تقارير

خيال الظل.. مسرح عمره مئات السنين يواجه الاندثار

 

 

سنان ساتيك

يتميز "المُخايل" بسرد مشوق يجذب فيه انتباه المشاهدين

بلبل الروض غنّى مراعينا
والله يا قوم شرفتم نواحينا

طرابلس نابلس، سبع براج عالمينا
بيروت، ست الملاح، صيدا تُسلينا

رحنا إلى الشام، قلنا الشام تُغنينا
جارت علينا الليالي، بعنا أواعينا..

يردد عُواظ هذا المقطع الشعري قبل بداية أحد عروض مسرح خيال الظل في إحدى مناطق محافظة اللاذقية السورية، وهو الذي يحوي ثقافة شعب يُقبل عليه لأنه مسرحه وتلفزيونه وسينماه في ذلك الوقت.

 

المُخايِل يتهيأ للعرض

يركز "المُخايل" الضوء على قطعة قماش شفافة، ويتهيأ للعرض أمام الجمهور الذي يجلس منتظراً ظهور الصور خلفها، ففي مسرح الظل تكون الشخصيات صوراً مرسومة على جلد الجمل أو البقر أو غيرهما، حيث تُلوّن وتُقص على شكل الشخصية المرسومة، والمراد منها إيصال الرسالة المنشودة.

أحياناً تُربط تلك الشخصيات بأعواد لتحريكها، أو تُثقب لغرس العصي فيها، أو تكون بمفاصل حتى يقدر المُخايل على تحريكها بانسيابية، فعندما يقف خلف الشاشة القماشية الملقى عليها الضوء عبر مصباح زيت كاز أو شمعة؛ ينعكس خيالها خلف القماشة، وتبدو للمشاهدين بحركاتها وتمايلها شخوصا حقيقية تعيش جواً درامياً في غرفة مربعة مكسوة بالخيش (نوع من القماش الخشن) يبقى فيها وجه مفتوح، حيث يضعون ستارة بيضاء تُشدّ بإحكام ويركزون عليها الضوء، ثم يبدأ المشخّصون بتحريك الشخوص وسرد الحوار على لسانها، والذي يكون غالباً مسجوعاً لإضفاء إيقاع موسيقي على النص.

يستقي مسرح الظل رواياته وأحداثه من الواقع، ويقدمه شخص موهوب

 

سخرية لاذعة وتعرية للواقع

يتميز "المُخايل" بسرد مشوق يجذب فيه انتباه المشاهدين، ويجعلهم يتعلقون بالرواية منشدّين إليها، وفي أحيان كثيرة يتشاركون معه الأحداث عندما يسألهم على لسان الشخوص عن بعض الأمور لطرح الآراء، كي يجعلهم يتفاعلون مع العرض.

يستقي مسرح الظل رواياته وأحداثه من الواقع، حيث ينتقد المجتمع ويسخر من الحكم، ويُعرّي رجال السلطة الفاسدين بطريقة فكاهية ساخرة، وكثيراً ما كان المُخايل يُعتقل أو تُغلق المقاهي التي يقدم فيها العرض، ويُمنع في أماكن كثيرة من تقديم رواياته لأنه يكشف مفاسدهم أمام الناس.

في الآونة الأخيرة تقلّص هذا الفن وكاد يختفي، لذلك أدرجته منظمة يونسكو ضمن قائمة التراث العالمي، ولم يبق في سوريا مثلا غير شخص واحد يمتهنه مخافة أن يندثر.

بداية من القرن الثالث عشر الميلادي انتشر هذا الفن في مصر، وذلك بانتقاله من قصور الأمراء إلى شوارع عامة الشعب

 

من القصور إلى الشوارع

الخيال في هذه التسمية (خيال الظل) يعني التشبيه والتصوير، والظلّ هو انعكاس الصورة، والأصل في المصطلح "ظلّ الخيال"، لكن الإضافة مقلوبة، وهذه التسمية منسوبة إلى ابن دانيال الموصلي.

ووفقاً للأديب المصري أحمد تيمور باشا فإنّ مسرح خيال الظل يعود إلى قصور الأمراء والأثرياء في العصر الفاطمي، فيما توجد إشارة أخرى لعرض حضره صلاح الدين الأيوبي مع وزيره القاضي الفاضل.

وبداية من القرن الثالث عشر الميلادي انتشر هذا الفن في مصر، وذلك بانتقاله من قصور الأمراء إلى شوارع عامة الشعب، فحاز اهتمام الناس وأصبح وسيلة للتنفيس عن المشاكل والأحوال المعيشية، كما أمسى من أهم وسائل الترفيه ومحل إقبال الناس على مشاهدته، وكان يُعرض في مسارح مخصصة وفي المقاهي والأماكن العامة، حتى في حفلات الزواج والختان وغيرها من المناسبات.

يتراوح عدد فرق المخايلين بين خمس وست فرق، منهم المقدم وهو رئيس الفرقة وصبي يساعده، وعازف على الطبل والمزمار لإصدار مؤثرات صوتية ترافق العرض بتنوع الأنغام حسب الحالة الدرامية فيه.

