تقارير

ذاكرة السينما المصرية.. من حرب أكتوبر حتى الألفية

 

 

تفتح الجزيرة الوثائقية ملف السينما المصرية في سلسلة من أربعة أفلام تحكي قصتها من التأسيس إلى عصرنا الحالي، وفي الحلقة الرابعة والأخيرة من هذه السلسلة نسلط الضوء على أهم المواضيع والمظاهر التي عالجتها السينما في الفترة التي تلت حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، وحتى الألفية الثانية، مرورا بكثير من المراحل الهامة على الصعيد المصري والعربي.

 

سناء نصر الله

لم يؤرَخ لحرب أكتوبر/تشرين الأول تصويرا نتيجة للسرية التي فُرضت على موعدها، ولم يُحدد لها سينمائيون كما حدث في الحرب العالمية الثانية التي وثّقت بالتصوير، كما أن بعض الأفلام التي تحدثت عن حرب أكتوبر صُورت بمعدات روسية.

انتظرت السينما المصرية شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام التالي حتى تتبلور لها الصورة، وقدمت أربعة أفلام عن الحرب، منها فيلما "أبناء الصمت" و"الرصاصة لا تزال في جيبي".

يتحدث الجزء الرابع من سلسلة "ذاكرة السينما المصرية" التي أنتجتها الجزيرة الوثائقية عن أهم المواضيع والمظاهر التي عالجتها السينما في الفترة التي تلت حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، وحتى الألفية الثانية، مرورا بكثير من المراحل الهامة على الصعيد المصري والعربي.

 

حرب أكتوبر.. معالجة سينمائية هزيلة

يستعرض الفيلم الظروف التي سبقت حرب أكتوبر، ويقول إنها كانت استجابة لإلحاح الحركة الوطنية والشباب في مصر، وسبقتها مظاهرات 1972 التي طالبت بخوض الحرب على إسرائيل.

ويعتبر النقاد أن المعالجة السينمائية لحرب 1973 كانت هزيلة إذا ما قورنت بالسينما العالمية في ذلك الوقت؛ ففيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي" كان ضعيفا ولا يتناسب مع الدور المحوري والهام لحرب أكتوبر.

وبعد الحرب، اتخذ الرئيس أنور السادات قرارا بإغلاق شركة مصر للتمثيل والسينما، لتنقلب الموازين بعدها، وتتخذ السينما طابعا تجاريا، حتى إن بعض النقاد أطلقوا عليها "أفلام شم النسيم".

تقول أستاذة السيناريو في جامعة الفنون ثناء هاشم إن أفلام تلك الفترة رافقها "صخب لوني غير طبيعي لحد الإيذاء البصري".

لقطة من فيلم الرصاصة لا تزال في جيبي

 

"الكرنك".. استبداد عبد الناصر

تميزت أفلام السبعينيات من القرن الماضي بانتقاد مراكز القوة التي ارتبطت بجمال عبد الناصر، كما عالجت بشكل كبير ما عرف بالانفتاح الاقتصادي في فترة حكم السادات.

ففي فترة الانفتاح الاقتصادي تغير من يمتلك الثروة، وهذا ما انعكس على السينما، فأصبح المهنيون والفنيون يتقاضون أجورا أكثر من خريجي الجامعات، ولم يعد للوظيفة المدنية قيمتها، وهذا أثر بشكل كبير على السينما من حيث المواضيع التي عالجتها ومن حيث الجمهور.

ومن الأفلام التي تحدثت عن فترة حكم عبد الناصر والانفتاح في عهد السادات، فيلم "الكرنك" للمخرج علي بدرخان، وهو مأخوذ عن رواية بنفس العنوان لنجيب محفوظ.

ويحكي الفيلم عن حالة الاستبداد السياسي والفكري والتعتيم الإعلامي الذي انتهجه نظام الحكم المصري في عهد عبد الناصر.

