تقارير

"طه عبد الرحمن".. ابن الصوفية وفيلسوف المغرب وخليفة الغزالي

 

أمين حبلا

في طريقه إلى الثمانين من عمره، وعلى قرب أربع سنوات من الإمساك بحلقتها التي أحوجت كثيرا من الحكماء من قبل إلى ترجمان، يقف المفكر والفيلسوف المغربي على شرفات الأيام، وهو يرمق مسيرته الفكرية التي تناهز في تراثها المكتبي حوالي ثلاثين كتابا، وآلاف الدروس والمحاضرات والنقاشات التي تمحورت كثير من مفاصلها حول فلسفة ومفاهيم الأخلاق، مركّزا على بناء تصوفي للأخلاق.

ليس طه عبد الرحمن مجرد اسم عابر في الفلسفة المغربية المعاصرة التي تمد جذروها بكل اقتدار في تراث الفلسفة الأندلسية، قبل أن تتمحور بشكل كبير حول التراث والأداء الفلسفي الغربي، وخصوصا الفرنسي الذي يمثل موردا لغويا وفكريا مهما لكثير من رجال النخبة المغربية والمغاربية عموما.

طه ليس ذلك الرجل، بل هو مؤسس لتراث ومفاهيم ومنطلقات فكرية لا تتمحور بالأساس حول الغرب، ولعل هذا هو سر تميزه عن كثير من المفكرين والفلاسفة المغاربة والعرب بشكل عام.

أعاد طه عبد الرحمن اكتشاف الإسلام من جديد، ولكن من خلال نسقه القيمي الناظم، ومن خلال أخلاقه التي رأى فيها إطارا فلسفيا عميقا حريا بكثير من التناول والدرس والتحليل في مستوياته المتعددة، سواء تعلق الأمر بالمفاهيم والقضايا، أو بالناتج الاجتماعي لفلسفة الأخلاق في التراث الإسلامي بين المسلمين. وقد أنتجت الجزيرة الوثائقية عن هذا المفكر فيلما بعنوان "طه عبد الرحمن.. الفيلسوف المجدد".

 

فتى الجديدة.. رحلة الصبي الصوفي إلى الدكتوراه في السوربون

في منتصف العام 1944 ولد طه عبد الرحمن بمدينة الجديدة في المملكة المغربية، ونشأ في بيت منغرس الجذور في التصوف والمعارف الإسلامية، فقد كانت الأذكار والتراتيل بخور ذلك البيت وريحانه، وفي الجديدة درس طه عبد الرحمن المرحلة الابتدائية بالتزامن مع تأسيس معارفه الدينية وقيمه الروحية الابتدائية، قبل أن ينتقل إلى مدينة الدار البيضاء لإكمال دراسته الإعدادية والثانوية.

أخذت الفلسفة بقلب طه عبد الرحمن بقوة وعمق، ونادته معارفها: يا طه خذ الكتاب بقوة، فانكب عليها أخذا ودرسا، واستنباطا وتأسيسا.

وفي جامعة محمد الخامس بالرباط حصل طه عبد الرحمن على إجازة في شعبة الفلسفة، قبل أن ينتقل إلى فرنسا ليكمل دراساته العليا. وتعتبر فرنسا إلى اليوم مهدا أساسيا للفلسفة، ويظل يوم الفلسفة حدثا مهما في مسارات التعليم الفرنسي، يهتم به الآباء والشارع العام والإعلام مثلما تهتم به المؤسسات التعليمة ومراكز البحث وأقلام الفلاسفة والمؤلفين.

وقد ضاعف عبد الرحمن في جامعة السوربون قدراته المعرفية، وحصل على إجازة ثانية في الفلسفة، ثم حصل على دكتوراه السلك الثالث عام 1972 في موضوع اللغة والفلسفة، مقدما في بابها أطروحته التأسيسية "رسالة في البنيات اللغوية لمبحث الوجود".

ألزمته دراسة البنيات اللغوية في المباحث الفلسفية بالأخذ من المصادر المباشرة، فأتقن إلى جانب لغته الأم (العربية)، الفرنسية التي كانت ولا تزال المهاد التكويني لكثير من النخب المغربية، وأضاف إلى تلك اللغتين الإسبانية والألمانية والإنجليزية واليونانية القديمة.

