تقارير

زمن العبيد.. تجارة الأجساد والحياة والمصائر

 

عبد الله أيد

ازدهرت بين القرن الخامس عشر والتاسع عشر تجارة الرقيق بين أوروبا وأفريقيا وأمريكا، فقد جرت عمليات تجارية واسعة النطاق بِيعَ خلالها أكثر من 12 مليون إنسان، ما بين رجال ونساء وصبية من شعوب الساحل الأفريقي، قام تجار الرقيق بنقلهم عبر المحيط الأطلسي إلى أسواق النخاسة في العالم الجديد.

نمت هذه التجارة بشكل ملحوظ على مدى قرن ونصف من الزمن كتب خلالها أصحاب السفن قصصا تطايرت في الآفاق، مقتبسة من رحلة هؤلاء العبيد من مواطنهم إلى مهاجرهم القسرية، ومن سجلات البحارة والسفن التي تم نقل العبيد فيها.

نستعرض فيما يلي الفيلم الوثائقي الذي بثته الجزيرة الوثائقية تحت عنوان "زمن العبيد"، والذي يسلط الضوء على ظاهرة استعباد العرق الأوروبي الأبيض للسود الأفارقة تاريخيا عبر تجارة الرقيق العائمة على سطح الأطلسي، وذلك من خلال تمثيل رحلة استعباد "يانكا" و"توريكا" اللذين ولدا حرّين على الساحل الغيني.

 

النخاسة.. تجارة رائجة

بينما كان السكان المحليون في خليج غينيا يغنون ويرقصون ويمرحون ويهرسون محصولاتهم الزراعية ويمارسون حياتهم البسيطة عام 1825 إذ طلع عليهم طالع النحس المفرّق للجماعات الهادم للذات، فكان ديدن وكلاء تجار الرقيق من الأفارقة أنهم كلما نزلوا بساحة قوم أطلقوا الرصاص في سمائها، ليختطفوا من تصل إليه أياديهم من رجال ونساء وصبية الحي، ثم يقوموا بجمع محاصيلهم من العبيد تباعا مربوطين بقلائد من الحبال، كلما دخلت أمة أشفقت على أختها، حتى إذا ادّاركوا فيها جميعا بيعوا للتجار البيض بغالا وببغاوات.

تقول "يانكا": لا أستطيع إحصاء عدد الأيام التي مشيناها، فإحساسي بالوقت قد تلاشى، لكنها كانت أسابيع، انضم إلينا فيها أناس آخرون يشبهوننا في تعاستنا".

كانت فرنسا قد ألغت العمل بالرق عام 1794، فكان لزاما على تجار النخاسة أن يمارسوها في الخفاء بين أفريقيا وأمريكا مدة سبع سنوات تحت ظل الحظر الفرنسي. وبسبب تراخي السلطات استمر التجار في ممارسة تجارتهم المربحة بين "بوردو ونانت" وجزر الهند الغربية، لكن "نابليون" أعاد العمل بالرق ليستمر بشكل قانوني حتى تم إبطاله في فرنسا رسميا عام 1848.

تقوم السفن بتسليم الأسلحة والبضائع من أوروبا وأمريكا إلى أفريقيا، مقابل الرقيق المباع إلى فرنسا وجزر الهند الغربية وكوبا، ثم تعود أدراجها إلى فرنسا محمّلة بالبضائع من مزارع القهوة والسكر وحبوب الكاكاو.

كان تجار الرقيق يستغلون حروب القبائل والمجاعة من أجل خطف ما تطاله أيديهم من أسرى، ثم يبيعونه للتجار البيض

 

مقايضة الأرواح بالسلاح

ذات صباح شتوي بارد من عام 1825 أبحرت سفينة شراعية من شاطئ نانت باتجاه خليج غينيا، وكان وصولها إلى وجهتها في ساحل أفريقيا الجنوبي الغربي يستغرق ثلاثة أشهر، وقد وصلت بعد 98 يوما، ثم وطئ قائدها البر الغيني ليتفاوض مع الملك ببل حول صفقة بيع الرقيق التي خاض البحر من أجلها.