كما أنه لا يوجد رأي موحد في الموطن الأصلي لخيال الظل، فهناك من يرى أنه نشأ في الهند، وآخرون يرون نشوءه في جنوب شرق آسيا ولا سيما الصين، أو في جاوة وسومطرة، وغيرهم ذهب إلى أن بلاد فارس موطنه الأصلي.

 

ابن دانيال.. من الطب إلى الخيال

يُروى أن المؤسس الحقيقي لخيال الظل ابن دانيال الموصلي، والذي كان ممن هربوا وقت غزو المغول لبغداد، وهو كحّال (طبيب عيون) يداوي العيون بالكحل، جاء من الموصل إلى مصر سنة 1267 في عهد السلطان الظاهر بيبرس.

تحوّل ابن دانيال من صنعة الطب إلى خيال الظل ظناً منه أن سخرياته جعلته فناناً موهوباً، وقد غلبت على صنعة الطب، كما يقول إنه جاء إلى مصر أيام الظاهر بيبرس، فوجد أماكن اللهو دارسة وأرباب اللهو غير آنسة، أي أن الفنانين كانوا في حالة كساد، وذلك يعني أن ابن دانيال مُحيي هذا الفن وليس مؤسسه، إذ إنه كان موجودا قبله، لكنه أعاد الحياة إليه وبث الروح فيه من جديد.

بابات ابن دانيال هي فصول مترابطة بحبكة درامية مثل المسرح

 

"بابات" ابن دانيال

كتب ابن دانيال ثلاث تمثيليات (كانت تسمى بابات ومفردها بابة وتعني خيمة) تتجلى فيها الروح الفنية وتماسك الموضوع وروحية النص الموحد، إذ إنه كاتبها ومخرجها ومدير مسرحها، فظهرت فيها عبقرية فذة توحي بمقدراته وخيالاته الشعرية والنثرية التي تضمنتها تلك البابات الثلاث، وهي: "طيف الخيال" التي يحكي فيها عن الحياة السياسية والثقافية في مصر في عهد الظاهر بيبرس. وبطلها الرئيسي أبو الوصال الذي يرغب في الزواج من فتاة جميلة، فتبحث له الخاطبة عن إحداهن، لكنه في ليلة الزفاف يكتشف أنها ليست كما طلب، فيتوعد الخاطبة والزوجة بالعقاب، لكنه يؤوب إلى رشده ويعرف أنه مخطئ، ثم يحج لتكفير خطاياه.

والبابة الثانية هي "عجيب غريب"، وتحكي عن سوق يدخلها الممثلون ويعرضون بضائعهم فيها، و"غريب" هو شخصية محتالة مكارة من أهل الكدية التي تترحل كثيراً.

أما الثالثة فهي "المتيّم"، وقد ترجمت إلى الإنجليزية، وتميزت بالهزْل والترفيه عن النفس، وتحوي قصصاً عن الحب وحيل المحبين، والبطل الذي يرغب في أن ينبه حبيبته إلى شجاعته.

صنّف ابن دانيال البابات على أنها فصل تمثيلي، وجاءت مترابطة بحبكة درامية مثل المسرح، وكانت تبدأ بإنشاد غنائي من مقام الرست.

"الأراجوز" هو دمية لشخص أو حيوان يحركه شخص مختف يضع يديه تحت الملابس كي لا تظهرا

 

الأراجوز التركي والمصري والسوري

ويندرج ضمن هذه الفنون "الأراجوز"، وهو دمية لشخص أو حيوان يحركه شخص مختف يضع يديه تحت الملابس كي لا تظهرا، وهو فن قديم يعود إلى اليونانيين، وتطوّر وعُرف في العهد العثماني.

"القره جوز" كلمة تركية تعني الميدان الكبير أو صاحب العين السوداء، موضوعاته بسيطة تهكمية مرتجلة في أحايين كثيرة، وقد اشتُهر وعُرف في مصر على نطاق واسع، لكن هناك اختلاف بين القره جوز التركي والقره جوز المصري، فالقره جوز التركي هو فن خيال الظل عموماً (يتضمن تمثيليات كركوز وعواظ)، أما القره جوز المصري فهو التمثيل بتحريك العرائس، ويُقال إن القره جوز المصري تحريف لكلمة قراقوش وزير صلاح الدين الذي اشتهر بحزمه وجبروته.

كما انتشر هذا الفن في سوريا باسم "الكراكوز" وهو من القره جوز، ومن يقوم بتحريك الرسوم والشخصيات هو "الكركوزاتي" (المُخايل) الذي يملأ الجو بطاقة إيجابية ينقلها إلى الجمهور، إذ يلون صوته بطريقة كوميدية تارة وجدية أخرى، وذلك حسب ما تقتضيه الشخصية والحالة الانفعالية والحدث الذي يعالجه.

