تقارير

روبن هود.. بين أسطورة هوليود والمشاركة في الحروب الصليبية

 

أيوب الريمي

تضج الأفلام السينمائية، والرسوم المتحركة بالقصص عن أبطال يناصرون الضعفاء ويسعون لتحقيق العدالة، ويرجحون كفة الخير في الصراع الدائم مع الشر، وتنهل هذه الأفلام إما من حكايات أسطورية متخيلة أو من شخصيات تاريخية حقيقية طبعت التاريخ بوقوفها في وجه الظلم، وإلى هؤلاء ينتمي "روبن هود" ذلك الفارس والرامي الماهر، الذي كان موضوعا لعديد من أفلام الكرتون والمسرحية والأعمال التلفزيونية، وكلها تمجد هذا الشاب الذي كان يسرق من الأغنياء لإطعام الفقراء وكان في معارك دائمة مع الحاكم خدمة لقضيته العادلة.

ولعل أغلب القارئين لهذا المقال بمجرد ذكر اسم "ربن هود" ستعود بهم الذاكرة للرسوم المتحركة الشهيرة التي حملت اسم هذا البطل، أو أحد الأفلام السينمائية التي تناولت سيرته، ومن الأشياء التي سيتذكرها كل من مر على اسم "روبن هود" هو قدرته الرهيبة في رمي السهام ودقته في إصابة أهدافه، غير أنه بخلاف العديد من شخصيات "الأبطال الخارقين"، فإن روبن هود ليس شخصية متخيلة لم يكن لها وجود، بل توثق العديد من المصادر التاريخية لوجود فارس بهذا الاسم، غير أن السؤال المطروح هو عن حقيقته وهل فعلا كان فارسا نبيلا يساند الضعفاء ويقف مع الخير؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه ومقارنة الصورة المتخيلة عن "روبن هود" مع الصورة الحقيقية حسب المصادر التاريخية، وهي كثيرة ومتنوعة تعكس المدى الذي بلغه الاهتمام بهذا المحارب وحجم الجدل الذي صاحب التأريخ لحياته.

تُجمع أغلب الأعمال السينمائية التي تم إنتاجها عن شخصية "روبن هود" على تقديمه كبطل "خارج عن القانون"

 

روبن هود.. فارس الفقراء عدو الأغنياء

تُجمع أغلب الأعمال السينمائية التي تم إنتاجها عن شخصية "روبن هود" على تقديمه كبطل "خارج عن القانون" يقود مجموعة من أصدقائه الذين يساعدونه في عملياته ضد الأغنياء وأصحاب السلطة، وتدور دائما الأحداث في أوروبا ما قبل عصر النهضة والأنوار حين كانت الطبقة الحاكمة والكنيسة يحتكران الثروات، ويفرضان الضرائب على الطبقة الفقيرة ويقتطعان من أراضي الفقراء، ليهب هذا الفارس صاحب القبعة والماهر في رمي السهام لنجدتهم من الجوع،  وذلك عن طريق سرقة خزائن القصر.

وتدور أحداث الصراع بين روبن هود وبين قائد الحرس الذي يسعى دائما لإلقاء القبض عليه لكن دون جدوى، ففي كل مرة ينجح روبن هود في الفرار من قبضة الحرس بمساعدة أصدقائه، وفي غمرة معركته النبيلة يقع روبن هود في غرام فتاة من الطبقة الأرستقراطية،  ورغم حظوتها الاجتماعية فإنها تسانده في قضيته.

وهكذا تكتمل حلقات شخصية خارقة، قادرة على الفرار من الأشرار والانتقام للطبقة المستضعفة، وتظفر بقلب أميرة نبيلة.

وقد تختلف تفاصيل هذه القصة من عمل سينمائي إلى آخر، لكنها جميعها تتفق على جعل شخصية روبن هود أسطورة في مضمار الفروسية والعمل النبيل، لولا أن التاريخ له أحكام أخرى وربما قد تكون بعض خلاصاته صادمة لمحبي هذه الشخصية التي رافقت الكثيرين في أيام الطفولة وكانت ملهمة لهم.

