تقارير

المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.. هل تجمع شتات الأفارقة؟

 

مراد بابعا

بعيدا عن الحروب الأهلية والإرهاب وتاريخ الانقلابات الأسود، تبحث دول أفريقيا عن تطوير قواسمها المشتركة لخلق النهضة المنشودة. وهذا هو التوجه الذي تسير فيه المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا التي تستعد لإصدار عملة موحدة جديدة سميت "إيكو" ابتداء من يناير/كانون الأول لعام 2020.

صادقت الدول الأعضاء في المجموعة على هذه الخطوة الهامة والتاريخية تتويجا لمسار هذا التكتل الذي رأى النور قبل أكثر من أربعين سنة، لكن إصدار هذه العملة لن يكون سهلا بحسب العديد من المراقبين، فهو سيكون إعلانا رسميا للقطيعة مع وصاية فرنسا التي استعمرت جل دول هذه المنطقة حتى ستينيات القرن الماضي.

المجموعة التي تعرف اختصارا بـ"سيدياو" أو "إيكواس" يوجد مقرها في أبوجا بنيجيريا، وتتكون حاليا من 15 دولة يتجاوز مجموع سكانها 300 مليون نسمة، وتصل مساحتها الإجمالية إلى خمسة ملايين كيلومتر مربع، أي ما يمثل 17% من إجمالي مساحة القارة الأفريقية.

هذا التكتل الذي رأى النور في العام 1975، وضع ضمن أولوياته تحقيق التكامل الاقتصادي، وتعزيز المبادلات التجارية، والاستفادة من فرص النمو الهائلة للقارة السمراء، والانفتاح على دول أخرى لتوسيع هذا التكتل الإقليمي.

فما هو الوزن الحقيقي لـ"إيكواس"، وما هي طموحاته المستقبلية، وهل استطاع فعلا توحيد دول غرب أفريقيا رغم كل الصعوبات والتحديات؟

ولادة صعبة

لم يكن من السهل في البداية تشكيل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا التي تضم حاليا 15 بلداً هي: بنين وبوركينا فاسو والرأس الأخضر وساحل العاج وغامبيا وغانا وغينيا بيساو وليبيريا ومالي والنيجر ونيجيريا والسنغال وسيراليون وتوغو وغينيا.

كانت الفكرة في البداية لرئيس ليبيريا "وليام توم بانفي" في 1964 حين دعا إلى إقامة منظمة تعاون لدول المنطقة، ثم حاول تأسيس نواة تكتل إقليمي مع ساحل العاج وغينيا وسيراليون، لكن الفكرة لم تكتمل وظلت مجمدة إلى سنة 1972، حين حاول مجددا الرئيس النيجيري "يعقوب كون" والتوغولي "نيا سينغبي أياديما" بث الحياة في المشروع.

ومن أجل ذلك قام الرئيسان بجولات في 12 دولة أفريقية لإقناع قادتها بأهمية الاندماج خصوصا من  الناحية الاقتصادية، لتتم الدعوة في الأخير إلى اجتماع على مستوى الخبراء عقد في لومي عاصمة توغو لوضع الأسس من أجل تفعيل الاندماج.

ومع بداية العام 1974 تمت صياغة النصوص التأسيسية لهذا الإطار الجديد في العاصمة الغينية أكرا، تمهيدا للتوقيع على معاهدة التكتل في العاصمة الليبيرية مونروفيا، مُعلنة بذلك ميلاد المجموعة الاقتصادية لدول أفريقيا الغربية.

وكانت موريتانيا عضوا مؤسسا للمجموعة، لكنها قررت سنة 2000 الانسحاب منها، مبررة ذلك بالتقشف في دفع مستحقات العضوية التي وصفتها بالباهظة. لكن هذه الدولة العربية الوحيدة التي كانت عضوا في "إيكواس" شرعت منذ 2016 في تحركات للعودة مجددا إلى حضن هذا التكتل.

الاستقرار أولا

الاضطرابات السياسية والأمنية التي شهدتها دول غرب أفريقيا، أعاقت بشكل كبير المسار التنموي لهذه الدول، مما انعكس سلبا على سرعة تطور الاتحاد الذي يجمعها.

فمباشرة بعد التأسيس، وقّع أعضاء إيكواس عام 1978 بروتوكول "عدم الاعتداء والدفاع المشترك"، ونص على إمكانية نشر قوة للفصل بين القوات المتحاربة إذا وقع صراع بين بلدين عضوين.

