تقارير

الهجرة إلى المريخ.. نحو احتلال الكوكب الأحمر

 

يمان الشريف

إلهُ الحرب مارس، كما في الأساطير الرومانية، أو المرّيخ كما أطلق عليه العرب منذ القدم، وكلا الاسمين يحملان سِمة مشتركة ألا وهي اللون الأحمر، ولا عجب أن تتشارك الشعوب القديمة في نعتها ذلك الكوكب بذات الصفة، فلطالما كان زائرا دائما لسماء الأرض بذات البريق وذات التوهج الأحمر.

لم يكتفِ الرومان بتنصيب كوكب المريخ إلها للحرب، بل ولّوه أيضا مهمة الدفاع عن مدينة روما التاريخية، وتقول الأسطورة الرومانية إن "مارس" كان أباً لتوأمين هما "رومولوس" و"ريموس" اللذين بنيا مدينة روما1. لكن الأسطورة ذاتها فشلت اليوم في تفسير عجز مارس "إله الحرب" في الدفاع عن نفسه ضد النيازك الفتاكة التي أودت به إلى حتفه، وأنهت ما عليه من بيئة حاضنة للحياة كما أوضحت رحلات الفضاء الحديثة إلى كوكب المريخ.

يعتقد العلماء اليوم أن كوكب المريخ كان في السابق لا يقل كفاءة عن الأرض في إمكانية احتضان الحياة بمختلف أشكالها على سطحه، لكن ثمة فاجعة عظيمة ألمّت بمناخ الكوكب، وبغلافيه الجوي والمغناطيسي، مما أدى إلى انعدام سبل الحياة على سطحه على نحو مأساوي.

نموذج بطليموس لمركزية الأرض وحولها مدارات الكواكب وأفلاك التدوير

 

مركزية الأرض.. الكوكب المتحير

يعد المريخ من الكواكب الخمسة التي تمكن رؤيتها بالعين المجردة، ويظهر جليا في سماء الأرض بين حين وآخر متخذًا أثناء مداره حركة لولبية غريبة أطلق عليها قدماء العرب اسم تحيّر الكواكب (retrograde motion)، وعند القدماء كان اسمها أفلاك التدوير (Epicycles)، لكن لم يكن لدى تلك الحضارات ولا العرب من بعدهم، أدنى فكرة عن تفسير تلك الظاهرة الفلكية، لا سيّما أنها كانت تعارض بشدّة نموذج مركزية الأرض الذي وضعه الفلكي والرياضي "كلوديوس بطلمْيوس" في القرن الثاني الميلادي، ويُسمى باسمه أيضا "نموذج بطلمْيوس" الذي ينص على أن الأرض هي مركز الكون وأن جميع الكواكب تدور حولها بما في ذلك الشمس والقمر.

وعلى الرغم من عجز علماء الفلك القدامى عن تفسير تلك المنعرجات لمدارات الكواكب أثناء اقترابها من الأرض، إلا أنّ نموذج مركزية الأرض بقي قائما حتى القرن السادس عشر حين ظهر نخبة من العلماء والفلكيين أمثال نيكولاس كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي وإسحاق نيوتن ليضعوا خريطة جديدة للكون وهو نموذج مركزية الشمس. وفي هذا النموذج يمكن بسهولة تفسير حركة المريخ التحيرية.

 

يوم كيوم الأرض.. المجاورة تعدي

يحتل كوكب المريخ المرتبة الرابعة بين ترتيب كواكب المجموعة الشمسية من حيث موقعه من الشمس، ويقع بين كوكبي الأرض والمشتري، ويدور حول الشمس في مدار إهليليجي كما هو حال بقية الكواكب، ويقدّر متوسط المسافة الفاصلة بين الشمس والمريخ بحوالي 235 مليون كيلومتر، أي ما يعادل 1.5 وحدة فلكية (الوحدة الفلكية هي متوسط المسافة بين الأرض والشمس وتعادل 150 مليون كم).

ويقطع المريخ أثناء جريانه في فلكه حول الشمس دورة كاملة كل حوالي سنتين (687 يوما) بحسابات الأرض، وأما اليوم على سطح المريخ، فهو أطول بـ 37 دقيقة فقط من اليوم على الأرض.

