تقارير

الضرائب على عمالقة الإنترنت.. هل آن الأوان؟

مراد بابعا

مؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس: لا أستحق الثروة التي أمتلكها، فقد جمعتُها بمساعدة التوقيت المناسب وضربات الحظ

"لا أستحق الثروة التي أمتلكها، فقد جمعتُها بمساعدة التوقيت المناسب وضربات الحظ، وأعتقد أن البرمجيات كانت مجالاً نافعاً، لكنني استفدت كذلك من النظام".

الكلام السالف لمؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس الذي فاجأ الجميع بتعليقه على موضوع الضريبة المفروضة على شركات التكنولوجيا والإنترنت، مطالبا بتعديل التشريعات من أجل حث هذه الشركات على دفع مزيد من الضرائب، وتغريم تلك التي تخالف القوانين بأقصى العقوبات المالية الممكنة.

أكد غيتس أيضا أنه دفع نحو 10 مليارات دولار للضرائب، لكنه يشعر أن ذلك غير كاف مقابل الثروة التي راكمها من خلال شركة مايكروسفت للبرمجيات، وذلك حسب تقرير نشرته صحيفة ديلي ميرور البريطانية.

هذه التصريحات التي أدلى بها مؤسس إحدى أكبر شركات التكنولوجية على مر التاريخ لم تمر مرور الكرام، إذ شجعت دولا على تعديل تشريعاتها من أجل إجبار شركات الإنترنت على دفع ضرائب أكثر على الأرباح التي تجنيها من وراء أنشطتها داخل أراضيها.

فرنسا من أكثر الدول تصميما على التحرك ضد عمالقة الإنترنت خصوصا تلك المعروفة اختصارا بـ"غافا" (والحروف ترمز بالترتيب إلى: غوغل وأمازون وفيسبوك وآبل)، وهو تحرك مستوحى من مشروع أوروبي لم يفض بعد إلى نتيجة، بسبب تحفظ أربع دول في الاتحاد الأوروبي هي إيرلندا والسويد والدانمارك وفنلندا.

في المقابل تعتبر الولايات المتحدة -حيث توجد مقرات هذه الشركات المتعددة الجنسيات- فرض ضريبة إضافية إجراءً "تمييزياً للغاية" ودعت إلى التخلي عنها.

فلماذا تقود فرنسا هذا التحرك ضد "غافا"؟ وهل تؤدي فعلا هذه الشركات الرقمية العملاقة ضرائب أقل من الشركات الأخرى؟ وما هي حقيقة الاتهامات التي تلاحقها بالتهرب الضريبي؟

 

فرنسا زعيمة الحملة

فرنسا أصبحت الآن على بعد خطوة واحدة من إقرار مشروع قانون الضرائب على الشركات الرقمية الكبرى، وقد اعتُمد المشروع في لجان مجلس النواب، وسيجري إقراره قريبا في المجلس.

وقد أكد وزير المالية والاقتصاد الفرنسي برونو لومير تصميم فرنسا على المضي في الإجراء من أجل إضفاء مزيد من العدالة والفعالية على نظام فرنسا الضريبي، وذلك على الرغم من أن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو حث باريس على عدم الموافقة على هذه الضريبة التي ستؤثر سلباً –حسب تعبيره-  على شركات التكنولوجيا الأميركية الكبيرة والمواطنين الفرنسيين الذين يستخدمونها.

وتعتزم فرنسا فرض ضرائب على أرباح نحو 30 شركة عملاقة تعتمد على الإنترنت بشكل رئيسي في نشاطها مثل غوغل وأمازون وفيسبوك وآبل. ويتوقع أن تتراوح نسبة الضريبة الجديدة ما بين 3 و5% على الأرباح المحققة في فرنسا، مما سيدر على ميزانية الدولة إيرادات تقدر بنحو 500 مليون يورو (570 مليون دولار).

وتبرر فرنسا لجوءها لهذا الإجراء بأن معدل الضريبة الحالية على الشركات الرقمية في أوروبا يبلغ 9%، فيما تدفع الشركات في قطاعات أخرى ضريبة نسبتها 23%.

وبالإضافة إلى فرنسا، قررت النمسا أيضا فرض ضرائب على عمالقة الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية في العالم، وتنتظر فقط موافقة البرلمان عليه، وستصل النسبة التي تريد النمسا فرضها إلى 5%، أي أعلى من المقترح الفرنسي.

وتشمل بحسب الحكومة النمساوية الشركات الرقمية التي تبلغ عائداتها السنوية العالمية 750 مليون يورو، وعائدات إعلاناتها في النمسا 25 مليون يورو على الأقل.

وفي بريطانيا، أعلن وزير الخزانة البريطاني فيليب هاموند شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، عن فرض "ضريبة جديدة" على عمالقة المنصات الإلكترونية اعتباراً من أبريل/نيسان 2020.   

