تقارير

حين يبلغ النجم من العمر عتيّاً

 

 هاني الضليع

كل نجوم السماء شموس، وشمسنا هي أقرب تلك النجوم. وبمعرفتنا لحياة شمسنا نعرف حياة بقية النجوم، ولكن.. أليست النجوم مختلفة في حجومها ولمعانها وحرارتها وألوانها وأبعادها؟ نعم إنها كذلك، لكنها تقع جميعاً أمام ناظري تلسكوباتنا ومراصدنا، وهذا ما يجعلها تحاكي حديقة أو غابة اجتمعت فيها مراحل نمو نوع معين من النباتات، فهناك النبتة والشتلة والشجرة الصغيرة والشجرة الكبيرة، لكنها جميعاً من الفصيلة نفسها مما يسهل دراستها. وهكذا هي النجوم حين ترينا مراحل عمرها المختلفة.

عندما تولد النجوم

 تولد النجوم -كما في أفضل النظريات المشهورة- من سحابة سديمية غازية من الهيدروجين، وبمرور ملايين السنين تتكاثف هذه السحابة حتى تتكور على نفسها وتتساقط أجزاؤها بعضها على بعض، فيبدأ النجم الوليد بالتشكل على شكل كرة إذا توفر فيه شرط الكتلة التي يجب أن لا تقل عن 4-8% من كتلة شمسنا الحالية، والكرة هي الشكل الأمثل في الكون (لا كما يدعي أصحاب الأرض المسطحة).

وتولد النجوم بأحجام وكتل مختلفة معتمدة على السديم الأصلي الذي تشكلت منه، فمنها ما يولد صغيراً كشمسنا وكنجم بروكسيما قنطورس، ومنها ما يولد عظيماً عملاقاً كنجم الغول ونجم السماك الأعزل. لكن المشترك بين جميع هذه النجوم أنها تبدأ حياتها بنار نووية تشعلها في بواطنها بدمج أربع أنوية من الهيدروجين إلى نواة ذرة هيليوم واحدة، بسرعة أو ببطء بحسب كتلة النجم ولونه، فشمسنا تدمج من هذه الأنوية في الثانية الواحدة ما مقداره 600 مليون طن ليتحول 560 مليون طن منها إلى هيليوم، وينطلق فرق الكتلة بينهما عبر الشمس على شكل طاقة وضوء يعملان على اتزان الشمس كرة غازية عملاقة لا تتمدد في الفضاء لتصبح عملاقاً بفعل هذه الأشعة والانفجارات، ولا تنهار في الوقت ذاته على نفسها فتنكمش نجماً قزماً نتيجة الجاذبية الهائلة لجزيئاتها.

ووفقاً لكمية الحرارة المتولدة يكون لون النجم، فالنجوم الصغيرة تولد حمراء وبرتقالية (3000-4500 درجة)، والنجوم المتوسطة تولد صفراء وبيضاء مصفرة (5000-7500 درجة)، وأما العملاقة فتولد بيضاء وزرقاء (8000-25000 درجة).

ويستمر لون النجم مرافقاً له طوال حياته لا يتغير إلا في أيام النجم الأخيرة حين يبلغ من الكبر عتياً، أي بعد أن يقضي أكثر من 90% من عمره، وعندها يكون استهلك وقوده الأساسي من عنصر الهيدروجين، ليبدأ النجم بالتغير، ويصبح نجماً آخر.

سجلت كتب التاريخ العربية ظهور نجم جديد في كوكبة السبع، وكان أول من أرخ لرؤيته الفلكي المصري علي بن رضوان

العملاق الأحمر

ما إن ينتهي الهيدروجين ذو الكتلة الأقل بين عناصر الجدول الدوري من أداء مهمته التي تكفلت ببقاء النجم ساطعاً متزناً طوال تلك المدة التي تتراوح بين بضعة ملايين من السنين (للنجوم الزرقاء) ومئات مليارات السنين (للنجوم الحمراء)؛ حتى تتغلب قوة الأشعة المتولدة في باطن النجم على قوة انهيار الكتلة التي تضغط إلى الداخل، فيبدأ النجم بالتمدد شيئاً فشيئاً إلى الخارج، فيبرد سطحه ويتغير لونه إلى الأحمر الذي لا يتحقق إلا بعد أن يتمدد النجم لأكثر من مئة مرة ضعف ما كان عليه قبل ذلك، فيصبح النجم عملاقاً أحمر.