وفي تسعينيات القرن الماضي وبسبب الحرب الأهلية في ليبيريا، تشكلت "قوة إكوموك" (l’Ecomog) كأول قوة فصل أفريقية للتدخل وقت الأزمات بتعداد يبلغ 20 ألف جندي. وظلت هذه القوة في ليبيريا حتى استتباب الأمن وعودة الهدوء عام 1999، رغم اتهامها بمحاباة بعض الأطراف والعنف ضد المدنيين.

وكان من أبرز مهمات هذه القوة أيضا التدخل لوقف الاقتتال الداخلي عام 1997 في سيراليون، لتفسح المجال سنة 2000 للقوات التابعة للأمم المتحدة. كما تدخل نحو 600 جندي من قوات "إكوموك" في غينيا بيساو سنة 1999، وبعد ذلك تدخلت القوة الأفريقية في ساحل العاج لضمان عدم تجدد الاشتباكات في هذا البلد إلى حين وصول قوات الأمم المتحدة سنة 2004 ودمجهم فيما يعرف بـ"القبعات الزرق".

وفي عام 2004، انصهرت قوة "إكوموك" -المعروفة أيضا باسم "القبعات البيض"- في قوة التدخل والردع التابعة للاتحاد الأفريقي التي أُوكلت لها مهمة التدخل لحفظ الأمن والاستقرار في أي بلد في القارة يشهد اضطرابات مسلحة.

الوزن الحقيقي

"إيكواس" بدوله الـ15 يصل ناتجه الداخلي الخام إلى 750 مليار دولار سنويا حسب آخر أرقام صندوق النقد والبنك الدوليين، مما يجعله ضمن نادي القوى الاقتصادية العشرين الأكبر في العالم بنمو اقتصادي متسارع.

كما تتميز دول المجموعة الذين يقدر عددهم بـ320 مليون نسمة، بأن ساكنتها الأكثر شبابا في العالم، مما يشكل قوة عاملة هائلة، وسوقا استهلاكية واسعة. ويتصدر النفط الخام لائحة صادرات المجموعة بفضل 2.3 مليون برميل يوميا التي تصدّرها نيجيريا، مع إنتاج متواضع لغانا وساحل العاج.

دول إيكواس تتباين بشكل واضح فيما بينها، فنيجيريا لوحدها تساهم بـ75% من الناتج الداخلي الخام للمجموعة، لكنها في المقابل لا تقدم أداء جيدا في ما يتعلق بالاندماج الإقليمي، عكس ساحل العاج مثلا التي تُظهر مؤشرات جيدة في هذا المجال، رغم أنها لا تساهم إلا بـ6% من الناتج المحلي.

ومن بين المفارقات أيضا داخل هذا التكتل الإقليمي أن "توغو" التي تساهم بشكل ضئيل في الناتج المحلي، تسجل رقما جيدا فيما يتعلق بالبنيات التحتية والاندماج المالي والاقتصادي، وبحرية حركية الأشخاص، فيما تأتي السنغال في صدارة دول التكتل من حيث الاندماج التجاري.

وينعكس هذا التباين سلبا على طموحات دول المجموعة من أجل تحقيق الاندماج الكامل، وضمان حرية تحرك الأشخاص والبضائع، واعتماد عملة موحدة.

"إيكو".. هل تنجح العملة الموحدة؟

تأسيس عملة جديدة موحدة يتم تداولها بين كل دول المجموعة شكّل على الدوام هاجسا لقادة إيكواس رغم وجود عملة "الفرنك الأفريقي" (CFA Franc) التي يتم تداولها في ثماني دول أعضاء، وهي بنين وبوركينافاسو وساحل العاج ومالي والنيجر والسنغال وتوغو وغينيا بيساو والرأس الأخضر، بينما تستخدم بقية الدول عملاتها الخاصة.

لكن الفرنك الأفريقي لم يحقق أبدا الاستقلال المالي الذي تنشده دول المجموعة منذ سنوات، خصوصا أن "الفرنك الأفريقي" أنشأته فرنسا إبان استعمارها لتلك الدول، وتحتفظ الخزانة الفرنسية بنحو 50% من احتياطيات النقد الأجنبي لهذه الدول الفرنكفونية، بدعوى ضمان استقرار قيمة العملة المرتبطة حاليا باليورو.

