تقارير

تشي غيفارا.. قصة ثائر تلتقي به في كل مدن العالم

 

خاص-الوثائقية

عندما كان حيا قاد المحاربين والعمال في كوبا وقاتل في غواتيمالا والكونغو وبوليفيا، وبعد موته اتسع نطاق قوته وتصدّر الجماهير في الاحتجاجات وحرّض على التمرد في نيويورك والقاهرة وصنعاء وباريس وفي كل أنحاء العالم.

في عام 1967 طارده الخصوم في أحراش بوليفيا، وما إن وصل إلى وادي ”فادو دي ليسو“ حتى وقع في كمين للعدو فكُبّل بالأغلال، وفي اليوم الموالي أطلقوا عليه رصاصة وبثوا صورة جثته للعالم ليتأكد الجميع أنه فارق الحياة.

لكنه رفض الموت، وما زلت تلتقي به في الميادين والساحات وحتى المحال التجارية وفي الملاعب الرياضية والمتاحف وأستوديوهات الفن والتصوير.

ورغم مرور 50 عاما على تصفيته لا تزال صورة تشي غيفارا رمزا للتحرر والثورة، وتوضع على القمصان وولّاعات السجائر وعلى الجدران والوشم والمطبوعات.

هذه الرمزية الخالدة يتناولها فيلم وثائقي يحمل عنوان ”تشي غيفارا.. كيف أصبح أيقونة للثورة والتمرد؟“. يبدأ الفيلم بمقطع فيديو من ميدان التحرير بمصر، ويظهر فيه محتجون يحملون صورة الثائر العابر للحدود ويهتفون: تشي غيفارا، تشي غيفارا.

يحاول مخرج الفيلم فك لغز ولع شعوب المعمورة بالطبيب والأديب والمقاتل ”إرنستو تشي غيفارا“ الذي ولد في الأرجنتين عام 1928 وانخرط في العمل التحرري في مرحلة مبكرة من عمره ثم التحق بالثورة الكوبية في الخمسينيات.

صور الثورة وشعاراتها

يتجول الفيلم في مناطق تأثير المتمرد الوسيم من كوبا إلى إيرلندا مرورا بجبال جورا الفرنسية، ويتحدث لكتّاب ومصورين وفنانين سحرتهم مسيرة تشي غيفارا وما زالوا يعشقونه ويحدقون في صورته كل يوم.

ومن هافانا القديمة يحكي الوثائقي قصة تستحق أن تروى، إنها نجاحات الثورة، التعليم للجميع والصحة مزدهرة إلى حد أن الكوبيين هم الأطول أعمارا بين شعوب أميركا الجنوبية. بصمات النظام الثوري لا تزال قائمة بعد مرور خمسين عاما من الشعارات القديمة والصور الرمزية.

وفي ميدان الثورة يتسيّد نصب تشي غيفارا المكان. وقد تزامن تصوير الفيلم مع احتفالات عيد العمال في اليوم الأول من مايو/أيار، وهي مناسبة لترديد شعارات الثورة وتمجيد طبقة الكادحين.

تشي غيفارا معهم في الميدان، وصوره في كل مكان من كوبا. إحدى هذه الصور التقطها ”روبيرتو سالا“ وتجمع غيفارا برفيق دربه قائد الثورة فيدل كاسترو.

في حديثه في الوثائقي يعود سالا بذاكرته لنهاية الخمسينيات قائلا ”كان ذلك أول يوم ألتقي فيه تشي وهو اليوم العاشر من الثورة“.

ظلت صور غيفارا تحظى بزخم كبير في شوارع كوبا وفي المجلات

ثائر وسيم

يتذكر روبيرتو سالا أنه وزملاءه لم يكونوا يومها مصورين صحفيين، وكانت الكاميرات التي بحوزتهم متواضعة، لكنهم واكبوا الثورة ورووها في الصور.

وتحكي هذه الصور يوميات الثورة وكيف ترك تشي غيفارا عمله طبيبا ليحمل السلاح إلى جانب كاسترو في جبال سييرا مايسترا.

ومن جبهة القتال يظهر تشي غيفارا في مقطع فيديو يخطب في المحاربين قائلا ”من خلال فكر وعمل قائدنا العظيم فيدل كاسترو..“.