واقترحت بريطانيا نسبة أقل من فرنسا، حُددت بـ2% من أرباح منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث والأسواق الإلكترونية التي تجنيها من مستخدمين بريطانيين.      

فرنسا من أكثر الدول تصميما على التحرك ضد عمالقة الإنترنت (غوغل وأمازون وفيسبوك وآبل)

ضرائب لا تحظى بالإجماع

أغلب الدول الأوروبية أجمعت إذن على أن المنصات الإلكترونية التي تجني أرباحها من الإنترنت تؤدي ضرائب أقل من الشركات الأخرى، ولكن لماذا فشلت هذه الدول في التحرك بشكل جماعي من أجل فرض ضريبة موحدة وعادلة تنهي هذا الحيف المفترض؟

الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي يرجعه بعض المتتبعين إلى الخوف من انتقام الولايات المتحدة الأمريكية، مما قد يؤجل تطبيق أي ضريبة إضافية إلى أن يتم التوصل لاتفاق عالمي، بالتوازي مع دراسة هذا الموضوع من قبل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تسعى إلى اتباع نهج متعدد الأطراف.

كما أن ألمانيا أيضا لم تكن راضية على هذه الضريبة رغم أنها كانت في السابق من أشد المؤيدين لها، وذلك خشية تعرض صناعتها للسيارات لردود انتقامية من الأميركيين.

أما الدول المعارضة -إيرلندا والسويد والدانمارك وفنلندا- فانتهجت خلال السنوات الأخيرة سياسة لاستقطاب شركات التكنولوجيا إلى أراضيها بمنحها امتيازات ضريبية، مما ساهم بشكل كبير في تطوير اقتصاد هذه الدول، وتخشى أن يؤثر قرار الزيادة في الضرائب على أنشطة هذه الشركات.  

والأكثر من ذلك أن إيرلندا مثلا أصبحت مقرا أوروبيا مفضلا للعديد من شركات الإنترنت العملاقة بفضل امتيازات نظامها الضريبي، وتحتضن مدينة دبلن المقر الأوروبي الرئيسي لشركات أمريكية عملاقة على رأسها فيسبوك وغوغل وآبل.

ويرى متتبعون للشأن الاقتصادي أنه يصعب إجبار شركات الإنترنت العملاقة على دفع ضرائب في كل مكان تعمل فيه، لكن الدول المدافعة عن الضريبة تعتبر أن هذا لا يعني أن تكون هذه الشركات قادرة على التنصل من دفع أي شيء على الإطلاق.

أكد وزير المالية والاقتصاد الفرنسي برونو لومير تصميم فرنسا على المضي في قرار مشروع قانون الضرائب على الشركات الرقمية الكبر من أجل إضفاء مزيد من العدالة والفعالية

أرباح "غافا"

حققت أغلب شركات الإنترنت الكبرى أرباحا خيالية في السنوات الأخيرة مستفيدة من فورة مواقع التواصل الاجتماعي وما رافق ذلك من إقبال غير مسبوق على الإعلانات على المنصات الرقمية.

فشركة "ألفابت" مالكة غوغل حققت إيرادات قدرت بـ137 مليار دولار في عام 2018، بزيادة نسبتها 23% عما حققته في 2017. وحصلت الشركة على نحو 80% من هذه العائدات من خلال الإعلانات عبر الإنترنت.

وبدورها شهدت شركة أمازون نموا مهما خلال العام الماضي تجاوز معها رقم معاملاتها 230 مليار دولار أمريكي بعد تسجيل نحو 178 مليار دولار سنة 2017. وفاق صافي الدخل السنوي للشركة المتخصصة في التسويق الإلكتروني 11 مليار دولار.

أما فيسبوك ورغم الفضائح التي هزت الشركة في 2018 فقد حققت أعلى أرباح في تاريخها تجاوزت 22 مليار دولار بفضل إيرادات الإعلانات التي شكلت 93% من هذا الرقم، ويربح عملاق التواصل الاجتماعي 7.37 دولارات من كل متصفح للموقع الأزرق كل ثلاثة أشهر.

آبل من جهتها حققت رقم معاملات بأزيد من 265 مليار دولار، وأرباح قاربت 60 مليار دولار بنمو تجاوز 23% مقارنة بـ2017. كما أن الشركة الأمريكية للتكنولوجيا أًصبحت في 2018 أول شركة عامة في العالم تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار.

شركة "ألفابت" مالكة غوغل حققت إيرادات قدرت بـ137 مليار دولار في عام 2018، بزيادة نسبتها 23% عما حققته في 2017

اتهامات بالتهرب الضريبي

تؤكد غوغل وشركتها الأم "ألفابت" دائما التزامها بأداء الغالبية العظمى من ضرائبها في بلدها الأصلي وفي كل بلد تعمل فيه، لكن اتهامات بالتهرب الضريبي ظلت تلاحقها، وكشفت وثائق مقدمة إلى غرفة التجارة الهولندية أن غوغل تستعمل التمويه من أجل خفض فاتورة ضرائبها بالخارج، وقامت عام 2017 بنقل أكثر من 22 مليار دولار عبر شركة هولندية إلى جزيرة برمودا التي تعتبر إحدى الملاذات الضريبية حيث لا تكاد فيها الشركات تدفع شيئا.

