تقارير

"الهويات القاتلة".. نزعة إجرامية بدافع غريزة البقاء

 

مهدي المبروك

تتشكل هوية الإنسان من خلال تأثره بالبيئة المحيطة به، وتلعب مراحل العمر ومعترك الحياة دورا مهما في صياغة أبعادها وتحديد ملامحها، كما أنها لا تثبت على حال واحدة، بل هي مزيج من الأحوال تجري في بحر الحياة الذي تتلاطمه أمواج الظروف مغيّرة من المبادئ التي كان الفرد مؤمنا بثباتها، مؤكدة على ثبات معتقدات كان يعدها سابقا من المتغيرات.

ربما تدفع الظروف شخصا ما لتبني هوية عدوانية إذا تعرض للاعتداء على لونه أو دينه او عرقه أو الاستهزاء بشخصيته ولكْنته، وبالمقابل يحافظ على مسالمته إذا شعر بالأمن والأمان على ممتلكاته الإنسانية، ومارس حياة طبيعية يغشاها الاستقرار وتحيط بها الراحة والهدوء.

في لبنان وقعت الحرب الأهلية عام 1975 بين الطوائف المتعددة والأحزاب المختلفة تحت ذريعة الدفاع عن الهوية التي مزقها الآخر، وقد دفعت تلك الأجواء المليئة بأحداث القتل والتخريب الداخلي الكاتب أمين معلوف أن يؤلف في مهجره بفرنسا كتاب "الهويات القاتلة" باللغة الفرنسية عام 1998، ثم أعيدت طباعته باللغة العربية عام 2003 من خلال دار الفارابي للنشر.

بين أيدينا إحدى حلقات برنامج خارج النص الذي بثته قناة الجزيرة عن الكتاب ومؤلفه، حيث يظهر في الفيلم عدد من الأفكار التي طرحها الكتاب حول الهوية القاتلة.

 

منع الوحش من الخروج.. محاولة لتجديد الهوية العربية

يرى أمين معلوف أن الانتماء لهوية ما لا يحمل نزعة إجرامية، ولكن الشعور بالخوف المهدد للوجود ينتج القتلة الذين يعتبرون جرائمهم محل بركة الإله وإعجاب الإخوان. يقول الكاتب: إن الخوف قد يدفع أيّ إنسان نحو الجريمة، لذلك يجب منع الوحش القابع في قرارة أنفسنا من الخروج.

ظهر هذا الكتاب في مرحلة انتشرت فيها فلسفات عديدة مثل أنسنة القاتل، ورفض التطبيع الثقافي مع الاحتلال الإسرائيلي، خاصة بعد توقيع مصر لاتفاقية السلام، إضافة لظهور نظريات عالمية مثل صراع الحضارات ونهاية التاريخ.

يقول الصحفي بيار أبي صعب عن الكتاب: "هو محاولة لتجديد الهوية العربية من وجهة نظر تعددية ومنفتحة" وهذا ما جعل للكتاب أهمية ورسالة قيمة في ذلك الزمن.

كتاب أمين معلوف محاولة لتجديد الهوية العربية من وجهة نظر تعددية ومنفتحة

 

"أقف على مفترق بين بلدين ولغتين".. صراع الكاتب الداخلي

يعد هذا الكتاب بمثابة السيرة الذاتية لكاتبه أمين معلوف، إذ يقول الكاتب السياسي سعيد كيوان: لأنه يحوي كل ما واكب حياته في الشرق والغرب، وهذه التفاعلات ربما تشكل هوية مركبة.

وعلى الرغم من كاثوليكية معلوف وحياته في لبنان قبل انتقاله إلى فرنسا عقب الحرب الأهلية وحياته هناك، فإنه عند سؤاله عن هويته أفرنسي هو أم لبناني يقول: "أقف على مفترق بين بلدين ولغتين أو ثلاث لغات ومجموعة من التقاليد الثقافية، فهل أكون أكثر أصالة لو استأصلت جزءا من كياني؟"، فهو إذن يعتبر نفسه فرنسيا وفي ذات الوقت لبنانيا.

يقف معلوف موقفا توفيقيا في هويته يريد أن يرضي به جميع الأطراف، إلا أن له فلسفة في تحديد هويته، فهو يعتقد بأن "الهوية لا تتبدل ولا تتجزأ مناصفة أو مثالثة، وإنما هي هوية واحدة صنعتها جرعة من عناصر خاصة لا تتطابق مطلقا بين شخص وآخر فليس لديه هويات متعددة".

يقول الكاتب السياسي المغربي عمر مرابط: ينطلق معلوف في تعريفه للهوية من تجربته الشخصية، فهو يحاول الجمع بين شخصيته المتعددة التي خاضت عدة تجارب في الغرب والشرق، لأن انتماءات الإنسان عديدة، منها ما هو للفكر وأخرى للثقافة وغيرها للسكن، إلا أنَّه لم يلجأ لتبرير أي خلل في شخصيته إلى أي عيب في تلك الانتماءات.

يتساءل الكاتب عن عجز المسلمين عن إقامة قيم التسامح الذي هو جوهر دينهم والمعبر عن تاريخهم

 

قيم التسامح الإسلامي.. مبادئ نبيلة عجز أهلها عن إقامتها

يثير أمين معلوف في كتابه مسألة عجز المسلمين في العصر الحاضر عن إقامة قيم التسامح الذي هو جوهر دينهم والمعبر عن تاريخهم واستبدالهم لذلك بالإرهاب والقتل ورفض الغير، وبالمقابل يتحدث عن قدرة المجتمع الغربي على إقامة التعايش في المجتمع الإنساني على الرغم من تاريخهم المليء بالقتل والإرهاب.

