تقارير

"القمر" أنيس الشعراء.. مبتداه ومنتهاه؟

 

*هاني الضليع

لو كانت الأرض يوماً بلا قمر، لربما لم تستقر الحياة عليها، بل لربما لم تنشأ عليها أصلاً. ولو ترك القمر الأرض مستقبلاً ولم يعد، فإن الأرض ستضطرب ولن تعود صالحة للحياة بعد ذلك أبداً.

فإذا كان ذلك القمر الذي يضيء سماءنا مهم إلى تلك الدرجة، فمن أين أتى وكيف ظهر يا ترى؟ هل نشأ مع نشوء الأرض، أم تبعها؟ وما أثره على مدة يوم الأرض وفصوله؟

 

الاصطدام العملاق.. ميلاد القمر

طبقا لنظرية الاصطدام العملاق (Giant Impact)، يعتقد العلماء -بحسب المحاكاة الحاسوبية- بأن كوكباً بقُطر كوكب المريخ (نصف قطر الكرة الأرضية وعُشر كتلتها) ويسمى "ثي يا" (Theia) -وهي والدة سيلين آلهة القمر الإغريقية- قد اصطدم بالأرض بُعيد نشأتها بفترة تتراوح ما بين 20 و100 مليون سنة، مما أدى إلى انفصال جزء سطحي منها وتطايره إلى مدار ممتد حول الأرض أبعد من منطقة ما يعرف بـ"حدّ روش" (وهي المسافة التي تمنع فيها جاذبية الكوكب من تجمع الأجرام الصغيرة المتفرقة حوله على شكل كتلة واحدة بسبب قوة جاذبية الكوكب)، ليتكون القمر بعد أن تجمعت أشلاؤه وبردت والتحمت معاً على شكل كرة واحدة.

وقد دللت رحلات أبولّو إلى القمر (1969-1972) على صحة هذه النظرية بعد كشفها عن تشابه بعض النظائر المكوِّنة لصخور القمر بتلك المكونة لقشرة الأرض كنظائر الأكسجين على وجه الخصوص، وعن أن كثافة صخور القمر التي جمع منها قرابة 450 كيلوغراماً تشابهت مع كثافة قشرة الأرض (3.5 غرامات لكل سنتيمتر مكعب) وليس مع متوسط كثافة مادة الكرة الأرضية (5.5 غرامات لكل سنتيمتر مكعب)، مما حدا بالعلماء أن يميلوا إلى أن هذا الاصطدام قد حدث بشكل جانبي مع الأرض فاقتطع جزءاً منها بعد أن انصهرت مادة الكوكب "ثي يا" تماماً إثر هذا الاصطدام، وهو ما يفسر عدم وجود أية آثار لفوّهة صدمية (حفرة ناتجة عن اصطدام عنيف بأجسام خارجية كالنيازك) تسجل تلك الحادثة، خصوصاً وأن الأرض وقتها كانت كتلة ملتهبة من الحمم البركانية شبه السائلة، وأن درجة حرارة الاصطدام بلغت أكثر من عشرة آلاف درجة، أي أنها كانت أشد حرارة من سطح الشمس، مما جعلها تتوهج بلون أبيض في تلك اللحظات.

 

الحقبة الجهنمية

يطلق على الحقبة الأولى لنشأة الأرض "الحقبة الجهنمية" (Hadean Eon) لأن لون الأرض كان أحمر بسبب درجة حرارتها المرتفعة. ومع أن النظرية تفترض بأن الأرض الملتهبة قد نشأت بعد ذلك الاصطدام، فإن ثمة مشاهدات لمواد موجودة على الأرض تناقض ذلك بل وتنفي وجود هذه المحيطات البركانية.

وحديثاً، خلصت أكثر نتائج دراسات الفوهات الصدمية على سطح الأرض بأنه إذا اصطدم أي جسم كبير (بقطر عدة مئات من الأمتار أو أكبر) بالأرض، فإنه سيخلّف انفجاراً مدوياً يطيح بمادته كاملة ويفنيها تماماً على شكل طاقة وغبار وأتربة يتطاير معظمها في الغلاف الجوي وربما يتسبب بتشظي أجزاء من الأرض وانفلاتها إلى الفضاء، كما حصل مع النيازك المريخية التي يعثر عليها أحياناً على سطح الأرض، فهي تنشأ بسبب مثل تلك الأحداث الصدمية.