 

تاج المنطق وعرش الفلسفة.. دواة التأليف

تولى الدكتور طه عبد الرحمن تدريس المنطق وفلسفة اللغة، منذ عودته إلى المغرب في السنة الموالية لحصوله على دكتوراه السلك الثالث، وواصل طريقه المعرفي بشغف علمي وإتقان وأمانة صوفية، قبل أن يعيد الكرة مرة أخرى بحصوله على دكتوراه الفلسفة سنة 1985 بأطروحة تحت عنوان "رسالة في الاستدلال الحجاجي وطبيعته ونماذجه".

وقد مثل النموذج الحجاجي وطرق تأسيسه وتسويغه معرفيا شغلا أساسيا من مشاغل طه عبد الرحمن الذي نال عضوية جمعيات أكاديمية متعددة للحجاج، من بينها على سبيل المثال الجمعية العالمية للدراسات الحجاجية والمركز الأوروبي للحجاج، زيادة على تأسيسه ورئاسته لمنتدى الحكمة للمفكرين والباحثين بالمغرب.

لا يزال قلم الدكتور عبد الرحمن طه سيالا مبدعا، وقد تجاوزت مؤلفاته إلى حد الآن 27 كتابا، إضافة إلى أعمال جامعية وبحثية متعددة كانت كتبه وآراؤه مشغلا لها. وتتنوع مكتبة مؤلفاته قبل أن تلتقي حول أصلها الفكري الذي هو فلسفة الأخلاق وفلسفة اللغة، ومن بين هذه الكتب على سبيل المثال لا الحصر:

–       ثغور المرابطة.. مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية.

–       اللغة والفلسفة.. رسالة في البنيات اللغوية لمبحث الوجود (بالفرنسية).

–       المنطق والنحو الصوري.

–       العمل الديني وتجديد العقل.

–       روح الحداثة.. المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية.

–       تجديد المنهج في تقويم التراث.

–       سؤال العمل.. بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم.

–       سؤال المنهج.. في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد.

–       روح الدين من ضيق العَلمانية إلى سعة الائتمانية.

–       سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية.

الدكتور طه عبد الرحمن يدرّس المنطق وفلسفة اللغة

 

خصوصيات الحضارة.. تحرير الفكر العربي من الفلسفة الغربية

خلال مسيرته الفكرية والتأليفية المستمرة منذ عقود، انتقل طه عبد الرحمن من وعثاء البحث الفلسفي وتغير مسالكه ودروبه المتموجة إلى أرض أكثر ثباتا واستقرارا، وهي أرض القيم والأخلاق الإسلامية. ومع منتصف الثمانينيات كان ابن الجديدة والدار البيضاء قد أسس مشروعه الفكري والفلسفي الذي استندت قوائمه على قطع الصلة بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية، وبين الفلسفة والحداثة.

يؤمن طه عبد الرحمن في تراثه ومشروعه الفلسفي بأن لكل حضارة خصوصيتها الفلسفية وتراثها الفكري، وبالضرورة أيضا حقولها المعرفية والمفاهيمية، ولذلك فقد عمل على قطع الجذور التي تربط بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية، مجففا بذلك موارد الاستمداد وموجها العقل الفلسفي العربي والإسلامي إلى قضاياه الأكثر أهمية، بالنسبة له.

ويؤطر طه عبد الرحمن فلسفته الجديدة التي عبرت عنها مؤلفاته ودروسه ومحاضراته في المغرب وخارجه، عبر مسارات التحليل المنطقي الذي يعلي من قيمة العقل، بعد أن يدمجه في مسار تكاملي مع التشقيق اللغوي الذي يمكن من بناء وتأسيس الحقول المفاهيمية، ويؤدي مختلف الوظائف التي تسعى فلسفة الأخلاق إلى تفعليها، بينما يقوم الركن الثالث من هذه الرؤية على النفحة الصوفية المتأسسة على التراث الإسلامي العميق، وخصوصا التراث الأقرب إلى المورد الأصيل للإسلام، وهو القرآن وسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

ولقد كان التصوف جزءا أساسيا من فلسفة وحياة عبد الرحمن طه الذي أبصر النور المعرفي العميق من خلال الأذكار والأوراد التي كان يؤديها عبر حلقات الطريقة البودشيشية التي طالما نافح عنها عبد الرحمن ورأت فيه ابنا بارا، قبل أن ترى في كتابه "ثغور المرابطة" ثغرات واسعة في الحيدة عن منهجها الذي لا يواجه الأنظمة ولا يغوص في السياسة.