كما كشفت صحيفة "واشنطن بوست" مؤخرا عن كيفية قيام شركات التكنولوجيا بعقد الصفقات مع الحكومات المحلية، وسلطت الضوء على غوغل وقالت بأن الشركة استخدمت عددا من المؤسسات الوهمية التابعة لها من أجل إخفاء مشاركتها في خطط التوسع بخمس مدن على الأقل، وهو ما أسفر عن إعفاءات ضريبية تقدر قيمتها بملايين الدولارات.

أما أمازون، ورغم الأرباح الخيالة التي تحققها، فإنها لم تدفع أي ضرائب فدرالية تذكر للحكومة الأمريكية حسب تقرير لمعهد سياسات الضرائب والاقتصاد الأمريكي، مستفيدة من العديد من الثغرات الإعفاءات الضريبية، وذلك على الرغم من أن الشركة -التي يملكها الرجل الأغنى على الكوكب- صرحت بأنها تدفع جميع الضرائب التي يتعين عليها دفعها في الولايات المتحدة وكل دولة تعمل فيها، وكشفت عن مصاريف ضريبية قدرت بـ3.4 مليارات دولار على مدار السنوات الثلاث الماضية.

واتُّهم فيسبوك بدوره من قبل الحكومة الأمريكية منذ 2016 بالتهرب من دفع الضرائب، وذلك عبر زيادة الأرباح الخاضعة للضريبة في إيرلندا حيث يوجد مقره الأوروبي، والتي لديها معدل ضريبة على الشركات بنسبة 12.5% فقط، والإفلات من معدل 35% المفروضة في الولايات المتحدة.

ووُجهت التهمة نفسها إلى آبل بنقل أرباحها لشركات وسيطة فى إيرلندا، لكن الشركة الأمريكية صرحت بأنه دفعت السنة الماضية ضرائب بقيمة 38 مليار دولار على أرباحها خارج الولايات المتحدة الأمريكية، كما التزمت بأنها ستساهم "مباشرة في الاقتصاد الأمريكي" بأكثر من 350 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة.

المغرب عبّر بشكل رسمي عن رغبته بفرض ضرائب على عدد من الشركات الرقمية الكبرى

دول عربية.. على الطريق

تتردد أغلب الدول العربية في فرض ضريبة على عمالقة الإنترنت، بسبب تخوفات من ردود انتقامية محتملة للولايات المتحدة أو من الشركات نفسها التي أصبحت تقدم خدمات أساسية لا تستطيع أي دولة الاستغناء عنها.

فالمغرب مثلا عبّر بشكل رسمي عن رغبته بفرض ضرائب على عدد من الشركات الرقمية الكبرى. وتسعى الحكومة المغربية بالأساس إلى إخضاع شركتي غوغل وفيسبوك الأمريكيتين للضريبة، علما بأنهما تستحوذان لوحدهما على حوالي 70% من الإعلانات عبر الإنترنت، ولا تؤديان أي ضرائب رغم الأرباح الطائلة اللتين تجنيانها من المعلنين المغاربة، بحكم أنهما لا تتوفران على مقرات لهما في المغرب.

وبما أن أرباح هذه الشركات الرقمية تأتي عبر الإعلانات، فهي تكون أساسا على حساب المواقع الإلكترونية المحلية والصحف التي تفقد سنوات مصادر تمويلها بسبب صعوبة منافسة منصات التواصل الاجتماعي ومواقع البحث العملاقة في سوق الإشهار.

وهذا ما دفع أيضا مجلس النواب المصري السنة الماضية إلى سن قانون جديد لفرض ضرائب محددة على المواقع الأمريكية بالخصوص والتي تحقق أرباحا من خلال إعلانات مصدرها السوق المصري، واشترطت الحصول على موافقة من المجلس الأعلى للإعلام في مصر قبل التعامل مع هذه الشركات.

ولم يقتصر الأمر على الدول العربية، ففكرة فرض الضريبة على عمالقة الإنترنت من أجل المساهمة في تمويل الصحافة، تبناها العام الماضي أكثر من مئة من كبار المراسلين ورؤساء تحرير وسائل إعلام في الاتحاد الأوروبي من بينها الصحف الفرنسية "لوموند" و"لوفيغارو" والبلجيكية "لا ليبر بلجيك" والألمانية "تاغيسشبيغل".

فقد وقع هؤلاء على بيان طالبوا فيه النواب الأوروبيين بفرض رسوم تُلزم المجموعات الكبرى على الإنترنت بأداء الضرائب لضمان المنافسة الشريفة في سوق الإعلانات، والمساهمة بشكل جزئي في تمويل الصحافة.