خريطة كوكب المريخ برسم الفلكي "بيرسيفال لويل" عام 1905 وتظهر فيها القنوات المائية كما تخيل وجودها

 

أنهار المريخ.. أضغاث أحلام فلكية

في عام 1877، وجّه فلكي إيطالي يدعى "جيوفاني شياباريلي" (Giovanni Schiaparelli) مقرابه (التلسكوب) نحو الكوكب الأحمر بغية دراسة سطحه وتضاريسه، ولكن الصورة التي ظهرت له عبر منظاره غلبت عليها الضبابية بسبب قصور التكنولوجيا في ذلك الوقت، فخُيّل له أن قنوات ومسارات طويلة قد حفرتها المياه تتقاطع وتلتقي في مختلف أجزاء سطح المريخ، فشاع في وسط المجتمع العلمي آنذاك أن المريخ يحتوي على ماء في حالته السائلة.

وقد ذهب الفلكي الأمريكي "بيرسيفال لويل" (Percival Lowell) إلى ما هو أبعد من ذلك في بداية القرن العشرين عندما قام برسم خارطة مفصلة لكوكب المريخ تظهر بها القنوات المائية الصناعية التي وصفها على أنها بُنيت بأيدي حضارات تقطن في المريخ، والهدف من هذه القنوات هو إيصال المياه من قطبي الكوكب إلى خط المنتصف2.

لكن مع بزوغ ثورة التكنولوجيا التي اجتاحت المختبرات والمعامل والمصانع إبّان الحرب العالمية الثانية عام 1945، كان لتكنولوجيا الفضاء النصيب الأكبر من ذلك الحراك العِلمي. وبعد قرون طويلة من التأمل والمراقبة عن بعد، تكلل اهتمام الإنسان بالسماء والفلك بزيارة كانت مرتقبة دوما بين الإنسان والكوكب الأحمر البعيد عنا جدا.

فقد أطلقت وكالة الفضاء ناسا بتاريخ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1965، مركبة الفضاء "مارينر4" (Mariner4) برحلة هي الأولى من نوعها اتجاه الكوكب الأحمر، لتضع القول الفصل في حقيقة ماهية تلك القنوات المائية، فكان واضحا ومفاجئا من أول صورة التقطها المسبار الفضائي أن لا أثر لوجود ماء على سطح المريخ، وأن كل تلك الادعاءات بشأن القنوات ليست إلا أضغاث أحلام فلكية3.

في 15 يوليو/تموز 1965، التقط مسبار "مارينر4" هذه الصورة لسطح المريخ من على ارتفاع 1200 كيلومتر، بعد رحلة استغرقت ثمانية أشهر انطلقت من الأرض.

وبين عشية وضحاها، انقلب العلماء على أعقابهم وتبددت جميع تصوراتهم عن سطح المريخ، وبدا لهم أن تخيلاتهم لم تكن إلا فقاعة فارغة قد انفجرت في لحظات. سارع العلماء لاحقا لالتقاط آلاف الصور من كوكب المريخ وأرسلوا المزيد من الأقمار الاصطناعية، لكن عددا قليلا منها كان معدا بنظام يدعم إمكانية الهبوط على سطح الكوكب الأحمر.

 

أوليمبوس.. أطول جبل في المجموعة الشمسية

وفي عام 1976، قامت وكالة ناسا بإرسال مسباري "فايكنج1″ (Viking1) و"فايكنج2" (Viking2) ضمن مشروع "فايكنج الفضائي" لاكتشاف سطح المريخ، وعند وصولهما استطاعا أن يلتقطا صورا كثيرة متعددة ومتفرقة شكلت فيما بعد لوحة فسيفساء هائلة توضح على نحو دقيق البيئة القاسية لكوكب المريخ.

لقد أوضحت الصور الملتقطة وجود علامات جغرافية مميزة على سطح المريخ، كتلك المنطقة البركانية التي تعرف اليوم بهضبة "ثارسيس" (Tharsis) وتحتوي على ثلاثة جبال ذات قمم بركانية، ابتداء من الشمال قمة "اسكريوس" (Ascraeus Mons) ثم قمة "بافونيس" في الوسط (Pavonis Mons) وأخيرا القمة الجنوبية "أرسيا" (Arsia Mons). وعلى يسار الهضبة البركانية يقع أكبر جبل في المجموعة الشمسية، جبل "أوليمبوس" (Olympus Mons) الذي يبلغ ارتفاعه حوالي ضعفين ونصف من ارتفاع قمة إيفرست الشهيرة الكائنة في كوكب الأرض.

