تقارير

الهند.. من أرض المغول شوقا إلى البيت العتيق

 

خاص-الوثائقية

الهند بلد العجائب والحكايا والخرافات، أرض مليئة بالتناقضات والاختلافات ليس لها مثيل في العالم، كما أنها تزخر بموروثاتها الحضارية والدينية والإنسانية.

يعيش فيها أكثر من 150 مليون مسلم، وهم يعادلون نحو 12% من مسلمي العالم. من تلك البقعة الرائعة من العالم تبدأ رحلتنا في هذا الفيلم الوثائقي الذي تبثه الجزيرة الوثائقية بعنوان ”الرحلة إلى الحج.. الهند“.

في قلب العاصمة دلهي، وهي أقدم مدينة هندية حكمها الإسلام، يوجد حي تقليدي للمسلمين قرب المسجد الجامع يسمى أوردو بازار، تنطلق منه رحلتنا مع مجموعة ممن حالفهم الحظ لأداء مناسك الحج، وهم بابو خان وزوجته، وحفيظ وزوجته كلثوم، ومكي ووالدته سهناز وعدد من أفراد عائلته.

يهيمن منظر المسجد الجامع الذي بناه الإمبرطور المغولي شاه جاهان، والذي بنى تاج محل إحدى عجائب الدنيا السبع تخليدا لذكرى زوجته

بُني المسجد قبل أكثر من 400 عام، وهو مسجد ضخم تتسع باحاته لنحو 25 ألف مصل، ولكن من المؤسف أنه تعرض لهجوم في عام 2006، مما فرض وضعا أمنيا مشددا على بواباته ومداخله وفي محيطه.

يعيش في تلك المنطقة أكثر من مليون مسلم، وقد ترك تاريخ الإسلام الغني لهذا الحي أثرا بالغا في ساكنيه والذين يعبّرون في حياتهم عن إيمان عميق بالله.

قرعة الحج

يقول بابو خان عن مشاعرة عقب ورود اسمه في قرعة الحج، ”إذا أردت أن تشعر بوجود الله فلا تبحث عنه، لأنك إذا كنت ترغب برؤيته فيجب أن تتمتع ببصيرة قوية لتراه في كل ما حولك، الله نور لا يمكن لأحد أن يراه، ولكن انظر إلى مخلوقاته كي تخبرك عنه وعن عظمته، منذ طفولتي وأنا أصلي لله وأطلب منه زيارة بيته المبارك“.

هذه الكلمات تنبئ كثيرا عن حال من يسكنون ذلك الحي البسيط، فهم معروفون بتدينهم، ويعتبرون أنفسهم قدوة لغيرهم من مسلمي تلك البلاد.

فها هي كلثوم زوجة حفيظ تتحضر لرحلة طال انتظارها، وتشتري لوازم الحج وتعد العدة لسفر طويل، تقول إنها سعيدة جدا بالذهاب إلى مكة، ”هذا ما كنت أتمناه والله سبحانه حقق لنا هذه الأمنية الآن وأذن لنا بزيارة بيته“.

قدم ولدها عبد وزوجته ريشوم لقرعة الحج، لكن الحظ لم يحالفهما، حزنهما مضاعف لأنهما لن يستطيعا الحج ولن يستطيعا تقديم المساعدة للعجوزين كلثوم وحفيظ في رحلتهما.

وعلى الرغم من ذلك فإن الزوجين العجوزين ليسا مهتمين، فشوقهما العارم للبيت الحرام أذهب عنهما كل هم، وكل ما يفكران به هو عدّ الأيام المتبقية لسفرهما إلى مكة.

حفيظ وكلثوم لهما ستة أبناء، عملا بجِد ثلاثين عاما في كشك صغير لبيع السمك والخضراوات، وعلّما أبناءهما وزوّجاهم، وفي هذا الوقت شعر أنه عليه القيام بواجب ربه وأداء الركن الخامس.