ويختلف حجم هذا العملاق الأحمر باختلاف كتلة النجم ولونه الأصلي. ففي الوقت الذي تصير فيه شمسنا الصفراء عملاقاً أحمر يبتلع كوكبي عطارد والزهرة ويتمدد ليصبح على مشارف مدار الكرة الأرضية، أي لمسافة وحدة فلكية (الوحدة الفلكية هي المسافة بين الأرض والشمس وتساوي 150 مليون كيلومتر) بعد أن كان قطرها لا يتجاوز 1.5 مليون كيلومتر، يتمدد نجم أبيض اللون موضوع في مكان الشمس ليصبح نجماً فوق عملاق أحمر إلى مشارف كوكب زحل (1400 مليون كيلومتر)، كمثل نجم قلب العقرب العملاق الذي يبلغ قطره 885 مرة قطر الشمس ويتسع حجماً لسبعة مليارات شمس أو 900 تريليون كرة أرضية، وإذا ما نظرت إليه ليلاً بين النجوم فإنك بالكاد تميزه كنجم أحمر لامع بين نجوم الصيف.

لكن النجم لا يستمر بعد ذلك عملاقاً، بل يعود لينكمش على نفسه بسبب صغر حجم نواة عنصر الهيليوم التي تصغر أنوية الهيدورجين الأربع التي نشأت منها فينضغط باطن النجم مرة أخرى وترتفع حرارته إلى ما يقارب 100 مليون درجة، وهي حرارة كافية لأن تدمج نوى الهيليوم إلى كربون.

وتتكرر العملية في كل مرة ينتهي فيها وقود النجم من ذلك العنصر بتمدده أولاً ثم انكماشه وارتفاع درجة حرارة باطنه، ولتندمج نوى العنصر التالي، إلى أن يتشكل الحديد، وهناك تكون الصدمة العظمى.

الشمس بعد أن تتمدد

اللعب مع الحديد

يعد الحديد العنصر الأكثر استقراراً في الجدول الدوري، كونه يمتلك من البروتونات والنيوترونات أعداداً متقاربة مقارنة بما يليه من عناصر ثقيلة، وبهذا تعد قوة الربط النووية لكل نيوكليون (بروتون أو نيوترون) في الحديد هي الأكبر على الإطلاق، وهذا يعني استحالة تفكيك نواة ذرة الحديد في باطن أي نجم مهما بلغت درجة الحرارة المسؤولة عن دمج أنوية العناصر المختلفة هناك.

فسلسلة الاندماجات النووية للعناصر ما قبل الحديد تستمر في بواطن النجوم العملاقة لواحد تلو الآخر إلى أن تصل البوتاسيوم والكالسيوم ومن ثم المنغنيز الذي يندمج بدوره إلى حديد. وحينها يقف الانحدار ويمتنع الحديد عن الاستجابة لمطالب الضغط الشديد على أنويته، فلا يجد النجم بداً أن يتخذ إجراء حالة الطوارئ القصوى، فثم عصيان وعدم استجابة طبيعية للاندماجات يقودها عنصر الحديد، ليجد النجم نفسه يرتد باطنه على خارجه في موجة شديدة الانفجار مستعرة ناقمة على هذا العصيان فينفجر النجم انفجاراً شديداً يدعى المستعر الأعظم أو السوبرنوفا والذي على أثره تتمزق كل أشلاء النجم مدوية في الفضاء، ومعها يزداد لمعان النجم لأكثر من مئة مليار مرة دفعة واحدة مولداً طاقة هائلة تجبر الحديد ومختلف العناصر أن تندمج لتخلق العناصر الثقيلة بما فيها اليورانيوم، وبذلك تولد عناصر الجدول الدوري الثقيلة التي لا تنتج في بواطن النجوم إنما في انفجاراتها المستعرة.

الحديد 56 هو العنصر الأكثر استقرارا في الجدول الدوري

نجوم جديدة

وبانفجار النجم في السماء مهما كان بعده عنا فإن نجماً جديداً (نوفا) يُرى في السماء. ويقدر علماء الفلك أن انفجاراً واحداً يحدث في مجرتنا درب التبانة كل خمسين عاماً. وإذا كانت المجرات تملأ السماء، فهناك نظرياً انفجار نجم في كل ثانية.