القمر.. فرضيات الاقتطاع والأسر والتكديس

تعد نظرية الاصطدام العملاق آنفة الذكر أحدث وأقوى الفرضيات التي تفسر نشأة القمر، لكنها تلت فرضيات أخرى تحدثت عن إمكانية نشوء القمر بطرق أخرى مختلفة. وأول تلك الفرضيات فرضية الاقتطاع التي تفترض بأن الأرض انفلت منها جزء إلى الفضاء بسبب سرعة دورانها الأولية حول نفسها، ويمثل قاع المحيط الهادئ ذلك الجزء، ومنه تشكل القمر الذي يدور حولنا، غير أنه اكتُشف جيولوجياً بأن عمر هذا القاع لا يزيد على 200 مليون سنة، في حين أن عمر القمر يزيد على 4.5 مليارات سنة.

وأما الفرضية الثانية فهي فرضية الأسْر التي ظلت الأقوى حتى الثمانينيات من القرن الماضي، وتفترض بأن الأرض قد أسَرت القمر عندما اقترب منها في بدايات عمر المجموعة الشمسية فأجبرته على الدوران حولها.

والمعروف بأن اقتراب جرم بهذا الحجم من الكوكب ربما كان سبباً في تدميره، إلا أن يكون لهذا الكوكب غلاف جوي سميك جداً وممتد لمسافة بعيدة جداً يعمل على إبطاء حركة الجرم السماوي ويجبره على اتخاذ مدار حول الكوكب. وهي فرضية جيدة لكنها لا تفسر التماثل بين نظير الأكسجين في الأرض والقمر.

وثمة فرضية ثالثة تتحدث عن نشوء القمر من نفس الغيمة السديمية التي نشأت منها الأرض وفي نفس الحقبة الزمنية وتدعى فرضية التكديس، لكنها لا تفسر مبدأ حفظ الزخم الدوراني بين الأرض والقمر من جهة، كما لا تفسر الاختلاف في نسبة الحديد الموجودة في باطن كل من القمر والأرض وعدم تساويهما من جهة أخرى، خاصة أنها تفترض أن نشأتهما كانت في الحقبة الزمنية نفسها.

 

تشيكشلوب.. يوم انقرض الديناصور

يتسبب ارتطام النيازك أو المذنبات أو الكويكبات بالأرض بأضرار تقدر بحسب حجم الجرم الساقط أولاً، ثم بحسب موقع سقوطه على اليابسة أو في البحر، فنيزك بقطر كيلومتر واحد كفيل بأن يدمر بلداً كاملاً بمساحة ربع أوروبا أو يزيد، لكنه إن وقع في البحر فإنه سيُغرق كل المدن الساحلية التي تجاور موقع سقوطه بسبب موجات تسونامي المتتابعة التي سيخلفها سقوط هذا النيزك أو المذنب أو الكويكب.

وأما لو بلغ قُطر هذا الجرم عشرة كيلومترات فأكثر، فإنه لن يدمر قارة واحدة فقط، بل سينهي الحياة فوراً على معظم الأرض أو جميعها، لأنه سيغرقها تماماً لو وقع في البحر، أو يلفها بطبقة غبارية كثيفة تحجب عنها أشعة الشمس لشهور وربما لسنوات مما يتسبب بتجمدها وموت أكثر الكائنات الحية عليها.