قال قائد السفينة إنه يريد 300 رأس من البغال والببغاوات (كناية عن الرجال والنساء) وقماشا هنديا، لكن الملك لم يستطع توفير أكثر من 200 فسمح له بالتعامل مع السكان الأصليين لأجل استكمال العدد، فقد كان تجار الرقيق المحليون والمهربون يستغلون حروب القبائل والمجاعة من أجل خطف ما تطاله أيديهم من أسرى، ثم يبيعونه لهؤلاء التجار البيض.

تقول يانكا "انتظرنا بضعة أيام وليال، وكان معنا نسوة وصبية من قرى أخرى بعيدة من قريتنا لم أسمع بها من قبل، وكان الرجال في أكواخ منفصلة عنا، وقد قاوم بعضهم بالقتال، بينما كان الآخرون أضعف من أن يخوضوا أي عراك".

يتم اختيار العبيد بمعايير الطول والقوة والعمر

 

معايير جودة العبيد

نال قائد السفينة مبتغاه ولم يبق إلا التسليم، فبدأ بنقل البضائع من سفينته إلى القوارب من أجل تسليمها إلى الملك، واستلام العبيد الذين يختارهم بنفسه، ومقايضة السكان المحليين، ثم فحص العبيد من أجل اختيار الأجود عبر معايير معينة يطبقها طبيب مرافق.

يتم اختيار الرقيق عادة عبر عدة معايير منها أن يكون ما بين 15 و35 سنة كحد أقصى، وأن يكون ممتلئ الجسم غير كسيح ولا مشوه، وألا يقل طوله عن خمسة أقدام، فتلك المعايير المربِحة في الرقيق عند الوصول إلى وجهتهم. أما الأطفال فيجب ألا يزيد عددهم عن ثلث عدد النساء، وبعد كل تلك الفحوص يقوم الطبيب بكي أجسادهم بعلامة السفينة كي لا يقوم الملك بتبديلهم برقيق أقل جودة قبل نقلهم في القوارب عبر النهر إلى السفينة الراسية عند مصب النهر.

تقول يانكا "كان البحر أول ما رأيت حين وصلنا إلى الساحل، ورأيت السفينة كذلك، لم أر شيئا بهذا الحجم على الماء من قبل، ولكن سرعان ما تحولت المفاجأة إلى خوف، عندما أدركت أن السفينة كانت ترقب حمولتها، وأننا نحن الحمولة، ولقد أحسست بالذعر رغم تظاهري بالعكس عندما أجبرونا على صعود السفينة، وكان يدور في خلدي هاجس مما سمعت من أحاديث عما وراء البحر، وأن الناس البيض سوف يأكلوننا".

فور صعود الملأ إلى السفينة يبدأ البحارة إجراءات السلامة للوقاية من الطفيليات والأمراض التي قد يحملها هؤلاء العبيد، فحلاقة الشعر من كل مناطق الجسد أو غسله بالخل أمر لازم من أجل ضمان سلامة الطاقم والعبيد، كي لا يتساقطوا موتى قبل بيعهم.

نابليون أعاد العمل بالرق ليستمر بشكل قانوني، حتى تم إبطاله في فرنسا رسميا عام 1848

 

متى أرى وجه أمي؟

حين حُشد الرقيق على ظهر السفينة قام فيهم رسول الملك ببل خطيبا فقال "إني أرى الخوف في عيونكم والقيود في أيديكم، ولكن هي قيود من أجل حمايتكم، هناك فيما وراء البحر ستحصلون على عمل تتكسبون منه، ومساكن تأوون إليها، ودواء يشفيكم عند مرضكم، وسيلتئم شمل العائلات قريبا، فلا تثوروا ولا تهربوا، وعما قريب ستشكرون جلالة الملك".

تقول يانكا "كان من المستحيل التنقل أو النوم داخل هيكل السفينة، لم أستطع ليلتها أن أذوق المنام، أردت أن أصحو لأجد نفسي في قريتي أنظر إلى وجه أمي".

عبر الغناء استغل الرقيق عدم فهم القوم للغتهم، فتواصل العشاق من الرجال والنساء ومنهم يانكا ومحبوبها توريكي

 

الرقص.. كي لا تتلف البضاعة

في الظروف التعيسة التي كابدها العبيد في بطن السفينة كان بعضهم يتمنى الموت من هول ما يجد وخشية ما يترقب، حتى إن امرأة انتحرت عبر ابتلاع قماش يسد الهواء عن رئتيها، فقام قائد السفينة بجلد البحارين عشرين جلدة محملا إياهم مسؤولية موت تلك الأمة السوداء.