أما إذا كان النجم المنفجر من مجرتنا، فإن نجماً جديداً يسطع في السماء ليلاً، وربما رآه الناس نهاراً كذلك. وقد سجلت كتب التاريخ العربية ظهور نجم جديد في كوكبة السبع أسفل برج الميزان في العام 1006، وكان أول من أرخ لرؤيته الفلكي المصري علي بن رضوان يوم الثلاثين من مايو/أيار ووصفه بأنه يفوق كوكب الزهرة سطوعاً بنحو أربع مرات، وله أشعة كالأصابع، وظل مرئياً نهاراً في السماء قرابة شهر كامل، لكنه ظل مرئياً بعد ذلك في سماء الليل زهاء سنوات ثلاث.

وكذلك الحال مع نجم الصين الزائر في العام 1054 حين شوهد نجماً جديداً ساطعاً في برج الثور أضاء سماء الليل في الرابع من يوليو/تموز، وظل مرئياً في النهار لثلاثة أسابع كاملة ثم لقرابة سنتين في سماء الليل، وسمي بذلك الاسم للتسجيلات التاريخية الصينية التي ذكرته. ويذكر أن ثمة تسجيلات عربية سبقت الصينية ببضعة أيام، لكن العثور على التسجيلات الصينية جاء مبكراً.

ويعرف هذه السديم اليوم بسديم السرطان بسبب شكله العجيب على الرغم من وجوده في برج الثور، وهو سديم خافت جداً لكنه السديم الأميز في السماء لأنه صاحب الرمز ”م 1“ إشارة إلى كاتالوج الفلكي الفرنسي شارل مسييه الذي رصد الأجرام الخافتة التي تظهر في السماء فلا يعود يخطئها مع المذنبات الجديدة الظهور، فكان نصيب سديم السرطان الرقم واحد في هذا الجدول.

إن كان النجم كبيراً جداً من النجوم الزرقاء، فربما آلت به المآلات إلى ذلك المصير المجهول الذي يدعى الثقب الأسود

بقايا الانفجار

وبالعودة إلى انفجار النجم، فإن ردة الفعل العظيمة الناتجة عما يعرف بالموجة الصدمية هي التي تؤدي إلى انفجار النجم وتمزقه أشلاء، ومعها ينضغط مركز النجم انضغاطاً شديداً يؤدي بالإلكترونات السالبة السابحة في البلازما هناك إلى أن تنصهر في داخل النواة لتتعادل مع البروتونات الموجبة ولتصبح جميعاً نيوترونات متعادلة الشحنة، حينها يولد النجم النيوتروني أو النجم النابض وربما أسماه البعض النجم الطارق، تاركاً وراءه سديماً غازيّاً منتثراً ومنتشراً في الفضاء هو أدل الدلائل على هذا الحدث الجلل. وتستمر هذه السدم مرئية في السماء لا تخبو في عيون التلسكوبات لمئات وربما لألوف السنين بعد ذلك.

غير أن شكلاً آخر يمكن أن ينتج عن هذا الانفجار هو الثقب الأسود، فإن كان النجم كبيراً جداً من النجوم الزرقاء، فربما آلت به المآلات إلى ذلك المصير المجهول الذي يدعى الثقب الأسود، وقد سمي ثقباً لأن كل ما يدخل إليه يدخل من غير رجعة، أما لونه الأسود فلأن جاذبيته الهائلة لا تسمح حتى للضوء صاحب السرعة القصوى في الكون أن يهرب منه، فهو يبتلع حتى الضوء.

وقد وجدت الثقوب السود في الكون على ضربين، أحدهما الذي يتشكل من النجوم كما هو السيناريو السابق، والآخر الثقوب العملاقة الموجودة في مراكز المجرات والتي تفوق بكتلتها وحجمها الثقوب السود النجمية بملايين المرات، وهي إما أن تكون تشكلت بعيد الانفجار الأعظم وكبرت شيئاً فشيئاً، أو أنها نجوم انفجرت وتحولت إلى ثقب أسود ثم بعد ذلك التهمت ما حولها من نجوم أخرى فزاد حجمها إلى هذا الحد.

وعلى أية حال، فهي على الرغم من الصورة التي التقطت لها في المجرة القريبة منا قبل بضعة أشهر، فإننا لم نر أي ثقب أسود نجمي حتى اليوم، وإن كانت دلائل وجود أمثاله كثيرة ومتوفرة تشير إليها بصمات ما يدور حولها من نجوم في المجرة.

