تقارير

"سنغافورة في فيلم".. هكذا كان كوكب المعجزات قبل 100 عام

 

يونس مسكين

لا تقدّم الأفلام الوثائقية مجرّد فرصة للاكتشاف انطلاقا من عروض وصفية، بل يمكنها في بعض الأحيان أن تحكي من خلال تلك الجسور الممتدة بينها قصصا طويلة تمتد فصولها على مدى عقود أو قرون.

هذا ما يقوم به فيلمان عرضتهما "الجزيرة الوثائقية" أحدهما في بداية العام 2019 وثانيهما في أواخر العام 2020، لتكون النتيجة أن أحدهما يقدّم لمحة عن آخِر ما بلغته دولة سنغافورة من أعلى درجات الرقي والازدهار التكنولوجي، لتتحول إلى أول مشروع لدولة ذكية في العالم، بينما جاء الفيلم الثاني ليقدّم تركيبا باهرا لمقاطع فيديو جرى تصويرها قبل أكثر من قرن من الزمن، وتبدو فيها سنغافورة في وضعها البدائي الأول، قبل أن تنجح في معجزتها الاقتصادية التي ضرب بها المثل.

فانطلاقا من فيلم "سنغافورة في فيلم" الذي عرضته الجزيرة الوثائقية، ومن خلال وضعه في مقابل إحدى حلقات سلسلة "مدن ذكية" التي خصصت لسنغافورة؛ تحكي هذه الأفلام الوثائقية قصة المعجزة الاقتصادية التي حقّقتها هذه المدينة-الدولة، وذلك منذ انفصالها عن ماليزيا منتصف الستينيات.

 

ميناء شحن الفيلة.. مرسى الإمبراطورية في شبه الجزيرة الماليزية

تقع سنغافورة في موقع استراتيجي في جنوب شرقي آسيا، عند الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة الماليزية، وقد وصل إليها البريطانيون في بداية القرن الـ19 في إطار حملاتهم الاستعمارية الكبرى، فتحولت الجزيرة منذ تلك الحقبة الى ميناء تجاري حر، تشحن عبره البضائع التي يؤتى بها من أقاصي الأراضي التابعة للإمبراطورية.

ويظهر مقطع من فيلم "سنغافورة في فيلم"، مشاهد لشحن فيلة حية على متن السفن بهدف نقلها إلى أماكن بعيدة وبيعها فيها، لكن هذه الأنشطة شكلت عامل جذب لكثير من السنغافوريين الذين استقروا بالقرب من الساحل[1].

تعتبر سنغافورة دولة مدينة، وتعتمد ثلاث لغات رسمية هي الإنجليزية والصينية والملاوية، أما نظامها السياسي فهو جمهوري منذ استقلالها بداية الستينيات، ويقدر تعداد سكانها بنحو خمسة ملايين ونصف مليون نسمة، لكن الناتج المحلي الإجمالي يقارب 300 مليار دولار، أي بحصة تفوق 60 ألف دولار للفرد.

تمثل الأسماك الثروة الطبيعية شبه الوحيدة للجزيرة، لكن سلة صادرات سنغافورة تضم منتجات متنوعة من الآلات والمعدات والإلكترونيات والكيميائيات والخدمات المالية ومعدات التنقيب عن النفط وتكرير البترول والفواكه والخضروات[2].

لا تزال صناعة الأناناس السنغافوري ومنذ مائة عام تتبع نفس النهج والأساليب والمذاق

 

انسحاب المحتل البريطاني والأخ الماليزي.. سنغافورة اليتيمة

ظلت سنغافورة بلدا صغيرا وفقيرا منذ وصلتها سفن الاستطلاع الاستعمارية للإمبراطورية البريطانية، بسبب وقوعها تحت سيطرة شبكات مختصة في أصناف الفساد.