تقوم فلسفة طه عبد الرحمن على الصوفية المتأسسة على التراث الإسلامي كأحد أركان ثلاثة

 

"الأخلاق هي الحل".. عوامل انهيار الفكر الغربي

يرى طه عبد الرحمن أن الفكر النظري والعمل الأخلاقي ليسا إلا وجهين لعملة واحد، وأن التكامل بينها هو الأصل، وأن انهيار الفكر الغربي في الفلسفة والدين والسياسة، لم يأت إلا بوابة لإلغاء الشق العملي للأخلاق، فقد ظل التناول الفلسفي في الغرب يحوم حول بنية فوقية للأخلاق لا تأثير لها في تطبيقات الحياة وتعامل الناس فيما بينهم، ولا تؤسس لواقع مطلوب ولا تغير واقعا كائنا.

ولتأسيس بنية عميقة للأخلاق في الفكرة الفلسفية الإسلامية المعاصرة، حمل طه عبد الرحمن شعار "الأخلاق هي الحل"، ورأى في بعض كتبه أن الأخلاق هي روح الدين، وأنها بالأساس هي العمل التزكوي الذي يحقق مراد الشريعة الإسلامية ويروي شغف الفلسفة بحقل قيم إنسانية عميق في مجالاته المتعددة، وفي مفاهيمه ذات الأساس المعرفي والمنطقي العميق، وفي القابلية التداولية المنهجية والتكاملية مع مختلف أنساق المعرفة الإسلامية.

حقول المفاهيم.. ثورة المصطلح الجديد

طالب طه عبد الرحمن بنظر جديد يعيد تشكيل كل المفاهيم الواردة إلينا من مختلف الفلسفات الغربية، فهو يريد من العقل الإسلامي المعاصر أن يبتدع مصطلحاته المستولدة من ثقافته، ويرى ذلك شرطا أساسيا للعبور إلى مطلوبات النظر الفلسفي ومرغوبات التصوف الإسلامي.

ولأن المفاهيم هي الصراط الأهم نحو المعرفة، فقد أولى طه عبد الرحمن الحقل المعجمي والمفاهيمي في الفلسفة اهتماما خاصا، مقدما في أغلب كتبه مصطلحات جديدة، ومشاغل فلسفية متعددة.

وقد أسعف العمق المعرفي اللغوي والتمكن من ناصية فقه وفلسفة اللغة طه عبد الرحمن ومكنه من أن يبدع ويحلق في البناء المفاهيمي، وأن يؤسسه على مجموعة من الأيقونات المصطلحية التي تنتظم حولها كثير من المفاهيم الدائرة في فلكها والمنظمة لأجزائها.

27 كتابا وضعها طه عبد الرحمن جلها في الفلسفة

 

"العمل الديني وتجديد العقل".. مكامن الخلل في الصحوة الإسلامية

لم يغب نقد الخواء أو الفقر العقلاني في الثقافة والأداء الإسلامي المعاصر عن مداد طه عبد الرحمن، فقد لاحظ أن ما يسميه اليقظة الدينية أو العقدية التي تنسمت الواقع والتوجهات الإسلامية خلال عقود ما بعد السبعينيات، لم تتأسس على "سند فكري محرر على شروط المناهج العقلية والمعايير العلمية المستجدة، فلا نكاد نظفر عند أهلها لا بتأطير منهجي محكم، ولا بتنظير علمي منتج، ولا بتبصير فلسفي مؤسس"، وفق ما أودعه كتابه "العمل الديني وتجديد العقل".

ورغم مركزية التأسيس العقلي عند طه عبد الرحمن فإنه يرفض أن يجعله كيانا مستقلا، بل يرى أنه هو أساس فاعلية الإنسان، ولأن هذا الإنسان متكامل كان لزاما عند طه عبد الرحمن الربط بين الفاعلية النظرية المجردة التي يمثلها العقل، وبين الشعور الذاتي الذي يوقده الإحساس القلبي، قبل أن يظهر كل ذلك ويتأسس واقعيا عبر ما يسميه بالعمل أو التطبيق.

