تقارير

"الغناء الشعبي".. نبض مصر ومرآة أفراحها وأتراحها

 

خاص-الوثائقية

الغناء الشعبي المصري هو الرسالة القادمة من عمق المجتمع وحاراته وأزقته، ينطلق بها صوت رنان يعكس هموم البسطاء ويكشف بكلمات بسيطة ولحن راقص وأحيانا حزين؛ المستور عن واقع حياتهم بحلوها ومرها، هو نبض الشارع والحارة الذي يوصل مواجع الناس، ويعبر بصدق غير مُتناهٍ عن الإنسان.

هذا الفيلم الوثائقي الذي أنتجته قناة الجزيرة الوثائقية بعنوان "الغناء الشعبي" يعرض ظاهرة الغناء الشعبي في مصر منذ بدايته، محللا عوامل ظهوره وانتشاره، ومدى ارتباطه بالتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعوامل جاذبيته وانتشاره بين طبقات المجتمع المصري.

يعرض الفيلم تاريخ الأغنية الشعبية في مصر ومسيرتها وتطورها، وما لها وما عليها، بحسب أقوال مؤلفيها وملحنيها ومغنّيها الذين أعطوها حقّها وعَلوْا بها، والأدعياء الذين انحدروا بها إلى تحت.

يحتوي الفيلم على مقابلات مع أبرز المطربين الشعبيين في مصر في محاولة لاستكشاف نجوم هذا العالم وأصولهم الاجتماعية والثقافية، معايشا أجواء الأفراح والمناسبات الشعبية في مصر. كما يغوص الفيلم متأملا في محتوي الأغاني الشعبية، وما تحتويه من إسقاطات متنوعة سواء سياسية أو اجتماعية أو ثقافية.

 

الرعيل الأول.. تاريخ الأغنية الشعبية

رغم أن الفيلم لم يتحدث بالتفصيل عن تاريخ الأغنية الشعبية، فإنه أتى على ذكر الفنانين الكبيرين، محمد العزبي صاحب الأغنية الشهيرة "بهيّه"، ومحمد رشدي صاحب أغنية "كعب الغزال يا متحنّي"، كرعيل أول للأغنية الشعبية، والتي كانت تميل للغزل والحب.

وبعد انتصار أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 بدأت التحولات السياسية والاجتماعية، فكان لا بدّ من موسيقى تعبر عن هذه التحولات والفرح بالانتصار، فبدأت الأغنية الشعبية تأخذ مسارا آخر، وظهر مطربون شعبيون في مقدمتهم الفنان الشهير أحمد عدوية، الذي غيّر في شكل الأغنية الشعبية، فصارت الأغنية تنطق بما يفتقده الشعب من موّال وحكي.

لقد كان أحمد عدوية على درجة عالية من الذكاء في اختيار كلمات الأغنية والقدرة على غناء أي لحن، فقد طوّر الأغنية الشعبية حين أخذ من كل الفن الشعبي القديم ووضع عليه بصمته وأسلوبه الخاص ليصير مدرسة في الفن الشعبي.

وقد ظل عدوية -وحتى بعد تقدمه في العمر- محبوب جماهير الأغنية الشعبية، بدليل أغنيته مع المطرب رامي عياش "وبحب الناس الرايقة" التي لاقت إعجابا كبيرا لافتا.

 

"كتاب حياتي يا عين".. من الفرح للحزن

استمر نمط الأغنية الشعبية المفرح حتى أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، حين بدأت الحياة المصرية تضيق على المواطن بغلاء الأسعار والهموم والمشاكل الاجتماعية المتنوعة، فلم تعد الأغنية الشعبية المفرحة تلامس وجدان المواطن.

ولأن الغناء الشعبي نابع من المُواطن ومعَد له ويعبّر عن حاله، فقد أخذت الأغنية الشعبية طريق الدراما، وغلب عليها الطابع الحزين المشتكي، فانطفأ نجم أحمد عدوية، وصار المطرب الشعبي حسن الأسمر الأكثر تعبيرا عنها، وهو صاحب الأغنية الأكثر مأساوية ودرامية "كتاب حياتي يا عين".

لقد كان حسن الأسمر بمثابة الفترة الفاصلة بين عدوية والمطرب الشعبي حكيم، الذي أضاف إلى الأغنية الشعبية وغيّر في شكلها.

وفي الوقت الذي كان فيه المطرب حميد الشاعري ينافس حكيم ويعتمد في أغانيه على التوزيع الموسيقى الإلكتروني، كان حكيم يعتمد على غنائه الجميل وعلى المجموعة التي معه.

وكان من تصريحات حكيم للصحافة أنه لا يغني إلا بأسلوبه حتى لا يكون مستنسخا، وأنه يمسك العصا من النصف، واستخدم غناءه وصوته الجميل وجوّه الشعبي وموسيقاه الحديثة، حتى أصبح لا يُعرف أهو مطرب شعبي أم شبابي.