وحين انسحبت بريطانيا من المنطقة وطرح سؤال الانتماء والتموقع، التحقت هذه الجزيرة بالتحالف الملايوي الذي شكّل ما يعرف بماليزيا، لكن ماليزيا سرعان ما اختارت التخلي من جانب واحد عن سنغافورة، لما كانت تشكله من بؤرة للصراع العرقي بين المنحدرين من أصول صينية الدين يشكلون فئة كبيرة في سنغافورة، وبقية الملايويين. ولم يدم انضمام سنغافورة إلى ماليزيا سوى سنتين بين 1963 و1965، حيث وجدت هذه الجزيرة الصغيرة نفسها كاليتيم المتخلى عنه[3].

عانت سنغافورة من الاضطراب والفوضى وسيادة شعور عام بالضياع إثر الخروج البريطاني وإدارة الأخ الماليزي لظهره بشكل مفاجئ، ووقف السنغافوريون على حقائق لم يكونوا ينتبهون إليها في السابق من قبيل ندرة المياه، حيث تعود جل المصادر المائية إلى الجارة ماليزيا، ونظرا لصعوبة الأوضاع وانتشار الفوضى عمدت السلطات إلى سن قوانين صارمة بهدف إعادة المجتمع إلى طريق الانضباط والخضوع لقواعد صارمة.

 

مشروع سنغافورة الافتراضي.. توأم المعجزة الأم

في مقابل المشاهد البدائية في فيلم "سنغافورة في فيلم"، يروي فيلم "مدن ذكية" في حلقته المخصصة لسنغافورة، كيف تحولت سنغافورة من مجرّد ميناء تجاري لرسوّ السفن البريطانية قبل نحو مائتي عام، إلى أقوى اقتصاد في العالم، وذلك خلال حوالي خمسين عاما، لتصنع بذلك واحدة من أسرع الطفرات الاقتصادية والتنموية في العالم[4].

وعلاوة على ناتجها الإجمالي القياسي واحتياطياتها الضخمة من العملة وازدهارها التجاري والسياحي، فقد أصبحت سنغافورة ورشة مفتوحة لتحقيق هدف أول دولة ذكية في العالم. الغاية الأسمى من هذا المشروع الطموح، هو تسخير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وقوة البيانات، لمحو المخلفات السلبية لعملية التطور السريع والمبهر الذي حققته البلاد، وتحقيق المساواة بين جميع أفراد المجتمع[5].

أنفقت الحكومة السنغافورية 52 مليون دولار لإحداث ثورة رقمية للبلاد، من خلال مشروع سنغافورة الافتراضية، وهو عبارة عن توأم رقمي لسنغافورة الواقعية، وهو قريب إلى حد كبير من الحقيقة، وفي هذه المدينة الافتراضية، تنجز المشاريع والبنيات الأساسية، ويجري اختبارها للتأكد من فعاليتها قبل إنجازها في أرض الواقع. كما يلجأ المسؤولون إلى هذه النسخة الافتراضية من الجزيرة لتخطيط عمليات الإخلاء عند وقوع بعض الكوارث، وسيسمح هذا المشروع بتحويل البلاد إلى مجال منسجم كليا مع تقنيات حديثة مثل السيارات الذكية التي سيصبح بإمكانها التجول بكل انسيابية في شوارع المدينة وأزقتها[6].

"لي كوان يو" البطل القومي وباني سنغافورة الحديثة

 

"لي كوان يو".. صانع النهضة القادم من أوكسفورد

يسند كثيرون النهضة الباهرة التي حققتها سنغافورة وإقلاعها من تحت الركام إلى شخصية "لي كوان يو" الذي يعتبره البعض بطلا قوميا لسنغافورة، فقد عاد هذا الزعيم من جامعة أوكسفورد البريطانية في لحظة دخول البلاد مرحلة الضياع إثر خروجها من الحلف الماليزي، ودخل غمار السياسة لينتخب باسم حزب العمل الشعبي رئيسا للوزراء على مدى ثلاثة عقود متتالية، وانتقلت البلاد خلال أقل من جيل واحد من قائمة بلدان العالم الثالث إلى بلد من بلدان العالم الأول.