ويقول بدرخان عن قصة إخراجه للفيلم إن الرواية وجدت صدى في نفسه، وطلبته الرئاسة في عهد السادات، لكنها اشترطت أن يشار إلى ثورة التصحيح في السيناريو وإلا فإنه لن يُعرض الفيلم، وتم تعديل الفيلم بناء على طلب الرئاسة.

رواية "أهل القمة" لنجيب محفوظ تحولت إلى فيلم من إخراج علي بدرخان أيضا

"أهل القمة".. انفتاح السادات الاقتصادي

في رواية "أهل القمة" لنجيب محفوظ التي تحولت إلى فيلم من إخراج علي بدرخان أيضا، بدا الكاتب متشائما من حالة الانفتاح، وكان يرى أنها ستؤدي بالشعب إلى اليأس، لكن المخرج أراد أن يعطي الأمل؛ فقدم نهاية مختلفة للرواية ولم يقبل أن يضع الضابط الشريف يده بيد اللص.

أثّر الانفتاح الاقتصادي بشكل سلبي على الاقتصاد المصري، لكن كان له أثر إيجابي على السينما التي أنتجت أفلاما كثيرة أظهرت مساوئ الانسياق وراء الانفتاح.

نجوم المرحلة وأفلام المقاولات

كان الفنان محمود ياسين نجم السبعينيات الأول وفتى الأحلام في تلك الفترة، ومن النجمات الشهيرات اللواتي ظهرن في السبعينيات نجلاء فتحي وميرفت أمين.

ومن المخرجين سعيد مرزوق الذي قدم سينما جمالية لم يسبقه إليها أحد؛ فقد اشتهر بالفيلم الجمالي غير التقليدي الذي يعتمد على المونتاج ليبدأ الحكاية، وكانت أفلامه تحقق إيرادات عالية.

في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1981 رأى المجتمع كيف يُغتال الزعيم بالبزة العسكرية، ورأى ما صُوّر على أنه الإسلام السياسي في أسوأ حالاته، وشعر الشعب بالخطر.

في الفترة نفسها استعرَت الأزمة الاقتصادية وتطورت تكنولوجيا التلفزيون الملون، وظهر الفيديو، وهنا تظهر مرحلة أفلام المقاولات؛ أفلام من دون مضمون أو جوهر، وبكلفة إنتاجية بسيطة.

تحول سوق السينما المصرية الخارجي من بلاد الشام إلى دول الخليج العربي بثقافتها المختلفة تماما، وهنا اختلفت شروط المستوى الفني والمعرفي والثقافي، وكان على السينما أن تتكيف مع هذا الاختلاف حتى تُسوّق في الخليج.

لقطة من فيلم "الكرنك" للمخرج علي بدرخان

رواد الواقعية.. فطنة عادل إمام

في مقابل ذلك، حفلت فترة الثمانينيات من القرن الماضي ببزوغ نجوم رواد الواقعية من المخرجين مثل، محمد خان وعاطف الطيب وخيري بشارة وداود السيد، وبدؤوا يحلمون بسينما جديدة أكثر ارتباطا بالشارع والناس.

يقول الناقد الفني طارق الشناوي: هذا الجيل ناضل من أجل نفسه وإحساسه على الشاشة، وكانت أفلامهم تحَارب من المخرجين الآخرين، وكانوا يعتبرونها تسيء إلى مصر لأنها كانت تصور وسط البلد كنوع من التحدي، ولم تجد هذه الأفلام في البداية تمويلا كبيرا ولم يتشجع لها المنتجون، لكن هذه المدرسة صمدت وكُتب لها فيما بعد النجاح الكبير.

قدمت مرحلة الأفلام الواقعية نجوما كبارا في السينما المصرية، من بينهم عادل إمام.

ويرى بعض النقاد أن عادل إمام شكل ظاهرة فنية مهمة، فقد كان ذكيا لذلك تمكن من الاستمرار، فالكوميديا تحتاج للعقل وتعتمد على الذكاء.

كان عادل إمام يختار بعناية المواضيع والمخرجين ويتواصل مع الجمهور بشكل حميمي، وشكل الثلاثي شريف عرفة ووحيد حامد وعادل إمام مرحلة مهمة في السينما.

