، وهذا هو بيت القصيد.

 

"أولاد حارتنا".. بين الحقيقة والخيال

رواية "أولاد حارتنا" رواية أبدعها كاتبنا الكبير نجيب محفوظ، وقد اتهم بسببها بالكفر والزندقة وتعرض لمحاولة اغتيال فاشلة عام 1995، وقد ضجت الدنيا في منتصف الستينيات -وحتى وقتنا هذا- ظناً بأن الرواية تُجدّف بحق الله ورسله وأنبيائه.

وبالطبع فهذا تناول سطحي لأولاد حارتنا، إذ إن حقيقة الأمر هو أن نجيب محفوظ استوحى من القصص الدينية وشخصياتها ذات الهيبة لتكون بمثابة إطار فني لمضمون فكري وإنساني هام جدا، وهو فكرة العدالة والعلم أمام الاستبداد؛ هذا الصراع الأزلي بين مَن يحكم ومن يرفض الظلم ويقول لا، هو بيت القصيد عند محفوظ، لذلك لم يكن من داع لتحميل المسألة بُعدا دينيا فالدين براء من ذلك.

 

فيلم "المسيح" ومسلسل "أوان الورد".. تاريخ يكرر نفسه

يظل مسلسل الاحتقان والالتهاب الديني مستمرا. أذكر أنه في عام 1935، أُنتج فيلم مصري كبير اسمه "المسيح" عن حياة المسيح عليه السلام من بطولة أحمد علام في دور المسيح، وسميحة أيوب في دور مريم المجدلية، وإخراج محمد عبد الجواد، ويقودنا هذا المثال وغيره لمساحة كبيرة من التنوير كانت تتمتع بها الساحة الفنية سابقا.

هناك مثال آخر حديث، ففي عام 2000 أُنتِج مسلسل "أوان الورد" من بطولة كاتب هذه السطور والفنانة يسرا، وتأليف وحيد حامد، ومن إخراج سمير سيف، وعند عرضه اعترض بعض المسيحيين على حب فتاة مسيحية لشاب مسلم والزواج منه لأن هذا يُعّد بمثابة زنى، وعليه رُفعت خمس قضايا ضد العاملين بالمسلسل، هذا إضافة لحالة الجدل المجتمعي حينذاك، وقد تفضل البابا شنودة بذاته الإنسانية ودعا جميع الأطراف في الكاتدرائية كي يُهدئ النفوس، وبالفعل تم الصلح والتنازل عن القضايا وانتهت المشكلة، ولكن لم يهدأ الاحتقان والتوتر في الشعور الديني العام.

أتمنى وأحلم وأطمح إلى أن نتخلص إلى الأبد من كل العوائق التي تقف حائلا بين الانخراط في مجتمع إنساني واحد قائم على المحبة والتراحم والتسامح، وذلك من أجل حياة أفضل وفن أرقى.

ذات صلة