فقد تسبب الكويكب تشيكشلوب الذي سقط على شبه جزيرة يوكاتان بجنوب المكسيك قبل نحو 66 مليون سنة (أي في العصر الطباشيري) إلى إحداث أكبر موجات تسونامى في تاريخ الأرض، وإثر سقوط الكويكب انتشرت فوق سطح الأرض سحابة عظيمة من الغبار وبخار الماء والرماد الساخن المتولد من فوهة البركان الموجود في الموقع في أقل من ثانية واحدة، وتناثرت الحجارة والصخور خارج الغلاف الجوي من جراء هذا الانفجار، فكان أن تم تسخينها إلى درجة التوهج لدى عودتها إلى الأرض بسبب احتكاكها الشديد بالغلاف الجوي السميك، فأحرقت الأرض وأشعلت الحرائق في الغابات. وفي الوقت نفسه أدت إلى حدوث موجات صدمية ضخمة كان لها أثر كبير في إحداث زلازل وثورانات بركانية في أنحاء مختلفة من الأرض. وبسبب ذلك ماتت الديناصورات، بل انقرض نسلها تماماً، وقُضي على أكثر من 750 ألف نوع من الكائنات الحية الأخرى التي استوطنت الأرض قبل وجود الإنسان، وقد خلّف الارتطام حفرة نيزكية قُدر قطرها بـ180 كيلومتراً لا تزال آثارها باقية تحت مياه خليج المكسيك حتى اليوم.

فوهة أريزونا النيزكية في أمريكا سببها ميزك سقط قبل 50 ألف سنة

 

حجارة سجّيل.. تاريخ من الاصطدامات

إن كوكب الأرض -شأنه شأن بقية كواكب وأقمار المجموعة الشمسية- معرض لخطر اصطدام نيازك أو أجرام هائمة به في أي لحظة، وقد سجلت لنا كتب التاريخ وكتب العهد القديم ومن بعدها القرآن الكريم كيف أن الله عذب قوم سيدنا لوط عليه السلام بحجارة من السماء، ففي القرآن الكريم "وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ" (سورة الحجر، آية 74).

وقد شهدت الكرة الأرضية في عصورها المختلفة كثيراً من هذه الضربات النيزكية، تعد أشهر آثارها فوهة أريزونا النيزكية بقطر 1200 متر وبعمق 170 متراً، كما أن تاريخ المنطقة العربية شهد العديد من هذه الضربات النيزكية أحدثها كانت فوهة الوبر أو الوابر (Wabar Craters) في الربع الخالي، فقبل نحو 400 سنة اصطدم بالأرض نيزك يزن 3500 طن بسرعة بلغت 25 ألف كيلومتر في الساعة، فتشظى وخلّف ثلاث فوهات بأقطار "11.5" و"64″ و"116″ مترا، ولكن بفعل حركة الرمال السريعة مُلئت هذه الفوهات بالرمال ولم يتبق سوى آثار الفوهة الكبيرة منها، ولا تزال قطعة كبيرة من ذلك النيزك محفوظة في جامعة الملك سعود بالرياض. وهناك فوهتا "دخان" و"الخرّارة" في دولة قطر، وفوهة "وقف الصوان" في الأردن، وعدد من الفوهات في كل من المغرب والجزائر وليبيا ومصر وموريتانيا.

لكن أحدث الفوهات النيزكية عمرا تشكلت عام 1947 حين سقط نيزكها على جبال سيخوت ألين في سيبيريا، فتشظى قبل أن يصطدم بالأرض مما جعله يخلّف 122 فوهة نيزكية صغيرة؛ كل واحدة منها بقطر يزيد على نصف متر، وفوهة واحدة كبيرة بقطر 27 مترا، وتقع كل هذه الفوهات ضمن مساحة بيضوية الشكل تبلغ 1.6 كيلومتر مربع، كما يُقدر وزن النيزك الصادم بسبعين طنا، وقد جُمع من شظاياه ما وزنه 23 طنًا.

ثمة فرضية ثالثة تتحدث عن نشوء القمر من نفس الغيمة السديمية التي نشأت منها الأرض

 

كوكب الجليد والماء.. رُب ضارة نافعة

ربما يكون لكوكب "ثي يا" فضل في إحضار بعض الماء معه إلى الأرض، وذلك وفقاً لدراسة من جامعة بيرن بألمانيا في العام 2012 خلصت إلى أن نصف كتلة هذا الكوكب كانت من جليد الماء، وأن الكوكب اصطدم مباشرة مع الأرض وأنزل عليها كامل حمولته من الماء، وربما أصبحت جزءاً من الغلاف الجوي فيما بعد.