فترة الثمانينيات حفلت ببزوغ نجوم رواد الواقعية من المخرجين مثل، محمد خان وعاطف الطيب

 

نور الشريف وأحمد زكي

ومن النجوم أيضا، نور الشريف الذي قام ببطولة فيلم "سوق الأوتوبيس" للمخرج عاطف الطيب، وهو من الأفلام التي تتحدث عن روح الواقع وليس الواقع بذاته، فظهر شقاء الأب الذي يمثل مصر في محاولتها للنهوض ويحاول الآخرون سرقتها ونهبها.

أما الفنان أحمد زكي، فقد كسر قالب الوسامة المألوفة في السينما العربية. وقال عنه رمسيس وسيم مكتشف النجوم "ده آخره جرسون يقدم القهوة لسعاد حسني"، لكنه أظهر موهبة استثنائية وتحول إلى أيقونة في الأداء.

كان الفنان نور الشريف يقول عن أحمد زكي "أنا آخذ 7/10 في التمثيل وأحمد زكي يأخذ 10/10″، وهو ما يعني الكثير للأخير الذي ظهرت ذروة إبداعه وقدراته وموهبته في فيلم "زوجة رجل مهم".

نور الشريف: أنا آخذ 7/10 في التمثيل وأحمد زكي يأخذ 10/10

 

"الكيف" و"العار".. محمود عبد العزيز

جاء دور النجم محمود عبد العزيز، وقدم فيلم "الكيف" الذي كان واحدا من أجمل أفلامه، ويناقش قضية المخدرات وتأثيرها على المجتمع، وهو من تأليف محمود أبو زيد، وإخراج علي عبد الخالق.

ومن المخرجين الذين يذكرهم النقاد في هذه المرحلة "رأفت الميهي" الذي قدم مجموعة من الأفلام أشبع من خلالها السينما، لكن ظهر جيل جديد من السينمائيين ولم يستطع التعامل معه.

أما فيلم "العار"، فيقول عنه مخرجه علي عبد الخالق إن السينمائي لا يستطيع الحكم على مزاج الجماهير، ففي هذا الفيلم -وهو من تأليف محمود أبو زيد- "اخترنا شركة توزيع، قالوا لنا الفيلم جميل لكنه ليس تجاريا"، وعندما عُرض في السينما حقق نجاحا باهرا.

كما ظهرت بعض الأفلام الغنائية، ومن أبطالها المطرب عمرو دياب الذي كان أقل أداء في العمل الدرامي، لكنه الأعلى في الحضور في الحفلات. ومن أفلامه فيلم "آيس كريم في جليم"، أما أكثر مغن نجح فكان المطرب محمد فؤاد، وحقق فيلم "إسماعيلية رايح جاي" إيرادات ضخمة.

فيلم "الكيف" كان واحدا من أجمل أفلام محمود عبد العزيز

 

استهلاك الجسد.. نادية الجندي ونبيلة عبيد

مع نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات من القرن الماضي كان هناك تغير مجتمعي، فأصبح رواد السينما من الطبقة العاملة والمجتمع استهلاكيا، وكانت رؤية الجسد جزءا من التعطش للسينما، وقدم المنتجون أفلاما تحقق هذا المراد.

ظهرت البطولة النسائية بشكل آخر، فقدمت نادية الجندي دور المرأة القوية التي وضع المتفرج فيه كل إحباطاته، فوجدها تنكل بهؤلاء الذين يريد المتفرج أن ينكل بهم.

أما نبيله عبيد –كما يقول المؤرخ السينمائي محمد قاسم- فقد كانت تحب دور الخائنة لأنها تجيده، وكانت هي المنتجة وتعمل مع أشخاص تثق بهم كأشرف فهمي وحسين كمال، كما عملت مع مصطفى محرم ككاتب.

أطلقت نادية الجندي على نفسها لقب نجمة الجماهير، وبعد عام أطلقت نبيلة عبيد على نفسها لقب نجمة مصر الأولى، ولم يكن للجمهور علاقة بذلك.