يقول حفيظ ”لقد منّ الله علينا بالكثير وعلينا أيضا أن ننفق في سبيل أداء فروضه، وإن لم نفعل سنكون مقصرين، أي شخص وفر مالا عليه أن يستغله في أداء فريضة الحج“.

بابو خان (58 عاما) أب لعشرة أبناء، وله متجر صغير لبيع الملابس، يقول ”لقد قدّمت للحج أنا وزوجتي مرتين فلم يحالفنا الحظ، هذه المرة أشعر بالسعادة والامتنان أن اختارني الله، نحن ذاهبون بمشيئة الله لبيت الله مالك هذا العالم الذي منحنا كنوزه ولم يجعلنا بحاجة أحد“.

الطبقية الموجود في الهند لا تؤثر على المسلمين، فكلهم يملك الفرصة للتقديم إلى هذه الوكالة للحصول على تأشيرة الحج

بيت الحجاج

في نفس منطقة جامع مسجد وفي شارع خان خان، تسكن عائلة غنية تملك محلات لبيع السمك بالجملة هي عائلة مكي، تمكنت تلك العائلة من التركيز على موضوع الحج، فكل من في هذا البيت أدى فريضة الحج مرات عديدة، حتى بات يُعرف ببيت الحجاج.

مكي (26 عاما) هو المسؤول الثاني عن تجارة العائلة بعد والده، وهو شخصية معروفة بالحي، وقد ترشح لانتخابات المجلس البلدي في منطقته، ومع ذلك لم ينشغل عن الحج، وهذه المرة الثالثة التي يؤدي فيها هذه الفريضة.

يقول مكي ”لدينا إيمان مطلق بالله تعالى وقد أسدل الله علينا نعمه، ومنّ علينا عندما أذن لنا بالحج للمرة الثالثة، وهي نعمة كبيرة، فالله تعالى يأذن لمن يحبهم“.

ويضيف ”أرغب بالذهاب إلى هناك مرارا وتكرار، عندما ذهبت لأول مرة ورأيت مكة زاد حبي وشوقي لها، وبطريقة ما أريد الذهاب كل عام“.

أما والدته شهناز فتتذكر أيام طفولتها الأولى وزواجها، وتقول ”لم نولد وفي فمنا ملعقة من الذهب، كان زوجي بائع سمك بسيط، لكنه بدأ ينوع عمله إلى أن أصبح بائع جملة كبيرا، لا أنسى كيف بدأنا بتوفير النقود وإيداعها في البنك من أجل الحج الذي كان بالنسبة لي حلم جميل بعيد المنال، كنت أبكي ليل نهار وأطلب منه سبحانه أن يأذن لي بزيارة بيته“.

نظمت الحكومة الهندية عدة رحلات طيران خاصة للحجاج لتستوعب الأعداد الكبيرة الذين تختلج في أضلاعهم مشاعر ممزوجة

وكالة الحج

في هذه البلاد ذات الغالبية الهندوسية، تهتم وكالة تابعة لوزارة الخارجية بشؤون الحجاج المسلمين، وتسمى وكالة ”هيئة بيت الحج“ وقد تأسست عام 2002، كما أن هناك وكالات محلية، لكن الحجاج الذين يقدمون عن طريق هذه الوكالة يحصلون على تسهيلات ودعم من الحكومة، ويتم اختيار الحجاج فيها عن طريق القرعة.

الطبقية الموجود في الهند لا تؤثر على المسلمين، فكلهم يملك الفرصة للتقديم إلى هذه الوكالة للحصول على تأشيرة الحج، وعملية القرعة تجعل الأمر عادلا وتخلق لديهم شعورا بالإيمان بالقدر.

تهتم وكالة تابعة لوزارة الخارجية بشؤون الحجاج المسلمين، وتسمى وكالة ”هيئة بيت الحج“

أشواق للبيت العتيق

مع اقتراب موعد السفر يحزم المسافرون إلى الله تعالى أمتعتهم وحقائبهم، ومعها أشواقهم ودعواتهم بأن يحفظهم من ناداهم لزيارة بيته، لا يدعون فرصة إلا وقد تعلموا فيها شيئا يفيدهم في أداء مناسكهم على أكمل وجه، ”فالحج بالنسبة لهم وقوف بين يدي الله تعالى يحسن الاستعداد له“.