الفنان جيمس وودفورد يعمل على تمثال روبن هود، لمدخل قلعة نوتنجهام في مرسمه. لندن 7 مارس/أذار 1958

 

من سارق إلى بطل في هوليود

تعتبر شخصية روبن هود من الشخصيات المحيرة لأهل التاريخ، بالنظر إلى أن وجودها يعود للقرن الحادي عشر الميلادي أي قبل ألف سنة، وأغلب المتوفر عنها يندرج ضمن التراث الشفهي غير المدون، ولهذا ترجح بعض التفسيرات أن أصل التسمية هو "روب هود" المشتقة من كلمة السرقة والسلب باللغة الإنجليزية، وكانت تطلق على كل الخارجين عن القانون الذين يمتهنون السرقة أو السطو على ممتلكات الأغنياء، وكانت هذه التسمية متداولة في بريطانيا خلال العصر الوسيط.

وتعود أصول الوثائق الأولى التي تم فيها ذكر اسم "روبن هود" إلى القرن الرابع عشر، وذلك في الأعمال الشعرية للمؤلف بيرس بلومان، ومنذ تلك الفترة تناسلت الكتابات التي تناولت هذه الشخصية، تارة تقدمها بشكل أسطوري وتارة أخرى بصورة سيئة تسمه بالسارق والمجرم الهارب من العدالة، وسيستمر تباين الموقف من هذه الشخصية إلى حين تقديمه من طرف الأديب العالمي شكسبير على أنه "رجل عصابة طيب"، يقول شكسبير على لسان بطل إحدى مسرحياته إن روبن هود "كان ملكا للضعفاء في عالم الوحوش".

ستشهد قصة هذا المحارب انتشارا واسعا بحلول القرن السادس عشر مع تطور الطباعة، وفي القرن الثامن عشر ستكتمل معالم الشخصية كما وصلت إلينا في هذا العصر، وذلك عن طريق أعمال الكاتب البريطاني ريتسون الذي قام بإقحام ملحمة لعدد من الفرسان في العصر الوسيط، وألبسها على شخصية روبنهود ورفاقه.

وبحلول القرن التاسع عشر شهدت قصة روبن هود اكتمالا تاما وانتشارا عالميا، وذلك بفضل تقديم هذه الشخصية في رواية "إيفانهو" (Ivanhoe) أو الفارس الأسود للكاتب الإنجليزي والتر سكوت، الذي بنى هو الآخر على ما وجده مكتوبا من مؤلفات تمجد "روبن هود"، ثم أُعيدت صياغة الرواية من طرف مؤلفي كتب الأطفال، ومع النجاح الباهر لهذه المؤلفات تلقف صناع السينما في هوليود هذه  الفرصة وعملوا على إنتاج أكثر من عمل حول هذا البطل "الخارق".

مشهد من مسرحية "روبن هود" في مسرح صاحبة الجلالة في لندن 1860

 

فارس شارك في الحملة الصليبية

في مدينة نوثنغهام في قلب بريطانيا، توجد قلعة الملك ريتشارد قلب الأسد، هذا الملك الذي ارتبط اسمه بالحملات الصليبية وحرب مع الفاتح صلاح الدين الأيوبي، وأمام هذه القلعة التاريخية يوجد تمثال من البرونز يخلد ذكرى "روبن هود"، ويجسد التمثال شابا يحمل قوسه.

تواجد المجسم أمام قصر "قلب الأسد" تفسره بعض الروايات التاريخية بكون روبن هود أو "روبن لوكسلي" كان من نبلاء المدينة وشارك في الحملة الصليبية مع الملك ريتشارد، وعندما عاد إلى بريطانيا تفاجأ من أن جون شقيق الملك ريتشارد قد استغل فترة غياب أخيه للسطو على الحكم.

وبناء على هذه الرواية فإن روبن هود هو "روبن لوكسلي"، وهو مرافق الملك ريتشارد قلب الأسد، إلا أن بعض الوثائق التاريخية تؤكد أن الكونت "لوكسلي" لم  يكن من مدينة نوثنغهام وإنما ينحدر من منطقة يورك شير، وتقول السردية التاريخية إن هذا الكونت  كان من علية القوم ولم يكن أبدا ماهرا في رمي السهام، لأن مهمة حمل القوس والرماح كانت مخصصة للجنود الأقل حظوة داخل المجتمع وليس للنبلاء، وبالتالي فهذه الرواية قد تنسف فرضية أن روبن هود كان فارسا من الطبقة النبيلة، لكنها لا تنفي بالمطلق إمكانية مشاركته في الحملة الصليبية.

