تقارير

"حرب الهند الصامتة".. أربعون عاما من التيه

 

حسن العدم

تعتبر الهند واحدة من القوى الصاعدة والمؤثرة في النظام العالمي، كما أنها أكبر ديمقراطيات العالم على الإطلاق، وبلد الأثرياء ذوي المليارات، لكنها في الوقت نفسه بلد الفقر والصراعات الطبقية والإثنية.

وإذ تجتمع الكثير من التناقضات في هذا البلد المترامي الأطراف، فلا عجب أن تجد في بعض أنحائه حربا أهلية تدور رحاها منذ أربعين عاما.

 

الأديفاسيز.. قبائل الهند الأصلية

هناك في وسط وشرق الهند، حيث تعيش الطبقة الأشد فقرا من سكان الهند الأصليين "الأديفاسيز"، تشتعل حرب تأكل الأخضر واليابس، وتدور رحاها بين المقاتلين الماويين من جهة، والقوات المسلحة التابعة للسلطات في نيودلهي من جهة أخرى، ويروح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين الأديفاسيز، بينما ينزح الملايين عن أراضيهم وبيوتهم.

عرضت الجزيرة جانبا من أنشطة الدمار الدائرة في هذه البقعة من الهند في فيلم بعنوان "حرب الهند الصامتة" ضمن سلسلة "عالم الجزيرة".

يتمركز معظم السكان الأصليين في هذه المنطقة في وسط وشرق الهند، على بعد 1400 كيلومتر شرقي نيودلهي، وينتشر كثير منهم في كل أنحاء الهند بعد تهجيرهم من بيوتهم نتيجة الحرب الدائرة، ويقدر عدد الأديفاسيز بحوالي 84 مليون إنسان، ما يعادل 8% من مجموع سكان الهند.

يعيش الأديفاسيز وسط طبيعة خلابة بكر، ويتحدون معها كونها مصدر إلهام روحي لهم، ولكن في الأربعين عاما الأخيرة أصبحت هذه الأرض نفسها مصدر تعاستهم ومعاناتهم بعد أن تم اكتشاف ثروات معدنية في هذه الأرض تقدر بتريليونات الدولارات، وتريد الحكومة الحصول على عائداتها كلها، لذلك قامت بإزالة الغابات التي كانت مصدر رزق السكان، بل وهدمت قرى بأكملها وشردت أهلها من أجل مشاريع استخراج الحديد والمغنيسيوم وعشرات المعادن الأخرى تحت هذه الأرض.

مخيمات الـ60 عاما.. إبادة جماعية

تم إنشاء مصنع الحديد الصلب "روتكيلا"، سنة 1955 ليغطي حاجة البلاد من هذه المادة، وليصبح رمز الاكتفاء الذاتي للهند بعد استقلالها، وينتج حاليا أكثر من مليوني طن سنويا، ومن أجل بنائه تم هدم 32 قرية وترحيل أهلها إلى مخيمات كان يفترض أن تكون مؤقتة، ولكنها مستمرة منذ ستين عاما دون أمل في إعادة توطين أهلها.

وبعد ستين سنة من الوعود بالتوطين والعمل، لم يتحقق شيء، وما زال أهل هذه المخيمات يعانون من سوء الأحوال المعيشية، ومن التهميش والتمييز في الصحة والتعليم والعمل، بل إنهم لا يستطيعون المجاهرة بحقوقهم خشية التنكيل بهم وضربهم.

وحده طبيب الأطفال والناشط في حقوق الإنسان الدكتور "بيناياك سن"، وقَف مناصرا لقضاياهم وناله جراء ذلك التوقيف والسجن عدة مرات.

ويقول بيناياك في هذا الصدد: إن ما يواجهه هؤلاء الضعفاء من تهميش وتهجير وقمع وسلب لحقوقهم الأساسية، يصل إلى حد الإبادة الجماعية، ولذا فإن على الحكومة الهندية أن تتنبه لهذا الأمر وتوليه العناية الفائقة حتى لا تتهم دوليا بأنها تبيد شعبها.

في وسط وشرق الهند، تعيش الطبقة الأشد فقرا من سكان الهند الأصليين "الأديفاسيز"

 

ميت في الحالتين.. الوجه القبيح للانفصاليين

أدت هذه الظروف القاسية بكثير من "الأديفاسيز" إلى الالتحاق بصفوف الثوار الماويين الذين يقاتلون الحكومة الهندية منذ ستين عاما بحجة الدفاع عن أرضهم وأرض أجدادهم، ومع الوقت تطورت مطالبهم كشيوعيين، لتمس أركان الدولة الهندية ذاتها.