تبدأ مراسم وداع الحجاج كل في بيته وحيّه، ويهتم المسلمون بهذه المراسم تعبيرا عن حبهم بعضهم بعضا وتآلف قلوبهم، فهم أقرب لبعضهم بعضا وأشد تلاحما من غيرهم في أي بقعة من العالم، لأنهم يعلمون أنهم أقلية وسط موج متلاطم من الهندوس.

توضع أكاليل الورد –التي تعتبر أفضل وسيلة للتعبير عن المشاعر في حالات الوداع- على الحجاج حتى تنوء بها أعناقهم، وتنهمر الدموع سحا على الوجوه وتجيش العواطف في مشهد لا يتكرر إلا مرة كل عام، وترتفع أصوات التكبير.

بالنسبة لكل ذاهب إلى الحج قد تكون هذه آخر مرة يرى فيها أفراد عائلته، فالذاكرة محملة بكثير من الحوادث التي لم يعد أصحابها إلى أحبابهم، مع أن الموت في الديار المقدسة بحد ذاته حلم لكل حاج من هؤلاء، فهم يعتبرونه شرفا ليس فوقه شرف.

في هذا الخضم، يُعتبر المسلمون من كبار السن أمثال بابو خان وحفيظ وكلثوم تصويرهم أمام الكاميرات أمرا صعبا، فهم جزء من مجتمع تقليدي محافظ يرفض أي تصرف قد يلهيهم عن العبادة، وهم ”مؤمنون صادقون“، حتى حين يعبّرون عن أفكارهم المتعلقة بالحج يحافظون على تصرفاتهم وفق آداب محددة.

ومع كل ذلك، لا ينفي بابو خان الإثارة التي يشعر بها، إذ يقول ”لا أحد من أفراد عائلتي سبق له الذهاب إلى الحج، إنها فريضة مبهجة، نحن ذاهبون إلى دولة مختلفة باركها الله، إنها مكان طاهر جدا، كثير من الرسل ولدوا هناك، سنصلي ونطبق الشعائر وفقا لما ذكر بالقرآن الكريم، نحن ندرس ونجمع المعلومات حول ذلك، إنها المرة الأولى لنا ولا نريد أن نرتكب أخطاء“.

الذاهبون إلى الحج في كل حي يصبحون نجوما ومحط أنظار الجميع، فهم محظوظون لأن الله إذن لهم بزيارة بيته الشريف، يقول بابو خان ”سندعو لأجل أولئك الذين لم يتمكنوا من الذهاب إلى الحج“.

توضع أكاليل الورد –التي تعتبر أفضل وسيلة للتعبير عن المشاعر في حالات الوداع

سفر على موعد

نظمت الحكومة الهندية عدة رحلات طيران خاصة للحجاج لتستوعب الأعداد الكبيرة الذين تختلج في أضلاعهم مشاعر ممزوجة، فالحج في نظر كثير منهم تجربة فريدة تكتنفها رهبة ورغبة، جوهرها أن يتمتع الحاج بنقاء السريرة وسلامة النية.

وعلى مدى 12 يوما توافدت جموع الحجاج إلى مطار دلهي الدولي، فلم تمنع مواعيد الرحلات المتأخرة أعدادا كبيرة من المودعين من القدوم إلى المطار للتعبير عن الحب والتقدير للحجاج.

تقول شهناز والدة مكي ”في كل مرة أسافر إلى الحج أشعر كأنها أول مرة، لا أستطيع الارتواء منه، كثيرا ما أسافر لكن لا يأتي أحد لوداعنا، أما في الحج فالجميع يريد أن يودعنا ويرانا قبل السفر، أنا في شوق كبير للوصول“.

يصل الحجاج إلى مبتغاهم ويحققوا آمالهم برؤية الكعبة والطواف حولها والوقوف بعرفات وأداء المناسك جميعا وزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، بينما يؤدي المسلمون في جميع أنحاء العالم عباداتهم في تلك الأيام بقلوب خاشعة عامرة بالإيمان.

