تقارير

الشيخ الطبلاوي.. مزمار من مزامير داود على ضفاف النيل

 

أمين حبلا 

أخيرا نطق الشيخ محمد محمود الطبلاوي هاء السكت، وتوقفت المسيرة بعد رحلة طويلة مع القرآن استمرت لأكثر من سبعين سنة، جعلته أحد أهم الأصوات القرآنية في تاريخ مصر الحديث والعالم الإسلامي.

ست وثمانون سنة كانت عمر الشيخ الطبلاوي، أما في ذاكرة القراء فالرجل من كبار الخالدين، فقد ارتبطت شهرته بالقرآن الكريم، ولم يكن له خارج هذا الحقل القدسي النبيل أي ذكر ولا اهتم بغيره، فطوال ستين سنة شنف هذا الشيخ الكريم آذان ملايين العرب والمسلمين بتلاوته العطرة وقراءته المؤثرة، وشغل فيها منصب نقيب محفظي وقراء القرآن في أرض الكنانة، وفي تلك الستين الناضرة، انساب صوت الشيخ الراحل في شرايين العالم الإسلامي.

 

رؤيا جنين يتلو القرآن.. ميلاد حافظ الصعيد

ولد الشيخ محمد محمود الطبلاوي يوم 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1934 بحي "ميت عقبة" التابع لمحافظة الجيزة، بيد أن أصوله تعود إلى قرية "صفط جدام" التابعة لمركز "تلا" بمحافظة المنوفية، وككل أبناء الصعيد كان القرآن رفيقه الأول والمشرب العذب الذي يكرع فيه الصبيان أول ما يباشرون أنسام الحياة.

رأت أم الطبلاوي في منامها وهي حامل أن جنينها يتلو القرآن الكريم، وهو ما فسره شيوخ القرية بأنها ستكون على موعد مع صوت من أصوات الكتاب الكريم وابن من خيرة الحفاظ، ومع سنواته الأولى بدأت رحلته مع القرآن الكريم، وكان والده -رغم أنه لم يكن من الأثرياء- حريصا على دفع أجرة شهرية كاملة لمدرس ابنه محمد، بينما كان بقية الناس يدفعون مبلغا أقل من ذلك.

أكمل الطبلاوي حفظ القرآن الكريم وهو ابن تسع سنين واستكمل تجويده في السنة الموالية، ثم بدأ حضوره القرآني النبيل في حدود القرية ومناسباتها الدينية وهو في ربيعه الثاني عشر، وكانت أول مكافأة مالية يأخذها هي خمسة قروش أهداها له عمدة القرية مقابل قراءته في بيته وهو يومها طفل صغير دون الثانية عشرة من عمره.

تلاحقت السنوات بسرعة وأصبحت شهرته عابرة للصعيد، ليكون القارئ المفضل في المناسبات العامة ولدى الأسر الكبيرة، ثم اشتغل في أعوام شبيبته الأولى بالإنشاد الديني الذي كان رائجا في سوق الصعيد المصري، ويؤكد الباحث المصري عصام تليمة أن الطبلاوي أنجز أكثر من 11 شريط إنشاد ديني، لكنها مغمورة في بحر شهرته القرآنية الواسعة.

 

إصرار على النجاح.. ربع ساعة صنع الشهرة

خاض الشيخ الطبلاوي رحمه الله معركة النجاح بكل صمود، وطوال تسع سنوات متراكمة كانت لجان المصحف والترتيل في الإذاعة المصرية ترفض إجازته كقارئ ينبغي أن يستمع له أهل الكنانة وينطلق أثيره إلى العالم عبر إذاعة صوت العرب.

وكانت مآخذ تلك اللجان على الشيخ الطبلاوي منحصرة في كونه غير قادر على الانتقال من مقام موسيقي إلى آخر، وفي المرة العاشرة استطاع الرجل أن يقتحم العقبة ويتجاوز الاختبار، فانفتحت أمامه أبواب الشهرة الواسعة، شهرة مرتبطة بالقرآن الكريم وحده.

يوصف الطبلاوي بأنه القارئ العظيم الذي حصل على شهرته في ربع الساعة الأولى من أول قراءة له على الإذاعة المصرية، حيث استقر منذ تلك الدقائق الأولى في ضمير ووجدان الشعب المصري الذي اكتشف فيه لأول وهلة صوتا سماويا يحبر القرآن الكريم تحبيرا.

نقيب قراء مصر.. تكريمات محلية ودولية

درس الشيخ الطبلاوي على عدد من كبار القراء في مصر مثل الشيخ عبد الفتاح القاضي والشيخ زرق خليل حبه، والشيخ أحمد مرعي وغيرهم، ثم واصل مسيرته في تعليم القرآن وتحفيظه وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، ممتازا بين القراء بقوة النبرة وصفاء الصوت، والحرص الدائم على التدريب والتجويد في التلاوة.

نال الشيخ الطبلاوي الاحتفاء الشعبي داخل مصر، والتكريم الرسمي والنخبوي خارجها، أما مصر الرسمية فقد نعته بعد رحيله، لكنه لم يكن موضع تكريم طوال العقود الستة التي قضاها نقيبا لقراء مصر.

وقد شارك الشيخ الراحل في تحكيم مسابقات دولية في حفظة القرآن من كل دول العالم، وحصل على أوسمة تكريمية خارجية أحدها من لبنان تقديرا لجهوده في خدمة كتاب رب العالمين.

 

آخر سلاطين التلاوة.. تقسيم الإرث القرآني

تواترت رسائل النعي والإشادة على ضريح الطبلاوي بعد رحيله يوم الثلاثاء 12 رمضان 1441، ووصفه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بأنه "علامة بارزة في تاريخ الترتيل والتلاوة الحديث". ووصفوه ناعون آخرون بأنه "آخر عمالقة القرآن الكريم في الأمة الإسلامية".

رحل الشيخ الجليل وبقي صداه الطيب بين الناس وفي نفوسهم غصة وفي قلوبهم حزن أن لم يجدوا فرصة للصلاة عليه وتوديعه إلى مثواه الأخير، ومع رحيله بدأ آلاف المصريين تصفح ذكرياتهم مع ذلك الصوت القدسي الذي رافقهم طيلة ستين سنة، وأخذ منهم دائرة اهتمام كبيرة وخصوصا في شهر رمضان المبارك.

غادر الشيخ الطبلاوي منزله في حي العجوزة بالقاهرة إلى مقابر أسرته في البساتين، تاركا وراءه ذاكرة عاطرة بالتلاوة والترتيل، وأسرة تتكون من ثمانية أبناء وخمس بنات، وقد تخصص أحد أبنائه في التلاوة والترتيل، كما تميزت حفيدته آية الطبلاوي بالإنشاد الديني الذي بدأه جدها وهو فتى في قرى الصعيد.

وبرحيل الطبلاوي يرحل نغم سماوي انساب في أمواج الأثير طيلة ستين سنة، وكان أحد أعمدة مصر الخالدة، ومزمارا نديا من مزامير آل داود الصادحة بكتاب الله.

ذات صلة