تقول "يانكا": لتجنب حصول تمرد، قاموا بتوزيعنا في مجموعات صغيرة، كما قاموا بفصل النساء عن الرجال، ثم أطعمونا وغسلونا وسمحوا لنا بمد أطرافنا واستنشاق الهواء العليل ورؤية البحر، بعد أن كنا في الأسفل نستنشق رائحة المخزن التي لا تُحتمل في تلك المساحة الضيقة والحرارة المرتفعة والزحمة الخانقة، إضافة إلى حالة المراحيض النتنة، لقد كان الهواء فاسدا لدرجة أننا لم نستطع حتى التنفس".

كان قائد السفينة يحرص على حث العبيد على الغناء والرقص كلما سنحت الفرصة، مرتين على الأقل كل أسبوع، فالغناء والرقص من الأمور المهمة بالنسبة إليهم، ومن دون ذلك قد يصابون بحالة من الألم الشديد قد تؤدي إلى الموت.

وعبر الغناء استغل الرقيق عدم فهم القوم للغتهم، فتواصل العشاق من الرجال والنساء -ومنهم "يانكا" ومحبوبها "توريكي" بتلك الطريقة الغنائية، ورغم سبل الوقاية من الموت طبيا وتعريضا للهواء ورقصا وغناء فقد سقط البعض من العبيد نتيجة المرض وانتقال البكتيريا في بطن السفينة المحدود المساحة، كما مات آخرون من البحارة أصحاب البشرة البيضاء.

في الظروف التعيسة التي كابدها العبيد في بطن السفينة كان بعضهم يتمنى الموت من هول ما يجد

 

تجارب طبية

كان طبيب السفينة يحاول تشريح بعض الجثث لإجراء بعض التجارب الطبية عليها، من أجل إثبات أن دونية أصحاب البشرة السوداء هي بسبب هيكل معين في الدماغ معروف بالجسم الثّفَنِي، وأنه أصغر من مثيله في أدمغة أصحاب البشرة البيضاء، لكن قائد السفينة منعه من ذلك، لا إكراما للميت ولا رعاية لحرمة الجسد، بل خشية أن يقوم تمرد في السفينة يهدف إلى السيطرة عليها حين يدرك العبيد أن أحدهم تم تشريحه، وأنه بالتالي سيؤكل حسب الشائعات التي تملأ أذهانهم.

كان القائد بدلا من ذلك يقوم برمي الجثث في البحر بعد تسجيل وفياتهم، ويحرص على ألا يتم رميها في الليل، خشية أن يثير مشهد الموت المؤسف مشاعر التمرد عند بقية الزنوج فيثوروا، ثم يحرص على تنظيف الأرضية التي وضعت فوقها الجثث وغسلها بخل قوي المفعول، لأن جميع أنواع الأمراض يمكن أن تتولد من أجسامهم ثم تنتشر، فصحة الطاقم تعتمد على إقامة طقوس النظافة.

تتم عملية البيع العبيد بأسمائهم، ويتظاهر القائد بأنه ممثل أو وكيل

 

المرسى.. بداية الاستعباد

في السادس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول تراءت سواحل جزر الهند الغربية التابعة لفرنسا، لترسو السفينة الشراعية السريعة على سواحلها بعد أن أبحرت من الساحل الغيني مدة 46 يوما، وقد وفرت سرعة السفينة الشراعية على القائد الكثير من الخسارة التي كانت متوقعة بطول فترة الإبحار، فلم يفقد طول الرحلة إلا 16 رأسا من أصل 286 عبدا صعدوا متن السفينة، وهم ستة رجال وخمس نسوة وثلاث بنات وصبيان اثنان، ما يمثل خسارة 6% فقط من الإيرادات، بينما سقط من طاقم العمل أربعة من أصل 32 بحارا.