وتستمر دورة الحياة حيث يدير نجل بابو خان محل والده لبيع الملابس، وكذلك يفعل عبد الذي يحل مكان مكي خلال غيابه في رحلة قد تتواصل إلى نحو شهرين.

يرغب الشباب من الحجاج الهنود في توثيق رحلتهم بالصور، وهو ما فعله مكي ليطلع عليها من بقي من عائلته في دلهي، وقد تمكن من تصوير كلثوم وحفيظ بهاتفه النقال رغم أنهما لا يرغبان بذلك، ويريدان التركيز على العبادة.

الذاهبون إلى الحج في كل حي يصبحون نجوما ومحط أنظار الجميع

رغبة في مجاورة الكعبة

بعد شهرين من سفر الحجاج تعود لمطار دلهي الحشود، لكن هذه المرة لاستقبال العائدين من الحج، تغمر المكان بهجة وفرحة قل نظيرها، ممزوجة بأصوات التكبير التي ترتفع مرحبة بالقادمين، الذين عادوا وكلهم أمل أن يكونوا قد تطهروا من ذنوبهم.

تقول شهناز ”ينتابني شعور رائع.. الله أكبر، رغم أن الوقت متأخر فإنهم جاؤوا جميعا للترحيب بنا واستقبالنا وهذا بدافع حبهم الشديد وتوقهم للحج“.

غادروا المطار إلى بيوتهم هذه المرة تحيط بأعناقهم أكاليل الياسمين، وفي صدر كل منهم بوح إلى أحبائه وأحاديث عن رحلة العمر التي فيها أقبلوا على الله.

ولديهما الكثير مما يروونه، تقول أم مكي ”نحن سعداء ولا يمكننا إخراج ذلك المشهد من مخيلتنا، كل الأماكن الأخرى أشبه بالغابة إذا ما قورنت بذلك المكان، أصبح كل شيء رديء مقارنة به“.

في منزل حفيظ وكلثوم كان الزوجان العجوزان متحفظان في البداية ويرفضان التصوير لأنهما يشعران أنه أمر مقدس ويجب أن يبقى خاصا وشخصيا، لكنهما وافقا في النهاية.

يقول حفيظ ”لم نشعر بالرغبة في العودة مرة أخرى إلى هنا“، أما زوجته كلثوم فتقول ”يقول الجميع عندما يتحدثون إلينا إننا ما زلنا هناك، لقد أحببنا ذلك المكان وأردنا البقاء للأبد“.

لقد مضى أسبوعان على عودتهما، لكن ذكرى مكة والكعبة حية في أعماقهما، يقول حفيظ ”عندما رأيت الكعبة لأول مرة لم أكن متأكدا ما إذا كنت أرى صورة حقيقية، كان الأمر أشبه بلقاء شخص أحبه، انتابني شعور رائع عندما رأيتها، الناس يبدؤون بالبكاء دون أن يشعروا، وأنت لا تجبر نفسك على ذلك، لكنك تبدأ دون أن تشعر“.

أما كلثوم فتقول عن عودتها لبيتها ”عندما جلسنا خارج البيت كنا نتساءل: أين نحن؟ كأننا في الغابة، الأزقة أصبحت تبدو مختلفة، نشعر بالظلام هنا“.

رحلة بابو خان كانت متعبة ومرهقة، لكنه يقول ”كانت مميزة لدرجة أنني لا أرغب بالعودة، لقد خضت صراعا مع نفسي أنه لا يجب أن أعود ولكن العودة وجبت علينا جميعا، لقد فطر فؤادي مغادرة مكة“.

يختم بابو بقوله ”يبدأ الحج بهدف بسيط هو نية الذهاب للتقرب إلى الله، لكنه وحده هو الذي يعرف النوايا الحقيقية، والنوايا كلها توضع تحت الاختبار في مكة وفقا لمشيئة الله“.