وتقول الناقدة ناهد صلاح: الأبطال ظهروا مختلفين في المرحلة الاستهلاكية، وكان هناك صراع في تقديم الراقصة بين ناديا الجندي ونبيلة عبيد؛ كانت الأخيرة تستقي أدوارها من روايات إحسان عبد القدوس في الرومانسية، أما نادية فكانت تستقيها من الروايات الشعبية؛ لتبقى مستحوذة على الشاشة، وفي كل مرحلة اختلف الشكل بحسب النسق التاريخي والاجتماعي.

 

"الكيت كات" و"ليه يا بنفسج"

برز في الثمانينيات والتسعينيات عدد كبير من المخرجين، في مقدمتهم "داود عبد السيد" الذي شكلت أفلامه متعة كبيرة للمشاهد، لكنها كانت متعبة فكريا.

يقول أستاذ الإخراج مختار يونس: كان شكله لا يوحي بأن له صلة بالفن، ولكننا فوجئنا بإبداع غير مسبوق، كان يبدو انطوائيا لكنه كان يسجل دينامية المجتمع ويدرسها، من أشهر أفلامه "الكيت كات" من بطولة محمود عبد العزيز.

ويعد "الكيت كات" واحدا من أفضل الأفلام في تاريخ السينما المصرية، وهو مأخوذ عن رواية "مالك الحزين" للكاتب إبراهيم أصلان، وكانت رسالته الدعوة لتحدي العجز عبر صانع البهجة "الشيخ حسني" الذي فاقت إرادته الصلبة عجزه.

أما أفلام المخرج رضوان الكاشف فإنها لا تثير الإعجاب فقط؛ ولكنها تتحول إلى جزء من كيان الإنسان وتفكيره.

ويظهر إبداعه في فيلم "ليه يا بنفسج"؛ فقد كانت الأغاني فيه مدهشة ورفيعة، وحوّلها الكاشف لصور محسوسة وملموسة، وكان الفيلم شاعريا جدا رغم أنه واقعي.

وظهر جيل جديد في التسعينيات، وعُرف ما يسمى بـ"سينما المول" التي فتحت مجالا لنوع جديد من السينما النظيفة.

لقطة من فيلم "الكيت كات" ويعتبر واحدا من أفضل الأفلام في تاريخ السينما المصرية

 

السينما المصرية.. في الثلاجة

امتدت فترة حكم الرئيس المعزول محمد حسني مبارك لنحو ثلاثين عاما، يقول عنها أستاذ التاريخ المعاصر "محمد عفيفي" إن مبارك وضع مصر في الثلاجة، وهذا ما انعكس على كل شيء؛ التعليم والفن والسينما بشكل خاص، فبينما تطورت السينما عالميا بشكل مذهل وسريع، كانت تتجمد في مصر بشكل خطير وتتدهور، ودخلت في نفق لم تخرج منه.

تقول أستاذة السيناريو في جامعة الفنون ثناء هاشم: ظهرت السينما بملامح غريبة؛ فبعد النضال الطويل مع المرأة تهاوت المنظومات والأحلام تجاه المجتمع وحدثت تقلبات رهيبة، وتم دمج الإنتاج بالتوزيع وقتل المنتج الصغير الذي كان يقدم أفلاما نوعية، وظهر جيل غير قادر على القيام بعمل ضخم، وهو ما يُعاب على المخرجين السابقين الذين عجزوا عن صناعة تلاميذ لهم.

يقول المخرج طارق الشناوي: طموح مصر يجب أن يصل لمكانة أفضل، لأنها واحدة من الدول القليلة التي لديها صناعة سينمائية ومن أوائل الدول التي دخلت المجال، لكن نتاج مئة عام لم يكن بقدر الطموح في البدايات.

ويختم المخرج علي بدرخان بالقول: نحن في زمن يفرض إيقاعات أتمنى تجاوزها والنهوض بعد الكبوة لمستقبل واعد.