كان الحاكم قد صادر خلال الأشهر الثلاثة الماضية سفينتين قبل أن يتسنى لهما إفراغ حمولتهما من العبيد. وليس السبب إصرار الحاكم على تطبيق القانون الذي ينص على منع تجارة الرقيق، ولا ولعا منه بأصحاب البشرة السوداء، ولكن لحاجته هو نفسه إلى العبيد من أجل استعمالهم في المنشآت والكنائس والطرق التي يقوم بتشييدها، لكن قائد السفينة احتال على الأمر بالتعامل مع بعض الرجال الذين يثق بهم في المستعمرات من أجل إظهار العبيد على أنهم ملكية قديمة تابعة لهم، وتتم عملية البيع باسمهم، بينما يتظاهر القائد بأنه ممثل أو وكيل عنهم في عملية البيع.

يقوم أرباب العمل باختيار وانتقاء من يريدون، ثم يتم إرسالهم للمشترين في مجموعات بحسب أولوية الدفع

 

أرباب العمل.. أيهم يدفع أولا

وقف العبيد صفوفا من أجل جرد خبراتهم وأعمالهم وما تجيد أياديهم من حرف، لتوزيعهم على ذلك الأساس، وقد خاطبهم من يجيد لغتهم من أبناء جنسهم من العبيد الذين سبقوهم، ليطمئنهم ويطلعهم على النظام العبودي، ثم يوزعهم حسب العائلات والأفراد، تجهيزا لعملية البيع.

قال ابن عم القوم "ستلتقون بأرباب عملكم قريبا، وهم أشخاص مختلفون عنا، فمن يعمل جيدا يعامل بطريقة حسنة، ومن يخطئ يكن عقابه عسيرا".

وفي حشد كبير للعبيد بعد أن تم تنظيمهم وتقسيمهم إلى مجموعات جاء أرباب العمل يختبرون وينتقون ما يريدون، ثم بيعت المجموعات حسب أولوية الدفع للمشترين، أما من كانوا مثيرين لاهتمام أرباب العمل فقد تم عرضهم في مزاد علني يستعرض ميزاتهم ويرفع أسعارهم تنافسيا حتى يحصلوا على أعلى الأسعار، ليتم بيعهم بها وينطلق أرباب العمل وهم بما لديهم فرحون.

تقول "يانكا": أنا و"توريكي" أردنا أن نعمل لدى رب عمل واحد، وأن نتظاهر بأننا زوجان، لكنني لم أملك الجرأة للتوجه نحوه، وهو أيضا لم يتجرأ بل تسمّر في مكانه".

القانون الأول والأخير هو أن العبد إذا أطاع وامتثل أوامر سيده وعمل جاهدا فسيعامل معاملة حسنة

 

ربٌّ واسم جديدان

عندما وصل العبيد إلى منازل أرباب العمل ألقى عليهم القس كلمة ليقول لهم إنهم محظوظون، فبفضل أصحاب البشرة البيضاء الذين أحضروهم إلى هنا سيصبحون أفرادا من عائلة الرب وسينجون بأرواحهم، على الرغم من أن لهم ربا يعبدونه منذ الصغر، وبعد أن منح السادةُ العبيدَ ربّا جديدا للإيمان به منحوهم أسماء جديدة، وكأن لم تكن لهم أسماء منذ مولدهم.

تقول يانكا "قالوا لي إن اسمي أصبح ديلي، ولم يعد لي اسم غيره من اليوم فصاعدا، وعلمت لاحقا أن توريكي أصبح سين جون".

قانون العقوبات

القانون الأول والأخير هو أن العبد إذا أطاع وامتثل أوامر سيده وعمل جاهدا فسيعامل معاملة حسنة، أما القيام بأي عمل مناف للولاء للسادة مثل ضرب أحدهم أو ضرب زوجته أو أطفالهما مسببا كدمات أو إراقة دم فعقوبته الإعدام، وأما التمرد أو الهرب فعقوبته في المرة الأولى الكي بوسم زهرة الزنبقة على كتفه، وفي المرة الثانية تسلخ ساقه، وفي المرة الثالثة يُعدم.

التمرد أو الهرب عقوبته في المرة الأولى الكي بوسم زهرة الزنبقة على كتفه، وفي المرة الثانية تسلخ ساقه، وفي المرة الثالثة يُعدم

 

يوميات العبيد

يرن الجرس كل صباح عند شروق الشمس من أجل إيقاظ العبيد، وقد يضطرون في الأيام القصيرة إلى الاستيقاظ تحت جنح الظلام من أجل بدء جدولهم اليومي، فأول ما يفتتح به العبد يومه قداس وصلوات تتلى للرب، ثم ينطلق إلى أعماله التي استُعبد من أجلها.