أما تلك الأخاديد والوديان التي تخيلها الأقدمون على أنها قنوات مائية فليست إلا تصدعات وتشققات كما توضح الصور التي التقطتها عدسات ناسا، ويعود سببها -كما يعتقد الباحثون في جيولوجيا المريخ- إلى أن الحمم الهائلة المتدفقة من البراكين أدت إلى عوامل التعرية في القشرة فأظهرت تلك النتوءات، ويطلق على هذه المجموعة من الوديان "فاليز مارينيرز" (Valles Marineris)، ولشدة ضخامتها فهي تشغل تقريبًا خمس مساحة كوكب المريخ4.

هضبة البراكين "ثارسيس" وعلى يسارها قمة "أوليمبوس" أضخم جبل في المجموعة الشمسية.

العربة الروبوتية "سوجورنر" تقف أمام إحدى الصخور المريخية

 

رواسب ملحية.. بقايا معدن الحياة المتبخر

لاحقا في تاريخ في 20 يوليو/تموز 1997، أرسلت وكالة ناسا مسبار "باثفايندر" (Pathfinder) الذي كان يحمل معه أول روبوت متحرك يُرسَل إلى المريخ ويُدعى "سوجورنر" (Sojourner) يمكن التحكم به من الأرض، وهو مبرمَج على سرعة تحاكي سرعة الحلزون للحد من استهلاك الطاقة وللحفاظ على سلامة الروبوت من وقوع أي حادث مفاجئ، وكان الهدف الرئيسي من هذه الرحلة هو دراسة تربة المريخ.

وبعد سبع سنوات، وبالتحديد في عام 2004، حولّ علماء ناسا اهتمامهم في البحث عن حقيقة وجود المياه بحالته السائلة على سطح المريخ فيما سبق، وذلك بإرسال مسبارين يحمل كل منهما عربة صغيرة هما "أبورتشيونيتي" (Opportunity) و"سبيريت" (Spirit) اللتان استطاعتا أن تحللا عينات من الصخور وترسلا البيانات إلى الأرض.

وبعد تحليلها وجد العلماء إشارات لرواسب ملحية على الصخور، مما يشير إلى وجود مياه مالحة على سطح المريخ كانت موجودة فيما مضى ثم تبخرت، وقد أعلنت ناسا عن موت عربة "سبيريت" في منتصف 2011، بينما استمرت عربة "أبورتشيونوتي" في العمل حتى منتصف عام 2018.

نطاق الحياة حول الشمس وفيه يقع كوكبا الأرض والمريخ

 

منطقة الحياة.. حرارة تلائم الإنسان

في طور البحث عن كوكب آخر صالح للحياة بعيدا عن الأرض، استوجب على الفلكيين أن يحددوا نقاط بحثهم في الفضاء نظرا للمساحات الشاسعة فيه، لذا قصدوا البحث في المنطقة المحيطة بالنجم والتي تعرف بنطاق للحياة (Habitable Zone)، حيث تتناسب مساحة هذا النطاق مع حجم النجم وكتلته، فالكواكب الموجودة في هذا النطاق تستقبل من نجمها كمية معتدلة من الطاقة والحرارة.

ووفق معادلات معيّنة، استطاع الفلكيون تحديد أبعاد هذه المنطقة، ووجدوا بأن كوكب المريخ يقع ضمن هذا النطاق، على نقيض كوكبي الزهرة وعطارد اللذين يستقبلان كمية كبيرة من الحرارة، وكذا الأمر بالنسبة للكواكب البعيدة عن الشمس فإنها لا تحصل على الحرارة المطلوبة لعيش الإنسان.

 

أساسيات العيش.. إلى ماذا نحتاج في المريخ؟

يُرجع علماء الفلك إمكانية استيطان سطح أي كوكب إلى مدى التشابه بينه وبين الأرض، فالمريخ يشترك مع الأرض في خصائص عدة، مثل ميلان محور دورانه بزاوية 25 بما يشابه ميلان محور الأرض 23,5 درجة، الأمر الذي يؤدي إلى تعاقب الفصول الأربعة، ويظهرُ بسببه الجليد على قطبي الكوكب الأحمر.

من السمات المشتركة أيضا بين الكوكبين وجود غلاف جوي محيط بالكوكب، على الرغم من أن الغلاف الجوي في المريخ رقيق (أقل منه على الأرض بمئة مرة) ومع ذلك فهو يؤدي إلى اختلاف مستمر في الضغط الجوي على مدار السنة، فنجد أن ثاني أوكسيد الكربون الذي يشكل 95% من الغلاف الجوي يتحول من حالته الغازية إلى الصلبة في موسم الشتاء بسبب انخفاض الضغط الجوي، وفي الصيف يعود إلى حالته الغازية ضمن عمليتي الترسيب والتسامي المستمرتين5.