غير أن نجوماً عملاقة أخرى لا تفضّل بعد استعارها منفجرة أن تترك وراءها نجماً، بل تتبخر تماماً إلا من سديم تخلفه وراءها كبقية انفجارات السوبرنوفا. ولطالما رصد الفلكيون سدماً لا أثر للنجوم فيها.

شمسنا الهادئة، نجم لا يزال يعيش مرحلة شبابه، فعمرها حتى اليوم 4600 مليون سنة فقط

مستقبل شمسنا

أما شمسنا الهادئة الهانئة، فهي نجم لا يزال يعيش مرحلة شبابه، فعمرها حتى اليوم 4600 مليون سنة فقط. وبحساب كتلة الهيدروجين المتبقية فيها فإن تقديرات العلماء لبقائها تتراوح بين خمسة وسبعة مليارات سنة من الآن، وهذا رقم عظيم لن يدركه أي بشري، كما لم يدرك سابقه، فحياتنا التي لا تتجاوز بضع عشرات من السنين، لا تقارن مع حياة النجوم ولا حتى مع أقصرها عمراً، فالنجوم الزرقاء العملاقة هي بالاتفاق أقصر النجوم عمراً لسرعة التهامها وقودها الهيدروجيني، فهي لا تعيش إلا بضع ملايين من السنين، وإن عمّرت فستعمر بضع عشرات الملايين منها ثم تنفجر، في حين أن النجوم الحمراء القزمة هي الأطول عمراً، فهي تعمر أكثر من عمر الكون، بل تصل إلى مئات المليارات من السنين، وهي أرقام خيالية، ذلك لأنها تحرق وقودها ببطء شديد جداً يطيل عمرها إلى ذلك الحد.

أما شمسنا ذات العمر المتوسط، فبعد خمسة مليارات سنة على الأقل ستتمدد لتصبح عملاقاً أحمر يطل على مشارف الكرة الأرضية لعظم حجمه آنذاك، وستظل على ذلك الشكل لنحو مئة مليون سنة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة بطرد ردائها إلى الفضاء متكشفة عن نجم صغير أبيض اللون يدعى القزم الأبيض، وهو ما يفهمه بعض علماء الكون المسلمين أنه تفسير قول الله تعالى ”إذا الشمس كورت“.

هذا القزم الأبيض يشع حرارة تصل قرابة عشرة آلاف درجة دون حاجة لأن تندمج فيه أية أنوية، فهو نجم لم يستطع الهيليوم بعد نفاده أن يتحول إلا إلى كربون، ولم تعد درجة حرارة باطنه ولا الضغط عليه كافيين لدمج نوى الكربون، ولذا انهار النجم على شكل قزم أبيض، وأصدر موجة صدمية تسببت بخلع الرداء المحيط بهذا القزم الأبيض ونثره في الفضاء دون إصدار أي ضجيج ”فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان“.

يقدر علماء الكون عمر كوننا المرئي بـ13.8 مليار سنة

مصير النجوم

يقدر علماء الكون عمر كوننا المرئي بـ13.8 مليار سنة، أي ما يفوق عمر شمسنا بنحو ثلاث مرات، لذلك استنتجوا بأن جيل شمسنا هو الجيل الثالث الذي ولد إثر انفجارات سوبرنوفا متكررة تجمعت منها مادة السديم الأولى التي تكتلت منه شمسنا وكواكبها التي تدور حولها، وهو ما يفسر وجود العناصر الثقيلة فيها وفي الكرة الأرضية وغيرها من الكواكب والأقمار والكويكبات وحتى المذنبات.

ولأن شمسنا نجم صغير نسبياً، فإن النجوم الأخرى لن تستفيد من مخلفاته كما استفدنا نحن من مخلفات غيرنا من النجوم، لكن هذه السلسلة لن تنتهي ربما لعشرات المليارات من السنين، فطالما وجدت النجوم العظيمة وجدت السوبرنوفا ووجدت مادة النجوم الأولية التي ستولد منها نجوم أخرى جديدة، وهكذا دواليك، حتى يصير الكون بارداً لا طاقة فيه تكفي لتوليد نجوم ومجرات أخرى فيموت بهدوء، أو أن ينكمش على نفسه كما بدأ أول مرة حين انفجر انفجاره العظيم، لتبدأ بعد ذلك رحلة جديدة من الخلق العجيب لا يستبعد أن يكون غيرنا هم أبطال تلك الحقبة من الزمن الذي لن ندركه بأية أدوات قياس بعد ذلك.