جمع حكيم خفّة الدم والشياكة والشكل الجميل والثقافة –كما يقول المتحدثون في الفيلم- ومثّل مصر خير تمثيل في الخارج، لقد طوّر الأغنية الشعبية وألبسها بُرنيطة (قبعة)، كما قالت عنه الصحافة حينها.

 

"أنا بكره إسرائيل".. موسيقى الانتفاضة

مع تقادم الزمن وفي التسعينيات تحديدا، بدأ نجم حكيم وحسن الأسمر وعدويه بالأفول، وطفت على سطح الأغنية الشعبية وجوه جديدة مثل شعبان عبد الرحيم الذي اكتسح ساحة الفن الشعبي بأغنيته الشهيرة "أنا بكره إسرائيل"، فقد عبّر عن حالة الشعب المصري خاصة والعربي بشكل عام، وكان ذلك إبان انتفاضة الأقصى.

كانت فكرة جديدة في تناول السياسة في الأغاني الشعبية بهذه الجرأة والصراحة لم يتطرق إليها أحد من قبل، وكما يقول شعبان عبد الرحيم عن نفسه أنه أراد بذلك أن يضع له اسما خاصا متميزا بين مطربي الأغنية الشعبية، وسمى نفسه "مطرب الحدث".

حكايات الناس.. أغنية شعبية لكل الطبقات

بحلول عام 2000 بدأ ظهور مطربين شعبيين جدد أمثال طارق الشيخ وعبد الباسط حموده، الذين اعتمدوا في أغانيهم على إخراج كلام الناس العادي المتداول على شكل أغاني، وبذلك أعادوا للأغنية الشعبية شخصيتها من جديد وتصنيفها وتمييزها عن الأغنية الشبابية.

وكما يقول المطرب الشعبي محمود الحسيني إن ما ميّز الأغنية الشعبية في هذه الحقبة هو خلعُها لرداء الحب والسهر والشجن العاطفي، والتحوّل إلى حكايات الناس، وصارت تسمع لدى شباب الطبقة الأرستقراطية في مصر مثل أغنية "أنا مش عارفني" لعبد الباسط حمودة التي أخذت صيتها في كل طبقات مصر الاجتماعية.

كما ساهم عالم الإنترنت في نشر الأغنية الشعبية جنبا إلى جنب مع باقي الأغاني العاطفية والعالمية، فهذا شعبان عبد الرحيم يصرّح أنه دُعي لإقامة حفلات أعياد ميلاد أبناء مشاهير، مثل فنان العرب محمد عبده ومحمد ثروت.

حكيم جمع خفّة الدم والشياكة والشكل الجميل والثقافة

 

"العبد والشيطان".. الوعظ الاجتماعي

للأغنية الشعبية تأثير مختلف في الجمهور عن الأغنية الشبابية، فهي محفزة منشطة ودافعة للحركة والرقص، ولكل مطرب شعبي أسلوب وشخصية خاصة تصنع له ورشة عمل فنية وخلطة تليق به.

يقول الموزع الموسيقي تامر صقر: الجو الشعبي له آلات وجُمل موسيقية ومقامات شرقية وعُرَب خاصة، ويستلزم ألحانا خاصة تتناسب مع هذا الجو، وكأنه تفصيل لكل مطرب على حدة.

ويجمع المتحدثون في الفيلم على أن ما يميّز أي أغنية عن أخرى هو فكرة الأغنية، فمثلا هناك فكرة الوعظ والإصلاح الاجتماعي التي ظهرت جلية واضحة في أغنية "العبد والشيطان" لعبد الباسط حمودة، لقد كانت رسالة ودعوة للخير في مواجهة الشر والشيطان.

كما يعبر ملحنو وموزعو الأغاني الشعبية عن سعادتهم بالعمل في هذا النوع من الأغاني، ويمتدحونه بالمقارنة مع غيره من الأنواع الأخرى من الأغاني، وأن العمل في هذا المجال لا يشترط فيه الدراسة والعلم الكثير.

 

"تحت الشعبي".. أغنية برائحة الحشيش

بحلول العامين 2005-2006 تقريبا بدأت تظهر أغاني جديدة ومطربون كثر، وبدأت الأغنية تأخذ منحدرا خطيرا، فقد كان للأغاني قبل ذلك تصنيفان، أولهما ما يعرف بالأغنية الستايل، والثاني الأغنية الشعبية -على حدّ تعبير الملحن وليد عبد العظيم-، لكن في هذه الفترة ظهر تصنيف ثالث بوجود تقنيات "الدي جي" والإنترنت سمّاه "تحت الشعبي". وتناولت أغاني تحت الشعبي مواضيع الحشيش والمخدرات والشيشة بشكل تشجيعي، ويراد منه عكس ذلك بحسب أقوال مغنّي هذا النوع من الشعبي.