وهذه النظرية لها ما يدعمها، فأكثر العلماء يؤيدون فرضية أن الماء جاء إلى الأرض من المذنبات التي اصطدمت بها في بدايات نشوء المجموعة الشمسية، باعتبار أن جليد الماء وجليد ثاني أكسيد الكربون هما من مكونات المذنبات إضافة إلى الأتربة والصخور، وباعتبار أنها جاءت من سحابة المذنبات التي تشكلت على أطراف المجموعة الشمسية وتعرف بـ"سحابة أورت".

لكن لا يتوفر لدى العلماء إثبات دقيق واحد مؤيد لفرضية الاصطدام هذه غير تلك الاستقصاءات الكيميائية التي ترتكز على دراسة نظائر العناصر الموجودة هنا وهناك على كلا الجرمين اللذين يدوران معاً منذ أكثر من 4500 مليون سنة، وقد وجد أن نظائر الأكسجين متطابقة بين الأرض والقمر، وهي أكثر النظائر بصمة في تمييز أي جرم من أجرام المجموعة الشمسية عن غيره.

بافتراض الكويكب الذي ارتطم بالأرض، فإنه كذلك أدى إلى حرف محورها عما كان عليه من قبل

 

كيف أبطأت الأرض ومالت؟

بقبول فرضية الاصطدام العملاق كفرضية قوية يمكن أن ترقى يوماً إلى نظرية إن زادت شواهدها المرصودة؛ فإن ثمة نتائج أخرى تترتب على تلك الفرضية، مثل سرعة دوران الأرض قبل وبعد الاصطدام، ومثل ميل زاوية محورها، وهي الشواهد الأخرى التي ترتكز عليها.

فقد قدر علماء الجيولوجيا الفلكية أن الأرض قبل الاصطدام كانت تدور حول محورها مرة واحد

ة كل حوالي أربع ساعات، أي أسرع مما هي عليه اليوم بست مرات أو يزيد. لكنها وبعد نشوء القمر نشأت لها ذراع جديدة مكونة من القمر ومن المسافة بينه وبين الأرض، مما ألزمها أن تبطئ من سرعة دورانها حول نفسها، وهي ظاهرة شهيرة نراها عادة حين تمد لاعبة التزلج ذراعيها أثناء دورانها حول نفسها فتبطئ من سرعة دورانها، فإذا ضمتهما زادت سرعة دورانها. وهو مبدأ فيزيائي شهير يدعى مبدأ "حفظ الزخم الدوراني".

وأما النتيجة الثانية المهمة فهي ميل محور الأرض، فاصطدام الكوكب "ثي يا" أدى إلى إمالة محور الأرض على ما هو عليه الآن، أي بزاوية 23.5 درجة. وهذه النتيجة كانت خيراً على كرتنا الأرضية من حيث نشوء الفصول الأربعة وتعاقبها عليها، ولولا ذلك لبقي القطبان الشمالي والجنوبي جليديين باردين إلى ما دون الصفر المئوي بعشرات الدرجات دوماً، ولبقي خط الاستواء شديد الحرارة كذلك على الدوام، ولما انقلب الطقس في المنطقة الواحدة أبداً، ولكان مناخ الكرة الأرضية ثابتاً، ولتكدس الناس عند خطوط العرض المتوسطة ولما سكن أحد من البشر الشمال وخط الاستواء.

حركتا المد والجزر المتتاليتان تتسبب بإبطاء دوران الأرض، وابتعاد القمر عنا شيئاً فشيئاً

 

بين شيخوخة الأرض وهجران القمر

مع تقدم عمر الأرض ونشوء البحار والمحيطات على سطحها تسببت حركتا المد والجزر المتتاليتان بإبطاء دوران الأرض شيئاً فشيئاً، وابتعد بذلك القمر عنا شيئاً فشيئاً إلى أن وصل عبر مليارات السنين الأربعة الماضية إلى ما هو عليه اليوم (384 ألف كيلومتر)، وبذلك انخفضت سرعة دوران الأرض إلى 24 ساعة، وهو ما ندعوه اليوم بـ"اليوم الأرضي".