استطاع "لي كوان يو" أن يقنع السنغافوريين بتجاهل ما يفرّقهم والتركيز على ما يوحّدهم، وتمكن من توحيد اللغة وحفّز الجميع على الانخراط في جهود النهضة، وكانت الأداة الرئيسة في ذلك هي القانون، حيث اعتبرت سياسات "كوان يو أن" تحقيق التغيير لا يتطلب بالضرورة انتظار تغيير الثقافة ومفعول المناهج التعليمية، وباتت سنغافورة شهيرة في العالم بوضعها عقوبة قانونية لكل مخالفة أو سلوك منحرف، وهو ما استطاعت السلطات تطبيقه بصرامة.

فسنغافورة التي بنت وجودها على قرية صغيرة للصيادين، أصبحت رابع أهم مركز مالي عالمي وواحدة من أكثر الدول احتفاظا باحتياطيات العملة الصعبة، ووجهة لأكثر من خمسة ملايين سائح يترددون عليها كل سنة، رغم أنها جزيرة لا تصل مساحتها إلى 700 كيلومتر مربّع. باتت سنغافورة تحوز بدون أدنى منازع صفة أنظف بلد في العالم، ويتمتع مواطنوها بواحد من أعلى مستويات الدخل المالي، ولا تمثل نسبة البطالة فيها سوى نحو 3% من السكان النشيطين[7].

وتتمتع سنغافورة اليوم ببنية تحتية هائلة، تضم شبكة طرق هائلة تتخللها أنفاق وقناطر تجعل السير أكثر انسيابية، بينما يعتبر الارتباط بشبكة الإنترنت أمرا شبه عام لجميع البيوت، واستعمال الهاتف المحمول جزءا من الحياة اليومية للسكان، كل ذلك يجعل سنغافورة مختبرا حيا لبقية العالم، لتجريب أعلى مستويات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجي في تبسيط العيش المشترك داخل المجتمعات[8].

ألبرت آينشتين في وثائق البريطانيين أثناء زيارة لمزرعة عائلة فرايكل البريطانية في سنغافورة وثنائه على جمال البلد

 

جمعية الأفلام البريطانية.. رحلة بصرية إلى سنغافورة التي اختفت

يقدّم فيلم "سنغافورة في فيلم" الذي بثته قناة "الجزيرة الوثائقية، فرصة نادرة للسفر عبر الزمن إلى أكثر من قرن مضى، من أجل مشاهدة لقطات حية للوضع الذي كانت عليه هذه الدول.

يتعلق الأمر بمجموعة من الصور الفوتوغرافية التي يعود تاريخها إلى عام 1900 م، وتظهر الكثير من الوقائع التي عرفتها سنغافورة في تلك الفترة قبل أن تصبح واحدة من أغنى بلدان آسيا[9].

يقوم هذا الفيلم بإعادة ذلك الأرشيف القديم إلى الحياة عبر ترميمه بوسائل تقنية متطورة، ليصبح صالحا للعرض خارج الأقبية التي ظل مخبأ فيها طيلة عقود، ومن ضمن المقاطع الفريدة التي عرضت ضمن الفيلم مقطع عائلي يكشف نمط الحياة داخل الأسرة السنغافورية قبل قرن من الزمن.

تصوّر الأفلام المكتشفة حديثا عالما اختفى من الوجود، خاصة بعد التطور الكبير الذي شهدته سنغافورة، فالمجموعة السنغافورية في جمعية الأفلام البريطانية تبقى صغيرة لكنها ثمينة، وبفضل الجهود المضنية المبذولة، استعاد جزء من تلك الأفلام الحياة، ويظهر أحد المقاطع مجموعة من الصبية السنغافوريين وهم يقفزون إلى المياه من قواربهم الصغيرة، وقد كانوا في الحقيقة يقومون بالغوص للبحث عن قطع نقدية.