أما العملة الجديدة "إيكو" (ECO) التي صادقت عليها الدول الأعضاء بالمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا في يونيو/حزيران 2019، فهي تسعى للقطع مع هذه الوصاية التي فرضتها فرنسا، وتكريس الاستقلالية الاقتصادية التي تريدها هذه الدول.

لكن أكثر المتفائلين لا يتوقعون انطلاق هذه العملة مع بداية السنة المقبلة، فالشروط والمعايير التي حددها خبراء المجموعة -وتتعلق بالأساس بالسيطرة على التضخم وعجز الميزانية- لا تتوفر حاليا إلا في دولة واحدة فقط هي ليبيريا. وبسبب هذا التباين في الأداء المالي والاقتصادي لدول إيكواس اقترحت المجموعة اعتماد التدرج في اعتماد العملة.

ورغم اعتماد التدرج سيكون من الصعب الخوض في مغامرة عملة موحدة بحسب العديد من المراقبين، إذ ينبغي أولا رسم سياسة نقدية واضحة، وثانيا فك الارتباط بين الفرنك الأفريقي واليورو، وهو أمر لن يكون بالهين خصوصا على ساحل العاج مثلا التي تستفيد كثيرا من الفرنك الأفريقي الذي يضمن لها تدفق الاستثمارات وسعر فائدة منخفض، نتيجة استقرار عملة الفرنك الأفريقي الذي تكفله السياسات النقدية الفرنسية.

المغرب أظهر اهتماما خاصا بما يسمى "التعاون جنوب جنوب" في السنوات الأخيرة

دول المغرب العربي.. سعي إلى إيكواس

حفزت الطموحات الكبيرة التي أظهرها قادة دول المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا؛ الدول المجاورة على الانضمام إلى هذه التجربة، والاستفادة من الإمكانيات التي توفرها خصوصا من الناحية التجارية وتسهيل المبادلات والاندماج الاقتصادي.

فحتى موريتانيا التي كانت انسحبت مع بداية الألفية الجديدة رغم كونها من الأعضاء المؤسسين، تريد حاليا العودة إلى حضن المجموعة، خصوصا بعد الجمود المستمر الذي يعيشه منذ 1989 مشروع الاندماج الإقليمي لدول شمال أفريقيا الذي سمي "اتحاد المغرب العربي" ويضم أيضا المغرب وتونس والجزائر.

ووقعت موريتانيا في 2017 اتفاقا مع قادة إيكواس يتعلق بحرية حركية الأشخاص والسلع، بالإضافة إلى الاستفادة من تعريفة جمركية محفزة وسياسة تجارية مشتركة، وذلك بهدف التمهيد للعضوية الكاملة.

ويعتبر المغرب من أكثر الدول التي قد تستفيد من عودة موريتانيا إلى كنف المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا، على اعتبار أن ذلك سيمكنه من تقاسم الحدود الجغرافية مع هذه المجموعة، وهو ما سيزيد من وجاهة طلبه الانضمام الذي تقدم به رسميا سنة 2017.

وأظهر المغرب اهتماما خاصا بما يسمى "التعاون جنوب جنوب" في السنوات الأخيرة، وهو التعاون بين بلدان الجنوب، إلى حد وضع أفريقيا في صدارة أولويات السياسة الخارجية للمغرب، وهو ما تريد "الرباط" تعزيزه بعضوية كاملة في إيكواس تعوض خيبات "الاتحاد المغاربي"، وتفتح أمامه المجال للوصول إلى سوق تعدادها 320 مليون مستهلك وبناتج داخلي خام يناهز 750 مليار دولار.

وعبرت ليبيا وتونس أيضا مرارا عن رغبتها في الانضمام إلى التكتل، لكن الأوضاع المضطربة في ليبيا أجلت البت في طلبها. أما تونس فحصلت منذ نوفمبر/تشرين الأول 2017 على وضع مراقب داخل إيكواس وأصبحت تحضر اجتماعات المجموعة منذ ذلك التاريخ، مما يجعلها أيضا على بعد خطوات قليلة من الحصول على العضوية الكاملة.

وحتى الجزائر، لم تعد تخفي رغبتها في الحصول على بعض امتيازات هذا التكتل الاقليمي، وأعلنت رسميا نهاية العام الماضي الشروع في مفاوضات مع المجموعة بهدف إبرام اتفاق تجاري تفضيلي، قد يكون المدخل نحو الاندماج المنشود، بعد أن أصبحت الدول المغاربية الخمسة تصنف ضمن الأقل اندماجا على الصعيد الأفريقي.