تقارير

"رحالة في مروج التاريخ".. رحلة رائد علم الإنسان من بغداد إلى شعوب العالم

 

خاص-الوثائقية

قدمه الزمان إماما للمؤرخين، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، فقد عرف بهمته العالية وعمله الدؤوب في طلب المعرفة للوصول إلى الغاية، مما أدهش الغرب والمستشرقين، ليصير عندهم (هيرودوت) المسلمين، إنه علي بن الحسن بن علي المسعودي.

يعود نسبه للصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كنيته أبو الحسن، ولقب قطب الدين، ولد عام 896 الميلادي (283 الهجري) في بغداد، وعلى الرغم من ذكره في كتابه "مروج الذهب" أنه ولد في بغداد، إلا أن بعض المؤرخين ذهبوا إلى أنه ولد في المغرب.

 

في هذا الفيلم التي أنتجته الجزيرة الوثائقية ضمن سلسلة علماء المسلمين، نتعرف على واحد من رواد علم التاريخ والجغرافيا، رحالة جاب الآفاق، وأمضى سنوات عمره يتعرف على حياة الإنسان.

خصب العلوم وجدب السياسة.. نشأة في عاصمة الخلافة

ترعرع قطب الدين المسعودي في بغداد في العصر العباسي الثاني، وحظيت عائلته بالاهتمام والتقدير لأنها تنتسب إلى الصحابي عبد الله بن مسعود، لكن هذه العائلة لم تنخرط في الأحداث السياسية.

شهدت الفترة التي عاش فيها المسعودي في بغداد اضطرابات كثيرة، وكان القصر العباسي ضعيفا متهاويا، إلا أن عاصمة الخلافة الإسلامية كانت مزدهرة بالعلم والثقافة بسبب دخول كثير من الشعوب العريقة في الإسلام كالفرس وبلاد الهند والشام، إضافة إلى وجود التراث المعرفي اليوناني، وغيره مما كتب باليونانية التي كانت في يوم من الأيام لغة العلم.

اعتاد المسعودي الترحال والسفر والتعرف على البلدان

 

في هذه الأجواء المترعة بالعلم والثقافة تبلورت اللغة العربية كلغة للحضارة، وظهر العلماء المسلمون الأفذاذ في شتى صروف العلم والمعرفة، وكان المسعودي رحمه الله في مقدمتهم، وقد أمسك بناصية العلم، ليكون عالما موسوعيا وليس مؤرخا فقط، مثل غيره من علماء المسلمين في تلك الفترة، فقد تعلم القرآن والعلوم اللغوية والعلمية، كما أتقن الروسية والفارسية والسريانية واليونانية وغيرها من اللغات، مما ساهم في تكوينه العلمي وساعدته في رحلاته العلمية التي بدأ بها بعد أن رحل عن بغداد، في أوائل القرن الرابع الهجري.

جيران العراق.. بداية الرحلة العظمى في الجغرافيا والتاريخ

تظهر موسوعية المسعودي من خلال كتبه، وأشهرها كتاب "مروج الذهب" و"معادن الجوهر" و"التنبيه والإشراف"، فقد كان يبدأ بذكر الأفلاك، ويتحدث عن قياس الأرض وخطوط الطول والعرض، ثم يستكمل في تحديد مواقع البلدان، وبعد ذلك يبدأ بسرد تاريخ الخليقة إلى أن ينتهي إلى عصره.

فلم يكن لديه فرع واحد من المعرفة أو العلم، بل كان يكتب بالجغرافيا والفلك والتاريخ والديانات والملل والنحل وتفسير القرآن الكريم وعلوم السنة، وقد ألمّ بكل علوم الجغرافيا، إلا أنه لم يسمها، فقام العلم الحديث بتسميتها.

رسم الجغرافي المسعودي خريطة للبلدان التي كان يزورها لكنها لم ترق لخريطة الإدريسي

 

زار المناطق المحيطة بالعراق شرقا وغربا كفارس والهند والمحيط الهندي وروسيا وأذربيجان وتركيا، وقد استقر بالفسطاط بمصر حتى وفاته.

وعندما ذهب إلى روسيا وجد البحر الأسود وسماه في كتابه بحر نيطش، ووصف مضيقي الدردنيل والبسفور، وقال إنهما يفصلان البحر الأسود عن البحر المتوسط، كما بدأ بتصنيف البحار والمحيطات.

اهتم المسعودي بالجغرافيا كثيرا وأعطاها قيمة كبيرة، فكان فلكيا وعالما بالجغرافية المناخية وعلوم البيئة، وقد ربط البيئة بأخلاق الناس وصياغة النظم الاجتماعية، وقدم تلخيصات عن ذلك، إلا أننا لا نستطيع القول إنه كان عالم اجتماع بالمعنى الاصطلاحي، لأن مؤسس هذا العلم هو ابن خلدون، كذلك لا يمكن مقارنته بالطبري الذي دخل إلى التاريخ من باب علم الحديث والتفسير.