وفي مسارات طه عبد الرحمن يتدرج البناء الفلسفي من تحرير العقل والفلسفة الإسلامية من نير الاستمداد من الغرب، أو الغرق في مفاهيمه الفلسفية، إلى بناء نظرية فلسفية لا تكتفي فقط بتحرير العقل الخاص بالثقافة الإسلامية، بل تمتد إلى بناء أسوار حماية وقدرات عقلانية للتصدي للتحديات الأخلاقية التي تواجه الحضارة الإسلامية بل والإنسانية بشكل عام، خصوصا بعد أن أخفقت الفلسفات الأخلاقية غير الإسلامية أو غير الدينية أصلا في التصدي لها.

تمكن طه عبد الرحمن من فقه وفلسفة اللغة جعله يبدع في وضع بناء مفاهيمي للفلسفة الإسلامية

 

سياسة برائحة التصوف.. فلسفة الهروب من الواقع

على محمل الانتقاد يقدم المفكر الإسلامي المعروف محمد المختار الشنقيطي الإمام أبا حامد الغزالي والمفكر طه عبد الرحمن مثالين لاستقالة الفكر أيام المحنة وأيام عمق الحاجة إلى أن تقود النخبة العلمية والفكرية حراك الأمة، وترفع صوتها ولواءها.

ويرى الشنقيطي -وهو أستاذ للأخلاق السياسية بجامعة حمَد بن خليفة في قطر- أن عبد الرحمن غارق في التنظير لمذهب معاصر في التصوف السياسي، يهرب من الواقع بدل مواجهته، ويتجاهل الطبيعة التدافعية للسياسة، مع إغراب في الاصطلاح وترف نظري ينتهي بتسويغ الأمر الواقع في نهاية المطاف.

ويعتقد أن نقطة الضعف الأساسية في نظرية طه عبد الرحمن السياسية هي أنه يتجاهل مبدأ المدافعة الذي هو العاصم من الفساد بنص القرآن الكريم: {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض} (سورة البقرة، الآية 251)، ويصوغ -عوضا عنه- مبدأ غريبا سماه "الإزعاج الروحي"، وهو إزعاج يحلم صاحبه أن يغير الواقع السياسي بعيدا عن التدافع العسكري الذي يدعوه "العمل الاضطرابي"، وبعيدا عن التدافع المدني الذي يدعوه "العمل الانتخابي" (روح الدين، 309)، ويسلك مسلك التوسل الذي ينتهي تسولا في نهاية المطاف، فـ"الإزعاج توسُّل بالوجدان" (طه عبد الرحمن، روح الدين، 289)" وفق ما يرى الشنقيطي.

ولا يفتأ الشنقيطي في حديثه عن طه عبد الرحمن يربط بين الرجل وبين الإمام أبي حامد الغزالي، فيرى في عزلة الغزالي في الجامع الأموي أيام دخول الصليبيين للقدس مثالا يحييه عبد الرحمن طه بعزلته الروحية وحياده في صراع أزمة الحاكم والمحكوم في العالم الإسلامي اليوم.

تحاكي عزلة المفكر طه عبد الرحمن لأزمة الحاكم والمحكوم عزلة الغزالي في الجامع الأموي أيام دخول الصليبيين للقدس

 

جهاد الأقلام والنفوس والأموال.. نموذج الأمة الشجاعة

لئن كان الشنقيطي قد انتقد بعض أسس نظرية طه عبد الرحمن ومعالمها، فإنه قد وجد من ينبري للدفاع عنه ويحتفي به وبمشروعه الفكري ونظريته السياسية، ومن هؤلاء الكاتب عبد القدوس الهاشمي الذي يرى أن "من يريد من طه كل شيء فقد ظلمه". مضيفا أنه "فيلسوف ومنطقي بارع صناعته التأصيل والتأطير للمفاهيم، ويحسن ترتيب وبناء حججه ببناء منطقي محكم".