ويشير علماء وكالة الفضاء ناسا إلى أنّ هناك ثلاث ضروريات لا بد من توفرها على سطح المريخ وفي غلافه الجوي لتساهم في وجود الإنسان على سطح المريخ وهي: الماء بحالته السائلة والنيتروجين والأوكسجين. أما بالنسبة للماء فيمكن استغلال المياه المتجمدة في قطبي الكوكب وتحويلها إلى حالتها السائلة، وأما النيتروجين فيتمثل في النترات الموجودة في التربة، التي تساعد على نمو النباتات والخضروات، لكن تربة المريخ شحيحة بالنترات، لذا اقترح مجموعة من العلماء إمكانية بناء دفيئات زراعية (greenhouse) لعلاج المشلكة. وأخيرا الأوكسجين الذي على الرغم من أنه يشكل من الغلاف الجوي نسبة ضئيلة جدا تقدر بـ0.16% إلا أنّ العلماء متفائلون بإمكانية استغلال غاز ثاني أوكسيد الكربون الموجود بوفرة وتحويله إلى أوكسجين.

برنامج "مارس ون" لاستيطان المريخ كاد أن ينجح لولا المشاكل العلمية والتقنية

 

مستعمرة الإنسان على المريخ.. إفلاس الحلم

على مرّ تاريخ البشرية، حمل مصطلح الاستعمار في مجمله كثيرا من معاني الدمار والقتل، كوصول رحلات الاستعمار إلى القارة الأمريكية "العالم الجديد" على يد الرحالة الأوروبي "كريستوفر كولومبوس" عام 1492، وما تلاها من رحلات عدة إلى شتى أرجاء المعمورة من قبل الممالك الأوروبية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ولكن يبدو أنّ الأمر سيكون مختلفا هذه المرة فيما يتعلق بإنشاء مستعمرة للإنسان خارج قواعد الأرض.

ويخبرنا التاريخ بأن عملية الاستعمار تأتي على ثلاث مراحل متتالية، وهي إرسال رحلات استكشافية، ثم تشييد قواعد للاستيطان، وأخيرا استقطاب رجال الأعمال والعمالة للاستفادة من ثروات الأرض المستعمَرة. وسيمرّ استعمار الإنسان لكوكب المريخ بتلك المراحل الثلاث، ويمكن القول إن البشرية قد بدأت فعليا في المرحلة الأولى وما زالت في أطوارها منذ أن أرسلت أول مسبار فضائي لاكتشاف سطح الكوكب الأحمر.

وللدخول في المرحلة الثانية وهي إرسال بعثات بشرية إلى كوكب المريخ وبناء مستوطنات بشرية عليه، تبنّت منظمة هولندية تدعى "مارس وَن" (Mars One) عام 2012 مشروع إرسال أول إنسان إلى المريخ، وكانت تهدف إلى إرسال أربعة رواد فضاء بحلول عام 2022 إلى المريخ برحلة ذهاب بلا عودة، وفي العامين التاليين ستقوم بإرسال مجموعة أخرى من الرواد وهكذا إلى أن يكتمل تشييد أول مستعمرة على المريخ، لكن المنظمة أعلنت إفلاسها لاحقا عام 2019 بسبب عدم إلمامها بالأمور اللوجستية والسلامة الطبية لرواد الفضاء، لأنها كانت أشبه بعملية انتحار جماعية خارج الأرض بحسب قول الناقدين من المؤسسات العلمية.

ربما لا نزال بحكم التكنلوجيا والمعرفة التقنية، نصارع طريقنا نحو الفضاء، وقد يستغرق الأمر بعضا من الوقت للإقبال على خطوة جريئة في إرسال رائد فضاء في رحلة مدتها تتراوح بين خمسة أشهر إلى عشرة لاستعمار كوكب المريخ، لكن من العظيم أن يمتلك الإنسان اليوم معلومات وبيانات كافية تخبره بإمكانية حدوث ذلك من عدمه، فإن لم يكن غدا، فبلا شك سيكون في يوم ما.

 

المصادر

1.    مارك كارترايت. 2014. المريخ www.ancient.eu

2.    رسم ملون للمريخ من بيرسيفال لويل www.azmemory.azlibrary.gov

3.    غاري داينز. 2017. مارينر 4 صورة المريخ www.nasa.gov

4.    نولا تايلور ريد. 2017. فالز مارينرز: حقائق عن جراند كانيون المريخ www.space.com

5.    ميشيل ستار. 2019. الأكسجين على المريخ يتصرف بطريقة لا يمكن للعلماء شرحها www.sciencealert.com