مزيج العلوم تحت ظلال التاريخ.. أسلوب التصنيف

احتار العلماء في تصنيف المسعودي، فهو رحالة وعالم موسوعي كان يجوب البلاد ويصف ثقافات الشعوب والنظم الاجتماعية والاقتصادية ونظام الأسرة وملامح السكان والعادات والتقاليد، ووضع في الكتابة التاريخية مقدمات لمنهجه، إذ إنه جمع بين التاريخ والجغرافيا والفلك، واعتبر أن كل ذلك له علاقة بحياة الإنسان.

عادات الشعوب وتقاليدهم كانت مما سجله المسعودي في كتابه مروج الذهب

 

وهو أول من كتب التاريخ بهذا المفهوم، فللكتابة التاريخية عند المسلمين عدة أنماط كالحوليات وهو أسلوب اتبعه الطبري، وذلك بكتابة كل سنة، ورأى المسعودي أن ذلك يقطع ويمزق الحادثة التاريخية ويحتاج الباحث للعودة لعدة سنوات لمعرفة حدث واحد.

أما النمط الآخر لكتابة التاريخ، فقد كان الكاتب يأخذ حدثا واحدا ويكتبه كرسالة لإفادة الناس، أما منهج المسعودي فكان يتجه إلى الوصف والسرد، ولم يتوقف عند أخبار الملوك والأنبياء، كما كان يفعل المؤرخون الذين سبقوه، بل كان شديد الاهتمام بالحياة الشعبية، وحريصا على رصد الخرافات والأساطير واتهمه البعض بحشد الخرافات، لكنه اعتبر الخرافات جزءا من حياة الإنسان.

علم الإنسان.. ثمار المعايشة الطويلة مع الشعوب

تميز أسلوب المسعودي بالدقة، وقد أخذ ابن خلدون من علمه وأشاد به واعتبره من أعظم علماء عصره، لكنه عارضه عندما كتب أن عدد اليهود الذين أحصاهم موسى عليه السلام في التيه كان 600 ألف، فهذا العدد لم يكن منطقيا أو معقولا في تكوينات الجيوش.

وقد رصد المسعودي حياة الإنسان بكل تفاصيلها، مما يسمى بعلم الإنسان أو الأنثروبولوجيا، وشاع الاهتمام بهذا العلم الذي يتحقق بكل ما يخص الإنسان سواء من الناحية الثقافية أو الجسدية أو الاجتماعية في النصف الثاني من القرن العشرين.

يرى المسعودي أن التماهي مع الشعوب وعاداتهم يساعد في التعرف عليهم عن قرب

 

وقد أكد المسعودي على ضرورة العيش مع الشعوب عند الكتابة، وهي مهمة العالم الأنثروبولوجي، ومن تقاليدها العيش بما لا يقل عن سنة على الأقل، وأن تلبس لباسهم وتتحدث لغتهم، وهو مبدأ أرساه المسعودي إمام المؤرخين وصاحب الحضور التاريخي.

مقارنة الأشباه والنظائر في الحضارات.. حضور تاريخي

كان المسعودي ينبه إذا تشابهت الأحداث، فعندما كتب عن العصر العباسي الثاني وضعفه، قارنه بدولة الإسكندر المقدوني بعد وفاته، وهذا ما يسمى بالحضور التاريخي، وهو ما يؤكد أن عمل هذا العالم عمل متكامل.

وقد استفاد كثيرون من التراث الثقافي الذي خلفه المسعودي، إذ يعتبر رائد الأنثروبولوجيا الحديثة، وأحد رواد علم الاجتماع وهو من رواد منهج المعايشة (الدراسة الحقلية)، فقد استغرق ترحاله 25 سنة متجولا وراصدا لحياة العامة، وهو من أشار إلى حكايات ألف ليلة وليلة، وذكرها تحت اسم "هزار إفسانة"، وتعني ألف خرافة.

حوار الأديان.. لقاء الشيعي مع اليهود والنصارى

انتهى به المطاف في الفسطاط في مصر، وعاش فيها حتى وافته المنية، وألف آخر كتبه فيها، وكان دعاة الشيعة يذهبون إلى مصر ومعهم الأموال لتشييع الناس، وقد كان المسعودي متبنيا للشيعة الإمامية ولم يكن متعصبا لها، ويرى الدكتور قاسم عبده قاسم أستاذ التاريخ في جامعة الزقازيق أن مسألة التشيع هذه لا دخل لها بالعلم، وقيل إنه كان من إخوان الصفا، لكن ذلك كان مستبعدا.

تعرف المسعودي في رحلاته المختلفة على أصحاب ديانات عديدة وكتب عنها

 

اتصف المسعودي بالموضوعية في أسلوبه في الحديث عن الشعوب والحكم عليها، وهذا ما جعله يلتقي بأصحاب الديانات والملل، ويحاورهم بما يسمى بحوار الأديان، فقد التقى باليهود والنصارى والهندوس وحاورهم بالمشتركات الثقافية، كان منهج المسعودي في الحوار أن لا تمس العقائد، ولا أن يدعي أحد بأنه يملك الحقيقة المطلقة التي لا يعلمها إلا الله تعالى.

ذات صلة