ويرى المتحدث السابق باسمهم "تشاكرا فارتي" أن الدولة الهندية لم تنل استقلالها فعليا، ولكن الإدارة تغيرت، فقد سلَّمها المستعمرون لمجموعة من أصحاب رؤوس الأموال، "انظر إلى قانون الشرطة مثلا؛ إنه نفس القانون الذي تم سَنُّه في القرن التاسع عشر، أيام الملكة فكتوريا".

كان لفريق البرنامج السبق في مقابلة زعيم الثوار الماويين "كيشان جي" الذي تحدث بوضوح وصراحة تامة قائلا: نحن نريد إسقاط هذه الدولة وتدمير قوتها، من أجل الضعفاء والمزارعين البسطاء.

ولعل هذه الشعارات الرنانة بحلم العدالة وتكافؤ الفرص والعيش الرغيد دون طبقات قد داعبت أخيلة الكثيرين من شباب الأديفاسيز من الجنسين فالتحقوا بهذه المعسكرات.

غير أن السنوات اللاحقة أظهرت الوجه القبيح لهذه الحركة، وبات البسطاء من المدنيين لا يفرقون بين بطش قوات الشرطة وتنكيل الماويين، واكتشفوا أنهم ميتون في كلتا الحالتين، فقد صار الماويون أيضا يزيلون القرى التي لا يخضع أهلها لقوانينهم المثالية الصارمة، وصاروا يخيرون السكان بين الانصياع الكامل لأوامرهم أو ترك ممتلكاتهم وأموالهم وقراهم.

تفجير وحرق ومحاكمات.. مدنيون بين المطرقة والسندان

في صراع الماويين مع الدولة الهندية كانت جميع المنشآت الصناعية والآليات الثقيلة هدفا مشروعا لمدافعهم، بل إن القطارات المحملة بآلاف المسافرين أصبحت عرضة للتفجير والحرق إذا مرت في مناطق نفوذهم، مما يتسبب في قتل مئات الأرواح، كما أنهم عنيفون جدا مع البسطاء الذين يعيشون في مناطق نفوذهم.

يقيم الماويون محاكم ميدانية تنفذ فيها أحكام الجلد والضرب المبرح بحق من يخالف تعليماتهم، وقد تصل العقوبات أيضا إلى الموت بأبشع صورة لمن تثبت عليه شبهة التواصل مع الحكومة الهندية، ولو بمجرد شبهة واهية.

ومن جانبها، فإن القوات الهندية والقوات شبه النظامية التابعة لها، لا تقل فتكا عن الماويين، فإذا تعرضت لأي هجوم من قرية ما، فإن جميع أهلها عرضة للعذاب الشديد والقتل، حتى ولو غادر الماويون تلك القرية.

الماويون يقيمون محاكم ميدانية تنفذ فيها أحكام الجلد والضرب المبرح بحق من يخالف تعليماتهم

 

الإعلام.. ذلك الضيف الثقيل

كما جرت العادة، فإن فريق التصوير غير مرحب به غالبا في مناطق الصراع، ومن جميع الأطراف المتنازعة، بل وحتى من القرويين الذين يخشون الإدلاء بأي تصريح خوفا من الفريقين المتنازعين.

لكن في إحدى القرى التي سيطرت عليها قوات الحكومة للتو، كان لدى بعض القرويين الجرأة على الحديث، وكانوا يمتدحون القوات الحكومية ويشكرونها على تخليصهم من الماويين؛ ولكن يبدو أن وجود بعض الضباط في المكان هو ما اضطرهم للتصرف بهذه الكيفية.

ومع هذا فإن طريقة حديث بعض القرويين لم ترُق للضباط الذين طلبوا من فريق تصوير الفيلم أن يترك هؤلاء القرويين "الذين لا يعرفون الأصلح لهم"، وأن يرافقوا الضباط إلى أحد المعسكرات، ليسمعوا بالتفصيل ماذا يقدمون لهؤلاء القرويين البسطاء من خدمات وحماية.