وعندما انتصرت الثورة الكوبية في يناير/كانون الثاني 1959، أصدر كاسترو مرسوما يمنح الطبيب الأرجنتيني الجنسية الكوبية.

لكن غزو الصور لم يتوقف، فبعد أن انسحبت الشركات من كوبا وبقيت الصفحات الدعائية فارغة، قرر كاسترو ملء الشوارع بالصور التي تروي قصص الثورة ”ودفعها بهذا الأسلوب إلى الأمام“.

وظلت صور غيفارا تحظى بزخم كبير في شوارع كوبا وفي المجلات ”فقد كان وسيما وجذابا، الكاميرا تحبه ولا توجد صورة غير ناجحة له“، كما يقول روبيرتو سالا.

يرتبط غيفارا بعلاقات وطيدة مع التصوير، فقد كان مصورا في المكسيك وسبق أن عمل في وكالات أنباء، وعرف عنه أنه كان يشتري الكاميرات ويطلع على أنواعها الجديدة.

تقلد الثائر منصب وزير الصناعة في كوبا، وأعطى دفعة قوية للعمل التطوعي من أجل مجد الاشتراكية، وكان على علم بقيمة الإعلام فوظف الصور للدعاية لمبادئه العابرة للقارات.

لا تزال صورة غيفارا توضع على القمصان وولّاعات السجائر وعلى الجدران والوشم والمطبوعات

بطل خارق

ترمز لحيته إلى الوضع الخطير وأن العدو يقترب بحيث لا يسمح الوقت لحلاقتها، فيما ترمز النجمة على جبهته إلى الأفق المتألق الذي ينتظر الثائر الشاب.

وفي أطروحة دكتوراه من السوربون، جمع المؤرخ الشاب ”كميل بوزيل“ نحو 40 سلسلة مصورة لتشي غيفارا جلبها من جميع أنحاء العالم.

يقول بوزيل ”لقد فهم أهمية الصورة، وقوانين الثورة الكوبية يؤكد ذلك، الحفاظ على اللحية واللباس القتالي الأخضر وأمور أخرى، كان يهدف لشحن هذه الصور بكمية كبيرة من الرمزية“.

يرى بوزيل أن غيفارا يحمل في داخله جينات الأبطال وحياته عبارة عن قصة، و“بدأت رحلته الكبيرة عام 1952 عندما اكتشف عالَما من الظلم الاجتماعي واستغلال الأمريكيين الجنوبيين“.

وكلما احتاج الناس إلى قيم الثورة استدعوا غيفارا لأنه يجسد في المخيلة الجماعية معاني التحرر والتمرد على الظلم ورفض التهميش.

ومع منتصف الستينيات بات غيفارا رمزا للثورة ضد الاستعمار الأميركي، وظهر في مقطع يخطب في أنصاره قائلا ”لا يمكن الوثوق بالإمبريالية لحظة واحدة أبدا“.

ترك تشي غيفارا عمله طبيبا ليحمل السلاح إلى جانب كاسترو في جبال سييرا مايسترا

صدام ووداع

لكن مثالية غيفارا اصطدمت بسلوك قائد الثورة فيدل كاسترو، وقرر الرجلان أن يسلكا طريقين منفصلين، فذهب غيفارا وأخذ معه الثورة إلى مناطق أخرى من العالم المشحون بالظلم والغبن والقهر.

في عام 1965 كتب رسالة طويلة إلى كاسترو أعلن فيها تنحيه عن المهام الرسمية وتخليه عن الجنسية الكوبية التي مُنحت له في أول يوم من انتصار الثورة.

لكن خروجه لم يكن ممكنا قبل تغيير اسمه وملامحه، وكُتب في جواز سفره المزيف أنه مندوب مبيعات من أوروغواي ويدعى ”رامون بينتز“.

وبعد اكتمال عملية تغيير الملامح حضر إلى منزله لرؤية عائلته على أساس أنه صديق والدهم، فودّعهم بطريقته ولم يتعرفوا عليه.

ابنته ”أليدا غيفارا“ تحدثت في الوثائقي عن التغييرات التي طرأت على ملامح والدها بعد أن قرر ترك كوبا إلى حد أنه أصبح شخصا آخر، وتَذكر أنه ودعهم بشكل وملابس وصوت مندوب مبيعات.