وبالتوازي مع الأعمال المفروضة على العبيد تمنح لهم الفرصة لمزاولة أعمال زراعية حرة كل سبت، ويسمى في اصطلاحهم سبت الحديقة، حيث إن لكل عبد أرضا يزرع فيها ما شاء ويملك حصادها، وله الحق في أن يبيعه أو يأكله إن شاء، كما أن ثمن الحصاد إن باعه فهو له لا لسيده.

وتَسترجع بعض النساء المسترقات حريتهن مقابل أجسادهن، فمتى ما كانت المرأة ذكية وعلى دراية بما يجب القيام به وقع السيد في حبائل حبها وأعطاها حريتها، ولكن ليس دائما، بل الأمر مرتبط بطبيعة السيد وكرمه. وكل هذا إنما يحدث في قرى أخرى غير القرية التي أناخت بها راحلة أقدار "يانكا" و"توريكي"، ففي هذه القرية يموت أغلبية العبيد وهم عبيد.

كان طبيب السفينة يحاول تشريح بعض الجثث لإجراء بعض التجارب الطبية عليها

 

فلسفة الاستعباد

في حديث بين المأمور الفرنسي الذي يحاول فرض الرقابة وتطبيق القانون وبين أحد أرباب العمل قال رب العمل للمأمور إنه لا يزال حديثا في البلدة لم يستوعب بعد الحاجة إلى الإبقاء على نظام الرق، فالحياة دون العمال صعبة، والعمال يرفضون القدوم من فرنسا إلى تلك الجزر الهندية البعيدة، وحتى وإن قبلوا فإن الأجواء الاستوائية الحارة لن تلائمهم، فليست الأجواء تصلح إلا لأصحاب البشرة السوداء الذين ألفوا الحرارة.

ثم إن هؤلاء السود إنما تشغل أذهانهم فكرة واحدة، ألا وهي فكرة القضاء على المستقيمين ذوي البشرة البيضاء، لذلك يجب استعبادهم لإبقائهم تحت سيطرة العرق الأبيض.

تقول "يانكا ": علمت بمكان "توريكي" بعد أن سألت العبيد الآخرين عنه، وهو أيضا سأل عني وأتى طارقا في الليل مرات عدة يطلبني لكنه لم يجدني، واستمرت هذه الحال أسابيع عديدة، حتى جاء اليوم الذي توفي فيه اثنان من العبيد بسبب السم كما قيل، وفي تلك اللحظة قررت مع "توريكي" الهرب لنصبح فارَّين كما يطلقون على أمثالنا.

تم القبض على "يانكا" و"توريكي"، ثم جُلِدا جلدا مبرحا على الملأ أمام حشد من العبيد، وكان الجلد على علّاته رحمة لهما من عقوبات أخرى حرّمها القانون مثل بتر الأطراف وتجديع الآذان وغير ذلك، ثم جاء مَولى "يانكا" فاستلمها بعد أن تم فرك جروحها بمزيج من عصير الحامض والفلفل الحار، ليس من أجل منع الالتهابات وإنما من أجل زيادة التعذيب، أما "توريكي" فلم يستطع المشي من شدة ما لقي من الجلد، فاضطر مولاه إلى حمله على عربة.

بالتوازي مع الأعمال المفروضة على العبيد تمنح لهم الفرصة لمزاولة أعمال زراعية حرة كل سبت

 

السيء والأسوأ

تقول "يانكا" متحدثة عن سيدها للمأمور في مكتبه "بيير ديزارت": لم يكن أسوأ الرجال، صحيح أنه يعاقب عبيده بقسوة ووحشية عندما يرى أنهم أخطأوا، لكنه يستدعي الطبيب إن مرض أحدهم، ويجعل الخدم يعتنون بأطفال العبيد عند غياب آبائهم، ولا يجبر الحوامل على العمل، رغم أن الحوامل كن قلائل لتفضيل الإماء للإجهاض على إنجاب العبيد.