ابو خليل القباني سوري حاول استحداث المسرح التمثيلي بدلا من مسرح الظل

 

مسرح الخيال.. إرهاصات المسرح الحديث

هذه التصرفات تستحث الخيال وتجعل المشاهد يرسم نهايات متخيلة في باله، إلى أن يصل إلى الومضة التي تكشف الحكمة التي يريد الكركوزاتي أن يوصلها إليه بحوار تدخل فيه عناصر شعرية ونثرية وبعض الحكايات.

يحتوي مسرح الظل ألفاظاً بذيئة ومناظر مُخجلة أحياناً، وعندما عُيّن مدحت باشا والياً على الشام امتعض من كثرة المقاهي التي تقدم هذا النوع من المسرح، فشجع أبا خليل القباني على إيجاد تجربة بديلة وإقامة مسرح دائم في دمشق، لذلك شكل هذا الفن إرهاصات المسرح العربي الحديث.

يجتمع الناس في المقاهي ليلا لمشاهدة الكركوزاتي الذي يقدم شخصيتين ظريفتين هما كركوز وعواظ

 

حكاية كركوز وعواظ

يجتمع الناس في المقاهي ليلا لمشاهدة الكركوزاتي الذي يقدم شخصيتين ظريفتين هما كركوز وعواظ، وهما تركيان حُكم عليهما بالإعدام في مدينة بورصة التركية.

كركوز رجل محتال مشاكس صاحب مقالب، اسمه مستوحى من القره جوز، أما عواظ فهو شخص حكيم يعظ الناس وراح ضحية مقالب كركوز. وقد كان "خيال الظل" يُظهر عواظ دائما صاحب حكمة ينقلها مَن يحركهما، واسمه تحريف لطريقة اللفظ التركي لاسم الحاج عوض (Hagivad) حاجي واد، وتحول في سوريا التي اشتهرت بهذا الفن بعد مصر إلى آي واز ثم صار عواظ، لأنه يقدم الموعظة في التمثيليات.

ويُنقل في الحكايات الموروثة أن كركوز كان حداداً، فيما كان عواظ بنّاءً في أحد المساجد بمدينة بورصة في القرن الرابع عشر. وبينما كان الوالي يتفقد سير العمل انتبه إلى تأخره، وعلم أنهما السبب في ذلك لكثرة ما يتمازحان ويدبران المقالب لبعضهما ويؤخران عمل الآخرين، فأمر بإعدامهما. لاحقاً سمع عن حكاياتهما وطرائفهما وأنهما أصحاب نوادر ونكات، لذا أمر بأن يبقيا شخصيتين في مسرح خيال الظل تخليداً لهما، فعاشا في المخيال الشعبي عبره.

وفي رواية أخرى يُحكى أنهما كانا مهرجين لأحد السلاطين العثمانيين، ولدى تفوههما بكلام بذيء أمام السلطان ذات يوم أمر بقطع رأسيهما، وبعد تنفيذ الحكم تراجع عن قراره وطالب بإحضار المهرجين للتمثيل في حضرته، فلم يكن أمام الجلاد المذعور من أوامر السلطان إلا محاولة التحايل فصنع دميتين كبيرتين من الجلد على شكليهما وحرّكهما، وأقنع السلطان بأنهما يخشيان الظهور أمامه خجلاً ويفضلان البقاء وراء الستارة التي تعكس ظلهما.

انتشر كركوز وعواظ في مطلع القرن العشرين، وكانا ذائعي الصيت في سوريا

 

حكايات الواقع المُعاش

انتشر كركوز وعواظ في مطلع القرن العشرين، وكانا ذائعي الصيت في سوريا، وذلك لقربها من جنوب تركيا حيث ساد هذا الفن، ونتيجة القرب الجغرافي التقطته سوريا وراحت تعرضهما بقصص حياتية مجتمعية وسياسية.

أحيانا يرافقهما شخصيات أخرى مثل "مدلل شلبي" وهو الخادم وتتميز شخصيته بروح الدعابة ويحبها الناس، وشخصية "أشؤو كفكيرة" وهو القبضاي التركي بعضلاته لكنه يتسم بالغباء، وهناك "بكري مصطفى" وهو سكّير ذو مشاكل، و"العكيد" وهو قبضاي تُسمع كلمته في الحارة ومرجع لحلّ المشكلات.

كما تختلف التسميات بحسب المنطقة، إذ يدخل الكركوزاتي أسماء محلية لكل منطقة لتكون مجالا للسخرية والنقد، ويعتمد على الإسقاطات إن كان ينتقد شخصية سياسية كي لا يتعرض للملاحقة.

بدأ خيال الظل للترفيه والتسلية، ثم تحوّل لأغراض سياسية وللنقد السياسي، ولو كُتب لهذا الفن أن يُدوّن لأضحى مرجعاً تراثياً يُعتمد عليه، كونه يستقي حكاياته من الواقع المُعاش، فمنذ أشهر قليلة عُثر في مدينة حلب السورية على صندوق يحوي 150 شخصية كانت تستخدم في مسرح الظل، وعند استجلاء حقيقتها ستكون تراثاً ثرياً يؤرخ لهذا الفن.