والحقيقة أن الضابط كان يتحدث بلباقة ودبلوماسية أبعد ما تكون عن لغة العسكر، وكان حريصا على أن يُظهِر الخصوم الماويين على أنهم جماعات إرهابية خارجة عن القانون، وأن واجب القوات الحكومية هو تحييد هؤلاء الإرهابيين واعتقالهم، وقد يصل الأمر إلى إطلاق النار عليهم "دفاعا عن النفس".

بيد أن بعض الحقوقيين يشككون في الرواية الحكومية، وإلا فكيف يمكن تفسير إحراق القرى الخالية من الماويين؟

هناك شبهة العقاب الجماعي الذي تمارسه الحكومة بحق القرويين الذين لا يظهرون التأييد الكامل لها، حتى ولو لم يكونوا متعاطفين مع الماويين، على مبدأ "إذا لم تكن معي فأنت عدوي".

مخلوقات خارج المكان والزمان.. ديمقراطية الأغنياء

قام فريق الفيلم بزيارة بعض القرى التي لا يوجد بها غير النساء والأطفال، فقد تم اعتقال جميع رجال القرية من قبل قوات الشرطة بتهمة التعاون مع الماويين، لكن بعض النساء ينكرن هذه التهمة على الإطلاق، ولسان حالهن جميعا "نحن لا نعرف الماويين، ورجالنا لم يلتقوا بهم مطلقا، نحن مزارعون نسعى خلف لقمة عيشنا وعيش أطفالنا، لا دخل لنا بالسياسة".

يبدو أن مقدم البرنامج قد طفح به الكيل وتخلى عن حياديته وهو يسمع قصص هؤلاء النساء المكلومات، فقام بتوجيه رسالته عبر الكاميرا للضابط الذي قابله قبل قليل قائلا: إذا كنت تزعم أنكم جئتم لحماية السكان الأصليين من بطش الماويين، فكيف تفسر اعتقال كل رجال القرية، أين الحماية والرعاية التي زعمت أنكم تقدمونها للمدنيين، ما هو الجرم الذي ارتكبه الأطفال والأجنة الذين ماتوا في غياب آبائهم؟

ويضيف: يبدو أن ديمقراطية الدولة الهندية هي للأغنياء وسكان المدن الكبيرة فقط، أما هؤلاء المساكين فلا ديمقراطية لهم.

إن بعض القرى التي زارها فريق عمل الفيلم يغرق جميع أهلها رجالا ونساءً، في حالة من السُكْر المستمر، إنهم يحاولون أن يتناسوا ما هم عليه من الجوع والفقر والأوضاع المزرية.

كانت قراهم أشبه ما تكون بمجمعات القمامة، إنها لا تصلح حتى لعيش الحيوانات، هنا في مثل هذه الأماكن يمكن أن تستوعب معنى الطبقية والتمييز بين أبناء الجنس الواحد في أبهى صورها.

إنهم "مخلوقات" تعيش خارح حدود الزمان والمكان، ولا يمكن أن تتصور أن هؤلاء الناس يعيشون على كوكب الآرض، فضلا عن أنهم موجودون في أكبر ديمقراطية عرفها البشر.

عدد الأديفاسيز يقدر بحوالي 84 مليون إنسان، ما يعادل 8% من مجموع سكان الهند

 

سمعة عالمية على المحك.. من ينقذ الهند؟

وبعدما ضاقت الدنيا في أعين فريق الفيلم عادوا أدراجهم إلى مزارع الحديد والصلب في "روتكيلا"، حيث يعيش الأديفاسيز لحظات قصيرة من الفرح في أحد أعيادهم، وقد تمردوا على أصوات الرصاص وبطش الفرقاء المتانزعين، ولسان حالهم يقول: ما زال على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

ويوجهون رسالة قوية تتناسب مع عجز الحكومة عن فرض سيطرتها الحكيمة، وإرساء قواعد العدل والمساواة، ومحاربة الفساد، والتوزيع العادل للثروات، ونزع فتيل هذه الحرب الصامتة، والتي تكاد تذهب بسمعة الهند العالمية، ثم احترام حقوق الإنسان من حيث كونه إنسانا كأولوية قصوى، فقد مضى ذلك الزمن الذي كان يُعتقَد فيه أن بعض البشر تسري فيهم دماء الآلهة، بينما بعضهم الآخر جاؤوا من الأرض السفلى وحلت فيهم أرواح الكلاب.