ويستشهد الهاشمي على سبيل المثال ببعض النصوص التي كتبها عبد الرحمن لتوجيه بعض معالم مشروعه الفكري من بينها قوله: أما أبناء الأمة المؤمنة المجاهدة فلا تستعبدهم عوائق ولا عقبات؛ فهم يجاهدون عوائق الباطل والظلم كما يجاهدون عقبات الحق والعدل، ويجاهدون نفوسهم وأهواءهم طالبين تغيير أحوالهم، كما يجاهدون أعداء أمتهم وضلالاتهم. ويجاهدون الأصدقاء كما يجاهدون الأعداء، آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، ويجاهدون بألسنتهم وأقلامهم كما يجاهدون بأنفسهم وأموالهم، ويجاهدون بكتب منزلة وفي سبيل من أنزلها، كما يجاهدون بسير نبوية وفي سبيل من جاء بها.

ومن النصوص ذات الدلالة الواضحة فيما يتعلق بالمشروع الفكري لطه عبد الرحمن قوله: على أن هذه الأمة المجاهدة لا تقف عند الصبر على المشاق الضرورية والكلف المختارة وحدها، بل تتجاوز ذلك إلى الصبر على المشاق المؤذية والكلف المرهقة، فمتى جاهد أبناؤها بألسنتهم وأقلامهم جاهرين بالحق عند الظلمة أو كاشفين لباطل لدى الجهلة لم يأمنوا أن يؤذيهم هؤلاء ظلما وجهالة، ومع هذا فهم يصبرون لما يتعرضون له من ألوان الأذى، والأمة الصابرة على الأذى تصير نموذجا للمعاناة يُحتذى بها في الضراء. ومتى جاهد أبناؤها بأموالهم وأنفسهم منفقين على جهازها أو مواجهين لأعدائها لم تأمن أن يرهقها الأعداء في العدة والكثرة، ومع هذا فهي تصبر على ما تجد من أشكال الإرهاق، والأمة الصابرة على الإرهاق تصبح نموذجا للشجاعة يقتدى به في الضراء.

كتاب "ثغور المرابطة" الصادر في العام 2018 يتناول الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره صراعا إسلاميا إسرائيليا محضا

 

"ثغور المرابطة".. معركة الصراع الديني في الأرض المقدسة

يمثل كتاب طه "ثغور المرابطة" الصادر في العام 2018، بوابة جديدة لم تفتح من قبل في مكتبة عبد الرحمن، إذ يتناول الرجل الصراع العربي الإسرائيلي بعد أن يخرجه من إطار القومية، ليرى فيه صراعا إسلاميا إسرائيليا محضا، ويرى أن الجوهر الديني في الصراع على أرض فلسطين هو أساس فهم الطريق إلى الحل.

وفي سبيل هذا الحل يرى أن الخطوات الأولى للحل هي نزع ما يصفه بـ"المالكية" عن إسرائيل وإعادتها إلى أصلها كيانا مغتصبا، فالاحتلال الإسرائيلي للأرض المقدسة في فلسطين هُوَ منازعة للإله في صفة المالك، مما يعني بالضرورة قطع الطريق بالكامل على التطبيع العربي الذي يرى فيه عبد الرحمن عدوانا على الملكية الإسلامية لفلسطين.

ويرى طه أن من مقومات التحرير تعزيز المقاربة الائتمانية التي تحتم رد الإيذاء الإسرائيلي للفلسطينيين إلى روح هذا الإيذاء المتمثل في "إيذاء الإله وإيذاء الإنسان"، ومن مقتضيات هذه المقاربة أيضا اعتبار أن المقاوم الفلسطيني ليس مجرد مالك للأرض بل هو أيضا مؤتمن عليها، ويقضي هذا المنحى أيضا على المصالحات أو الحلول أو تفاهمات السلام المزعوم.

لقد قضى هذا الكتاب على خيط الود بين طه عبد الرحمن وكثير من قرائه من النخبة التي كانت تريد لعبد الرحمن أن يظل فليسوف الظل والمفكر المتصوف البعيد عن وخز القيم والممارسات السياسية بمشرط العقل والفكر.

ويرى بعض خصوم عبد الرحمن أن الكتاب مثل إعلانا لارتماء الرجل في أحضان التيار السياسي الإسلامي، بينما يمكن الجزم أن "ثغور المرابطة" ما هو إلا مرحلة العمل من ثلاثية التحليل المنطقي، والشعور الإيماني والعمل الجاد الذي أسس عليه ابن الجديدة والغزالي الجديد فلسفته الأخلاقية ومرانه الحجاجي.

ذات صلة