لكن المذهل في الأمر أن سرعة الأرض وبُعد القمر عنها ليسا ثابتين، فباستمرار حركتي المد والجزر سيظل القمر يبتعد عنا إلى أن يشاء الله، فمعدل ابتعاده السنوي عن الأرض هو 3.8 سنتمترات، وذلك يعني أنه من المحتمل أن يُفلت القمر من قبضة الأرض يوماً ما، ربما بعد بضعة مليارات من السنين.

وبالطبع فإن ابتعاد القمر عن الأرض سيؤدي بالكسوفات الكلية للشمس -التي تحوّل النهار إلى ليل- إلى أن تنتهي، فلا يعود هناك سوى نوعين من الكسوفات: إما كسوف جزئي يغطي جزءاً من الشمس، أو كسوف حلَقي يرينا حلقة مضيئة منها تحيط بالقمر؛ ذلك أن أصل سبب الكسوف الكلي هو أن قُطر قرص القمر يصغر الشمس بـ400 مرة، لكنه في ذات الوقت أقرب إلينا منها بـ400 مرة، فتتساوى النسبتان ليغطي قرص القمر الصغير بذلك الشمس العملاقة.

بعد ابتعاد القمر عن الأرض، لن يكون بإمكان سكان الأرض أن يروا كسوفا كليا إنما حلقيا أو جزئيا فقط

 

التعادل.. حين تستوي الأرض والقمر

وفي يوم من الأيام، وبسبب ابتعاد القمر وانخفاض سرعة دوران الأرض حول محورها حيث تتباطأ بمقدار 2.3 ملي ثانية كل قرن؛ ستصبح الأرض شبيهة بالقمر من حيث طول اليوم ومن حيث مواجهتهما لبعضهما بوجه واحد.

فكما أن القمر يواجه الأرض بوجهه الوحيد بسبب تماثل مدة دورانه حول نفسه مع مدة دورانه حول الأرض، فإن هذا ما سيحدث حين يصبح طول اليوم الأرضي 47 يوماً بنفس طول اليوم القمري وسنته، وسيصبح رائد الفضاء الواقف على القمر لا يرى من الأرض سوى وجه واحد، وتُعرف هذه الظاهرة الموجودة في المجموعة الشمسية وحول النجوم -كما هو الحال بين بلوتو وقمره، وبعض النجوم وكواكبها- بظاهرة "الانغلاق المَدّي" (Tidal Locking)، حيث يجبِر كل جرم الجرم الآخر على أن يواجهه بوجه واحد فقط فيبلغان الاتزان الدوراني.

وإذا ما حدث ذلك بعد نحو خمسين مليار سنة من الآن، فستثبُت سرعة الأرض ولن تتوقف عن الدوران حول نفسها، وكل ذلك بافتراض ذهاب الشمس في غضون خمسة أو ستة مليارات سنة من الآن وبقاء نظام الأرض والقمر في المجموعة الشمسية بعدها.

 

طلوع الشمس من مغربها

يعد سيناريو طلوع الشمس من مغربها أحد السيناريوهات غير البعيدة لمستقبل الأرض، لكنه في الوقت ذاته يستتبع أموراً عظيمة ونتائج لن يحتملها البشر. وبلغة الفيزياء، فإن على البشرية أن تنتظر لأكثر من هذه المليارات الخمسين بكثير كي تتوقع رؤية الأرض تتوقف عن الدوران حول محورها من الغرب إلى الشرق، وإن هي وقفت سننتظرها بعد ذلك مدة لا يعلمها أحد كي تعكس اتجاه دورانه دون سبب فيزيائي وجيه، هذا إن فعلت.

وعلينا أن نبقى منتظرين كل تلك المدة كي تتحقق نبوءة طلوع الشمس من مغربها التي هي أمر غيبي بحت لا تفسره قوانين الفيزياء ولا نظرياته، علماً بأن البشرية لم تكمل على سطح البسيطة أكثر من 250 ألف سنة في أحدث النظريات التي تفسر ظهور الإنسان عليها.