لقد اختفى كليا من المشهد السياسي الكوبي، ويومها قيل إن كاسترو تخلص من وزيره ورفيق دربه، لكن قائد الثورة أخرج الرسالة لدحض هذه الاتهامات.

جاء في الرسالة ”تحتاج أجزاء أخرى من العالم مساعدتنا، حان وقت الفراق، أقوم بهذه الخطوة بمشاعر من الفرح والألم، لم أترك لزوجتي وأولادي ممتلكات مادية وهذا لا يحزنني، لا أطلب شيئا، ستستجيب كوبا لاحتياجاتهم“.

كانت قراءة الرسالة حدثا قاسيا في مؤتمر الحزب الشيوعي بهافانا، وبحضور زوجة تشي غيفارا. وقد استبعد كاسترو إمكانية عودة رفيقه لكوبا إلى الأبد.

عندما التقطت صور الجثة، تصدرت في اليوم التالي الصحف في مختلف أنحاء العالم، وكانت بمثابة البعث العظيم لهذا البطل الثائر

جبهات أخرى

كان المتمرد الشاب يرى أن مهمته إنجاح الثورات في كل العالم، فقاتل مع المتمردين في زائير (الكونغو الديمقراطية) ثم غادر إلى بوليفيا ليشعل ثورة أخرى هناك.

يتحدث الفيلم عن رحلة غيفارا الاستكشافية في أحراش بوليفيا وكيف كان الجيش البوليفي يتعقبه لإجهاض مشروعه الثوري. وبعد فترة من المطاردة أُجبر رفاق الشاب المتمرد على شرب بولهم، فيما أصيب هو بالربو، وقَتل بغلا كان يركبه عندما لم يعد قادرا على السير.

وعند وادي فادو دي ليسو وقع محاربو العصابات في كمين للعدو، فقُتلوا عدا ثلاثة منهم، وأسر زعيمهم واقتيد إلى قرية تسمى لاهيغيرا حيث أمضى ليلته الأخيرة.

يومها كانت جوليا كورتيز معلمة بالصف الوحيد في مدرسة لاهيغيرا، وفي الصباح حضرت إلى الجنود وطلبت منهم السماح لها برؤية أسيرهم الغالي والاقتراب منه، فكان لها ما أرادت.

وتروي ”عند الثامنة صباحا أخرجوا غيفارا للخارج لالتقاط صورة له، وتفاجأت برجل وسيم في الأسر، قال لي إنه يشعر بالجوع فأحضرت له حساء وغادرت، وعندئذ سمعت صوت طلقات نارية“.

في مدن العالم بأسرها يضخ الناس يوميا الحياة والقوة في صورة تشي غيفارا

موت وبعث

لقد قتلوه في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول من عام 1967، ونقلوا جثته لمستشفى بقرية مجاورة حيث نظفوها وحقنوها بمادة توقف تحلل الجسم.

استدعى المجلس العسكري في بوليفيا المصورين للالتقاط صور للجثة ليؤكد للعالم أن تشي غيفارا قتل بالفعل وأن قصته انتهت إلى الأبد.

وعندما التقطت صور الجثة، تصدرت في اليوم التالي الصحف في مختلف أنحاء العالم، وكانت بمثابة البعث العظيم لهذا البطل الثائر.

إذن لم يمت غيفارا، بل ظل حيا في كل مكان، وفي بوليفيا بالذات تحول إلى قديس ضحى من أجل المستضعفين وهاجر إليهم ليموت بينهم.

وبمعنى آخر اعتقد البوليفيون أن قصة تشي غيفارا انتهت بقتله وتصوير جثته، ولكن القصة الحقيقية بدأت من هذه اللحظة.

ففي ربيع 1968 خرجت مظاهرات في أوروبا ضد حرب أمريكا في فيتنام، وهتف المحتجون بأعلى أصواتهم: يحيى غيفارا، غيفارا لم يمت.

كان هؤلاء المتظاهرون يحملون صورة لغيفارا التقطها ألبيرتو كوردا عام 1960، وهي صورة يتداخل فيها الزخم الرومانسي بالحماس الثوري، وتحمل عنوان ”بطل حرب العصابات“.

لاحقا بدأت السلطات الكوبية البحث عن جثة غيفارا، وأرسلت الصحفي السويدي لوك شيسي إلى بوليفيا من أجل هذا الغرض، لكنه لم يعثر عليها، وإنما عاد بسلسلة من صوره عرضت في لوزان بفرنسا.