يقع روبن هود في غرام فتاة من الطبقة الأرستقراطية، ورغم حظوتها الاجتماعية فإنها تسانده في قضيته

 

شخصيات متعددة باسم واحد

وتظهر وثائق تعود للسجل العدلي لمحاكم منطقة يوركشير خلال القرن الثالث عشر، ورود اسم "روبن هود" في قضايا سرقة ونهب، وتوضح هذه الوثائق أن الأمر يتعلق بمبحوث عنه هارب من العدالة متورط في قضايا إجرامية بعيدا عن قضايا سرقة ثروات الأغنياء لتقديمها للفقراء، ويظهر في إحدى القضايا أيضا أنه مدين بالأموال للكنيسة.

وفي المقابل ترجح فرضية أخرى أن الأمر يتعلق بشخصية تدعى "روبن داي فيل" كان من أنصار الكونت "سيمون دو مانفروت" أحد النبلاء الذين عاشوا في القرن الثالث عشر، وعرف عنه معارضته للملك هنري الثالث، وتزعمه حملة تمرد من أجل الحد من سلطات الملك وصلاحياته، لكنه مني بهزيمة نكراء أودت بحياته وتفرق جيشه، مما دفع "روبن هود" الذي كان من أتباعه للفرار إلى الغابة وهناك تحول لقاطع طريق، ولعل هذه الرواية هي ما تفسر الربط بين "روبن هود" وبين وصفه في تلك الفترة بالخارج عن القانون لتمرده على الملك.

وهناك "روجير كودبيرد" المرشح المحتمل لكونه "روبن هود" الحقيقي، حيث ينحدر من مدينة نوثنغهام التي يتواجد فيها حاليا نصب تذكاري لهذه الشخصية، وعاش "رودجير" في القرن الثالث عشر، وكان في الأصل صديقا لرئيس الأمن في المدينة، قبل أن يختلفا نتيجة صراع على السلطة، ليقرر رئيس الأمن ملاحقة صديقه الذي فر إلى الغابة وخاص معركته ضد صديقه القديم، وتم تصنيفه بأنه خارج على القانون، قبل أن يحصل على عفو من طرف الملك الذي منحه قطعة أرض في نفس المدينة، ورغم هذا التطابق بين حياة روجير وحياة "روبن هود" إلا أنه لا توجد أي وثيقة تفيد بأنه كان يحمل هذه التسمية.

تظهر وثائق تعود للسجل العدلي لمحاكم منطقة يوركشير خلال القرن الثالث عشر، ورود اسم "روبن هود" في قضايا سرقة ونهب

 

"روبن هود".. مجرد لقب

اختلاف الروايات التاريخية والتأويلات لهوية "روبن هود" -لكون الأصل فيها كان شفهيا وغير موثق ويعود لأكثر من ألف سنة- جعل الأطروحة الأقرب للتوافق بين مختلف الباحثين، هو أن الأمر لا يتعلق بشخصية تاريخية واحدة، وبكون روبن ما هو إلا تصغير لاسم روبرت الذي كان جد متداول في بريطانيا خلال القرن الوسيط.

أما الجزء الثاني من التسمية فلها تفسيران، الأول هو نوع من الخشب ولهذا ترجم الفرنسيون الاسم إلى "روبن الخشب"، أو التفسير الثاني فهو كناية عن غطاء الرأس الذي كان يضعه روبن، كما تظهر المجسمات التي صنعت له.

أما عن كثرة  الشخصيات التي حملت لقب "روبن هود" فمرده لكون الكثير من الخارجين على القانون، كانوا يحملونه من أجل إخفاء أسمائهم الحقيقية، كما أن السلطات باتت تطلقه على كل مبحوث عنه أو متمرد على سلطة الملك، سواء أكان هذا التمرد من أجل قضية عادلة أم من أجل أهداف شخصية، وهكذا فقط اجتمعت في هذه الشخصيات ما تفرق في غيره، فهو يمكن أن يكون دالا على فارس نبيل، وكذلك على لص قاطع طريق لا أخلاق له، لكن ما ترسخ في الأذهان وما تم تسويقه شعبيا هو أن روبنهود هو ذلك المحارب الشجاع الذي يتحدى سلطة الأغنياء من أجل مساندة الفقراء، ولعل ترويج هذه الصورة يتوافق مع أغراض التاريخ الأوروبي الحديث، وذلك بهدف إظهار أنه في عصر الظلمات التي كانت تعيشه أوروبا، حيث كان الإقطاع وسلطة الكنيسة يتسيدان، كان هناك أيضا فرسان من الطبقة النبيلة اختاروا الاصطفاف مع المحرومين، وفي ذلك تحسين لصورة الطبقة النبيلة الأوروبية التي يرى كثيرون أنها كانت من أسباب وأعمدة تخلف أوروبا في القرون الوسطى.

ذات صلة