وهل يعقل أن تعيش البشرية على الأرض إلى ما بعد فناء الشمس أو حين تصبح عملاقاً أحمر يمتد لهيبها إلى أطراف الأرض بدرجات حرارة تبلغ ألف درجة أو أكثر؟!

ولحل الإشكال الذي واجهنا في استمرار الحياة على وجه الأرض نقول: أليست نظرية الاصطدام العملاق هي التي افترضت تشكل القمر؟ فما المانع يا ترى من أن يكون طلوع الشمس من مغربها سببه ارتطام كويكب عابر بحافة الأرض الغربية فيقلب اتجاه دورانها، وبذلك قطعاً سيتحقق طلوع الشمس من مغربها.

لكن مهلاً، كم يجب أن يكون قُطر هذا الكويكب الذي سيغير اتجاه دوران الأرض؟

إذا عدنا إلى الوراء قليلاً فإننا سنجد بأن نيزكاً بقطر عشرة كيلومترات فقط كان كفيلاً بأن يمحو الحياة عن الأرض لملايين السنين، إذن أوليس الكويكب الذي سيقلب حركة الأرض أعتى من نيزك الديناصورات بمئات المرات؟ أتراه سيُبقي منا أحدا يشهد طلوع الشمس من مغربها أو حتى من مشرقها بعد ذلك؟

ليس في حد العلم الحالي قول بأن الشمس والقمر سيجتمعان على وجه الحقيقة في عمر البشرية

 

وجُمع الشمس والقمر

ليس في حد العلم الحالي قول بأن الشمس والقمر سيجتمعان على وجه الحقيقة في عمر البشرية، وإن فعلا فلن يراهما أحد من أهل الأرض، لأن ذلك لن يحدث قبل ثلاثة أو أربعة مليارات سنة من الآن حين تتضخم الشمس إلى عملاق أحمر يمتد نحو الأرض، فربما وقتها ابتلعت القمر، وربما أفلت القمر من قبضة الأرض فتلقفته الشمس. لكن الواضح من الحسابات الفلكية أنه لن يكون بشر حياً ليشاهد هذه الحادثة.

غير أن التفسير المقبول لهذا الجمع هو المعنى الذي عرفته العرب من اجتماع النيّرَين وهما الشمس والقمر بما يعرف بكسوف الشمس، ذلك أن سياق الآيات الكريمة من سورة القيامة يتحدث عن علامات يوم القيامة، فذكر خسوف القمر قبل ذلك مباشرة "فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ، وَخَسَفَ الْقَمَرُ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ" (سورة القيامة الآيات 7-9).

أما إن خُسف بالقمر لسبب غير معلوم وانشق إلى نصفين كما في قوله تعالى "اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ" (سورة القمر الآية 1)، فإن كلاً من هذين النصفين سيهرب إلى الفضاء، وربما اجتمع بالشمس بعد ذلك. لكن ذلك من الغيب الذي لم ترد فيه نصوص، ومرد علمه إلى الله سبحانه وتعالى.

وأما لو افترضنا حصول ذلك بسبب كويكب يصطدم بالقمر على مرأىً منا ومسمع، فالأولى أن يصطدم بالأرض لا بالقمر بسبب عظم جاذبيتها، ولأن احتمال اصطدامه بالقمر ضعيف حينئذ، ولو فعل واصطدم بالقمر فإن الشظايا التي سيخلفها القمر من وراء هذا الاصطدام ستنهمر على الأرض مسببة دماراً مهلكاً للأرض لن يسمح لأحد برؤية ما إذا كان القمر سيجتمع بالشمس على وجه الحقيقة بعد ذلك أم لا. ويبقى الأمر في علم الغيب حتى يتحقق.

 

المصادر:

https://www.quora.com/What-part-of-Earth-did-the-moon-break-off-from https://sites.google.com/site/aalamelolm/home/nshate-alard/aldhr-aljhnmy

https://en.wikipedia.org/wiki/Giant-impact_hypothesis

https://www.space.com/3373-earth-moon-destined-disintegrate.html

*الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

ذات صلة