واعتمدت هذه الأغاني على أسلوب "الإفّيه" (مصطلح يعني جملة لها معنى ساخر وغريب)، والتركيز عليه ليبقى راسخا في الأذهان، وصار لهذا التصنيف الثالث معجبون وجمهور عريض من الشباب المراهق يستمعون له في أماكن خاصة سلبية تفتقر إلى الثقافة.

بحلول عام 2000 بدأ ظهور مطربين شعبيين جدد أمثال طارق الشيخ وعبد الباسط حموده

 

"قارئة الفنجان" لعبد الحليم.. فن التوك توك

تمادى الفن الجديد "تحت الشعبي" كثيرا، حتى أنه تجرأ على أغاني مطربين كبار مثل أغنية قارئة الفنجان لعبد الحليم وأخرجوها بشكل لا يليق بمكانتها وعظمتها، وهنا يظهر المطرب محمود الليثي في الفيلم معترفا ومعتذرا عن خطئه في التجرؤ على عمالقة الفن المصري، وهو الذي غنّى أغنية "أكذب عليك" للمطربة وردة الجزائرية بطريقة اللحن السريع الراقص.

لقد شُوّهت صورة الأغنية الشعبية المصرية كثيرا كما يذكر المؤلف إسلام خليل، حتى وصل الحال ببعض المطربين الشعبيين والمؤلفين أن يغنّوا لـ"التوك توك" وهذا أقصى طموحهم.

في ذات الوقت يدافع مطربو هذه الفئة ويفتخرون بفنّهم، مثل أشرف وهبه وسمسم شهاب اللذين يجدان أنه لا ضير في أن يكون المرء مطرب توك توك أو ميكروباص، وإن لم تسمعني في هذه الأماكن فأين ستسمعني؟

هؤلاء مطربون خرجوا من بيئة معينة، ويستهدفون فقط أبناء بيئتهم ويغنون لهم.

 

أغاني اللوبات

نوع آخر من الفن الشعبي الحديث تطرق المتحدثون إليه، وهو ما يعرف باسم "اللوبات" وهو الأدهى والأمرّ فيما وصلت له الأغنية الشعبية في مصر، وهذا الغناء يقوم على تكرار جملة واحدة فقط بمصاحبة آلات موسيقية، وخليط من النغمات الشرقية والغربية السريعة لا هدف لها ولا فكرة فيها سوى الانتشاء والرقص.

وهذا النوع من الأغاني الشعبية له مُريدون كثر من الشباب وصانعيه، مثل لاعب الـ"دي جي" أبو أصالة الذي يظهر في الفيلم مدافعا ومنافحا عن هذا الصنف من الأغاني بقوله إن "الشباب عايز كده".

يصف المؤلف إسلام خليل هذا الصنف من الأغاني -ببساطة وسخرية- بأنه اجتماع مطرب لا يعرف الغناء مع كاتب لا يفقه في الكتابة وجمهور لا يحسن الاستماع واستمعوا له.

في الوقت الذي وجدت فيه القنوات الإعلامية والإعلانية وقنوات الـ"إف إم" نسبة النجاح والمبيعات على الأغنية الشعبية في تزايد كبير؛ بدأت بالاهتمام بها والتوجّه إليها، وحتى شركات الإنتاج السينمائي التي جعلت من الأغنية الشعبية عنصرا مهما في أفلامها الحديثة لجذب الجمهور من خلالها كوسيلة دعائية للفيلم.

الفن الجديد تمادى "تحت الشعبي" كثيرا، حتى أنه تجرأ على أغاني مطربين كبار

 

باقية وستستمر!

ينهي معدّ الفيلم هذه الجولة المصورة اللطيفة الخفيفة في مدينة الأغنية الشعبية المصرية بحاراتها وأزقتها وشوارعها وجبالها ومنحدراتها وأناسها على مدى 50 دقيقة تقريبا بمجموعة من المتحدثين في الفيلم، من مطربين وملحنين ومؤلفين وهم يستذكرون سبعينيات القرن الماضي وأغانيه الشعبية الأصيلة حيث لا إنترنت ولا قنوات فضائية.

ويترحمون على أشرطة الكاسيت على أنها أصل الخير والسعد والبركة، ويصرّون رغم هذا الانحدار الشديد للأغنية على أنها باقية وستستمر.

ويختم الفيلم على أنغام أغنية "أنا مظلوم" للمطرب الشعبي الأصيل حفني أحمد حسن في إشارة للظلم الكبير الواقع هذه الأيام على الأغنية الشعبية المصرية الأصيلة.