لم يهمش معلوف التاريخ الإسلامي، ولم يرفع من أخلاق الاستعمار الفرنسي. يقول حسن خليل مدير الفارابي للنشر: يرى معلوف أنّ كل النظم التي حكمت المنطقة كانت تحاول أن تجد تسوية مع الفكر الديني، ويمثل هنا بالدولة العثمانية التي حكمت لفترة طويلة من الزمن مناطق واسعة، لكنه لم يُحمّل الإسلام سوء التدابير والانقسامات السياسية التي تعيشها الإنسانية.

يرى أمين معلوف بأن حضارة الغرب قد أمسكت بزمام الأرض وأصبح علمها هو العلم وطبها هو الطب

 

حضارة الغرب.. رحلة من الصراع إلى التسامح

يرى الكاتب في الحضارة الغربية حدثا منقطع النظير حين يقول: "تسلمت حضارة معينة زمام الأرض وأصبح علمها هو العلم وطبها هو الطب وفلسفتها هي الفلسفة، وانتشرت حركة التمحور حولها في كل الميادين والقارات معاً"، ولذلك يرى الكاتب المغربي محمد سبيلا أن ثقافة الغرب انتقلت من التشدد والصراع الى التسامح والتعايش.

في ذات القضية لا يمكننا الحديث عن حالة التحرر والانفتاح الحالية التي تعيشها أوروبا بمعزل عن الحروب التي خاضتها في التاريخ لفصل الدين عن الدولة حتى تصل إلى حالة الانفتاح الحالية. يقول الكاتب المغربي حسن أوريد: لا يمكن أن نجري مقارنة دون ذكر تلك الصراعات.

لم يتناول معلوف حرب الجزائر الأهلية الطاحنة التي كانت قائمة وقت إصداره للكتاب عام 1998

 

٣٠ صفحة حول الاستعمار والتحرير.. حرب الجزائر الأهلية

ينتقل بنا مخرج الفيلم لعرض مشاهد من احتلال فرنسا للجزائر وثورة الجزائريين في وجه الاستعمار، لم يتناول معلوف حرب الجزائر الأهلية الطاحنة التي كانت قائمة وقت إصداره للكتاب عام 1998، لكن أبرز ما قاله عن الجزائر: "أن هذه الدولة لا يمكن فهمها عبر مجلدات من تاريخ الإسلام، يكفي أن تقرأ ثلاثين صفحة حول الاستعمار والتحرير لفهمها".

ليست من الممكن نسبة الحرب الأهلية لهوية الجزائريين المتناحرين آنذاك. يقول المفكر السياسي "فرنسوا بورغا": لا تنسبوا لثقافة الناس المضطهدين في الأرض مسؤولية معاناتهم.

يعتقد معلوف أن إسرائيل لا تقوم على أساس الدين فحسب، بل لأن مواطنيها يمتلكون لغة عبرية حديثة

 

إسرائيل العبرية.. "اللغة هي أساس المواطنة"

يرى أمين معلوف أن اللغة هي أساس المواطنة، لذلك اهتم أن يكون مؤلفا باللغة الفرنسية وعضوا في الأكاديمية الفرنسية العريقة عام 2011.

ويعتقد أن إسرائيل لا تقوم على أساس الدين فحسب، بل لأن مواطنيها يمتلكون لغة عبرية حديثة. يقول: "إن من يعيش أربعين عاما في إسرائيل دون أن يُقبل على تعلم العبرية يبقى على هامش الدولة"، فالكاتب لا يريد أنسنة إسرائيل، فهي قاتلة الشعب الفلسطيني وسالبة أرضه، لكنه يسعى إلى فهم الآخر وتحديد هويته.

وينتقل بنا مخرج الفيلم إلى مشاهد من إطلاق الإسرائيليين النار على منازل الفلسطينيين وتجمعاتهم وتفجير منازلهم والعبث فيها.

يرى معلوف أن الهويات المتعددة في بلد ما ينبغي أن تكوّن جسورا للتلاقي والتسامح بين كل مكونات المجتمع

 

شهوة السياسة والنفوذ.. ذريعة حروب الهوية

يقول أمين معلوف: الهوية مؤلفة من انتماءات متعددة، ولكن لا بد من التأكيد كذلك على أنها واحدة وأننا نعيشها بكليتها فهوية الإنسان ليست سلسلة من الانتماءات المستقلة وليست رقعا بل رسم على نسيج مشدود، ويكفي أن ينتهك انتماء واحد لينفعل الإنسان بكل كيانه.

فعند الاعتداء على الإنسان بسبب لونه أو دينه أو لغته أو أي وحدة من العناصر المكونة لهويته فيمكن أن يدفعه ذلك للانتماء لهوية قاتلة يظهر من خلالها التناحر والقتل.

الهويات المتعددة الموجودة في بلد ما ينبغي أن تكوّن جسورا للتلاقي والتسامح بين المجتمعات الأصلية والبيئة المتعددة الانتماءات، وليس من الصعب على العرب أن ينتجوا هوية منفتحة على الآخر، وذلك لوجود النخب العربية المتعددة والكفاءات الكثيرة القادرة على صناعة ذلك دون أن تضيع الحقوق.

ربما كانت هوية الإنسانية واحدة، لذلك كان الدفاع عن الهوية من قبل الآخرين ذرائع لتبرير القتل وممارسة العنف وانتصار الإجرام على السلام في معركة الإنسان الداخلية على اختيار هويته، ولكن سرعان ما تنتهي معارك الدفاع عن الهوية ليظهر ما أخفته من ذرائع حقيقية خلف تلك الحروب الطاحنة التي كان سببها شهوة السياسة ورغبة السيطرة وحب النفوذ.

ذات صلة