كان المتمرد الشاب يرى أن مهمته إنجاح الثورات في كل العالم

مسيح في بوليفيا

وفي متحف اللوفر تُعلق الفيلسوفة ماري مونزا على لوحة تجسد تضحية ومعاناة المسيح عليه السلام، وتقول إنه يمكن وضع تشي في نفس السياق ”ويجب إحياء هذه الثورة بعد وفاته“، لتضيف أنه أصبح موضع تقديس ورمزا للأمل.

ورغم أنف السلطات، تحول إلى رمز يرسمه الأطفال، وعندما يمر بهم الجنود يمزقون الورق. وأقيمت له مذابح في بعض الكنائس وكانون يشبهونه بالمسيح، وحتى الفلاحون الذي وشوا به أخذوا خصلات من شعره لجعلها تمائم، وكانوا يرونه مسيحا ثانيا.

وبينما تغالب الدمع تقول جوليا كورتيز ”لقد تغيرت نظرة البوليفيين إلى غيفارا تماما، كانوا يبحثون عنه بوابل من الرصاص، أما اليوم فيبحثون عنه بالشموع“، وتضيف أنها تحب دائما تخيّله لأنه يجلب لها الحظ الجميل والشعور بالسعادة.

وفي قرية لاهيغيرا يبيع التاجر الوحيد صورا لغيفارا على شكل تمائم، وعندما تحل ذكرى قتله تُبث كلمات التمجيد على التلفاز.

في إحدى الفعاليات المخلدة للذكرى يخطب أحدهم ”استفد من السلام قدر المستطاع، واستنشق هواء الجنة حيثما كنت، إذا كنت فيها فهنيئا لمن التقوا بك، يستحق الكثيرون اللقاء بك أيها القائد، يحيا القائد إرنستو تشي غيفارا، تحيا كوبا، تحيا بوليفيا، تحيا الأرجنتين“.

وفي هذه القرية نصب تمثال صغير لغيفارا فوق حجر ضخم، ويقدم الناس الهدايا والقرابين ”من أجل رجل جاء إلى هنا ليموت معنا مثل المسيح“.

رغم أنف السلطات، تحول إلى رمز يرسمه الأطفال

صورة وجودية

وفي إيرلندا وقع الفنان ”جيم فيتز باتريك“ في حب صورة غيفارا التي التقطها ”كوردا“ وجسدها في لوحة عام 1968 ثم أضاف لها أبعادا رمزية جعلته مثل المسيح والشهيد، ”وحتى لو لم يكن مؤمنا فإنه كان مثل المسيح إذ ضحى من أجل الفقراء والمظلومين“.

عرض فيتز باتريك لوحته في لندن، وعندما سُرقت حقوق نشرها غضب كثيرا وقرر نشرها في كل الصحف لمنع المحتالين من كسب المال.

أذِن فيتز باتريك للجميع بتصوير اللوحة ونسخها، وبدأ العمل مع كل المجموعات الثورية حتى تنتشر صور غيفارا في كل مكان من أنحاء أوروبا.

إنها صورة وجودية تعيش وسط الثقافة الشعبية وتجدها معلقة بين صور المطربين واللاعبين والمثقفين والممثلين، فهي تنتمي لهذا الكون بكل تفاصليه، وهي أكثر صورة استُنسخت على مر التاريخ.

ومرة أخرى، يعود مخرج الفيلم إلى منطقة هافانا القديمة ويتحدث للشاب ”مانولو“ الذي يضع على صدره وشما لغيفارا ويقول إنه يجذب إليه السياح فيلتقطون معه الصور، ويحكي أنه أحب هذا الثائر مذ كان صبيا صغيرا ”لأنه حارب من أجل بلادنا“.

وفي المحال التجارية توجد صور غيفارا على القمصان والتذكارات السياحية والمعدات المنزلية والآلات، وتصادفك في كل مكان من المدينة المشبعة بمعاني الثورة والتمرد.

وفي مدن العالم بأسرها يضخ الناس يوميا الحياة والقوة في صورة تشي غيفارا، فيحملها المتظاهرون والشباب الغاضبون من الوضع السياسي والعمال الكادحون والحالمون بزوال الظلم والفقر والاضطهاد.