وأما "بونوفوند" -مولى "توريكي" وابن أخت بيير ديزارت- فهو الأسوأ، فهو حاد الطباع ووحشي، وتعمل أولات الحمل في منزله حتى يضعن حملهن، ثم يعدن إلى العمل في اليوم التالي، وتنقل "يانكا" عن "توريكي" أن "بونوفوند" يضرب الجميع بالسوط حتى الأطفال، ويضرب العبيد حتى يتسبب بوفاتهم.

ثم قالت مخاطبة المأمور المشفق على حالها "إن من العبيد من أصبح مجيدا للقراءة ذا دراية بالقانون، وإن من حق السيد في القانون أن يضرب عبده، لكن لا حق له بإزهاق روحه، وإن رجلا كـ"بونوفوند" يستحق السجن لأجل ما يفعله بعبيده". فرد عليها المأمور قائلا: لا أملك سلطة الشرطة هنا، ولكن أعدك أنني سأطالب بإجراء تحقيق.

ورغم امتعاض "بونوفوند" وادعائه أنه لا يخفي شيئا فقد قام المأمور بإجراء تحقيق لكشف مخالفاته القانونية، إلا أن "توريكي" رفض الإدلاء بأية شكوى للمأمور رغم محاولاته مدّعيا أنه يحصل على ما يأكله ويعامل جيدا، وأنه يعمل لكنه يستريح متى ما أراد، وأنه لم يقم أحد بضربه أبدا.

وبعد الكثير من الشكاوى التي رفعت ضد المأمور الشاب، نجح المستعبَدون أخيرا في إرساله إلى فرنسا بلده.

عندما وصل العبيد إلى منازل أرباب العمل ألقى عليهم القس كلمة ليقول لهم إنهم محظوظون

 

حتف توريكي

كانت مسألة موت المواشي مسمومة لغزا مؤرقا للسادة البيض لم يستطيعوا حله، والمال شقيق النفس، لذلك فقد اتهم "بونوفوند" بعد أن ماتت بعض مواشيه عبديْن وجارية من عبيده بتسميم المواشي وهم "توريكي" و"أوزيد" و"سوليتيود" الحبلى، وقد حكم القضاة بإعدامهم جميعا، إلا أنهم أمهلوا "سوليتيود" حتى تضع حملها.

تقول "يانكا": كانت سيدتي على علم بأن "بونوفوند" أراد عقاب "توريكي" لأنه تكلم للمأمور الذي غادر الجزيرة مؤخرا، وقد أقسمتُ لسيدي "بيير ديزارت" أن جميع الأدلة كانت مزيفة، وأن "توريكي" بريء، ولكنه رفض التدخل، ثم رجوته فيما بعد أن يشتري مولود "سوليتيود" فوافق، ثم حرره بعد أن أطلق عليه اسم "آغريكول".

أُعدم "توريكي" شنقا على شجرة، ولكنه لم يدفن بالمقبرة رغم أن العبيد الذين تم تعميدهم وهو منهم، كانوا يُدفنون فيها، وقد بحثت عنه "يانكا" مطولا، لكنها لم تجده أبدا. وبعد إعدامه بعشرين سنة قامت فرنسا في 17 أبريل/نيسان عام 1848 بإبطال الرقّ إلى الأبد.

نمت تجارة العبيد بشكل ملحوظ على مدى قرن ونصف من الزمن

 

نشيد العبيد

من الصعب أن يترك المرء والدته
من الصعب أن يترك والده
لقد جرى أسر 12 مليون شخص
خُطفوا واستؤصلوا من جذورهم
12 مليون شخص تحولوا إلى عبيد
لا تملك شهرة ولا اسما
تتكلم لغة ليست لغتك
أيها الإنسان الأسود
تستحق أن تعيش 12 مليون سنة

ذات صلة

كناوة المغرب.. موسيقى عُزفت على وجع العبيد
نقد سينمائي

كناوة المغرب.. موسيقى عُزفت على وجع العبيد

تحيل مفردة "كناوة" في المغرب إلى إثنية أو سلالة العبيد السابقين في المغرب والمنحدرين من مملكة غانا التي كانت تضم مالي، وفي الجانب الفني، تعني "كناوة" لونا معينا من الموسيقى وطريقة روحية يتواجد أتباعها في الصويرة ومراكش وفاس وحتى في العاصمة الرباط.