كان هناك تقليد دارج يتمثل في مطالبة المسافرين على متن السفن بإلقاء قطعهم النقدية التي بقيت بحوزتهم في المياه، ليقوم الصبية المنحدرون من شعب المالاوي بالتنافس حول جمعها من قعر البحر. ممارسة لم تكن غريبة عن المختصين في تاريخ سنغافورة في الحقيقة، لأن المتاحف تحتفظ بلوحة تجسد عملية الغوص هذه، لكن أسلوب الحياة هذا اختفى من الجزيرة لأن التطور الذي شهدته دفع بهؤلاء السكان إلى الهجرة شمالا نحو ماليزيا[10].

بنايات أوروبية قديمة في سنغافورة تم ترميمها وتحديثها

 

بقايا العمارة الأوروبية.. عهد ازدهار سنغافورة التجاري

تظهر المقاطع المصورة قبل نحو قرن مضى عمالا سنغافوريين يعملون في الميناء بمظهر شبه بدائي، يحملون الأثقال ويشحنون البضائع وهم حفاة، وقد جلبت الأنشطة الجديدة التي ظهرت بعد وصول البريطانيين عمالا كثيرين قادمين من الصين.

ويظهر أحد الفيديوهات القديمة نهر سنغافورة وبه عدد من القوارب الصغيرة التي تنقل بضائع السفن البخارية الكبرى إلى العمق الآسيوي، بينما يظهر فيديو آخر سلسلة إنتاج فاكهة الأناناس، انطلاقا من المزرعة مرورا بالتقطيع إلى غاية مرحلة التعليب والتسويق. وهنا تبيّن هذه الأفلام المكتشفة حديثا كيف أن سكان الجزيرة ما زالوا يحتفظون بنفس المهارة والطريقة في تقطيع الأناناس رغم مرور حوالي 110 سنوات.

وبعدما تحولت الجزيرة إلى مدينة تجارية بريطانية مزدهرة مع بداية القرن العشرين، ساهم افتتاح قناة السويس -الرابطة بين البحرين المتوسط والأحمر- في تقريب سنغافورة إلى أوروبا، وهو ما جعلها تضاعف نجاحها التجاري، وقد شيّد فيها البريطانيون بنايات ضخمة وفقا للمعمار الأوروبي، وهي بنايات ما زالت موجودة حتى اليوم، فقد جعل المهندسون الأوائل شوارع المدينة مصممة بشكل يسمح بتقسيمها إلى أحياء منفصلة، كل منها مخصص لفئة معينة من السكان مثل الصينيين والهنود والملاويين.

وثقت الأفلام حياة الأوروبيين المترفة في الوقت الذي كان في شعب سنغافورة يعيش فقرا مدقعا

 

أناقة الأوروبيين وعربات العمال.. يوميات المستعمرين

توثّق الأفلام القديمة مشاهد لحياة عمال كولي، بما فيها مطاعمهم الخاصة المفتوحة في الهواء الطلق التي يتناولون فيها وجباتهم السريعة. بينما تؤكد الأفلام المسجلة منذ قرن مضى كيف أن الحي الصيني حافظ على حيويته وازدهاره، وإن كانت التفاصيل تبدو مختلفة بين جلسات الأكل البسيطة قديما، حيث يتحلّق الناس جالسين القرفصاء لتناول أطباق الأرز، بخلاف المطاعم والمحلات الحديثة ذات الرونق الجديد.

في مقابل مشاهد الحياة اليومية والتجارية للسكان المحليين لسنغافورة، تظهر بعض الأفلام ما كانت عليه حياة المستعمرين، إذ تظهر بعض اللقطات البيوت الفخمة بحدائقها الغناء وخدمها المنحدرين من السكان المحليين إلى الجزيرة، إلى جانب كثير من الحيوانات الأليفة مثل الكلاب والقطط، بينما تبدو بعض العائلات الأوروبية في مقطع آخر وهي تستمع بيوم مشمس في ناد للسباحة.

وتسمح الأفلام المصورة في بداية القرن الـ20 بالتمييز بسهولة بين المستعمرين الأوروبيين الذين يبدون في هندام عصري وأنيق، بينما السكان المحليون يجرّون العربات. بينما يظهر رجال الشرطة وهم ينظمون حركة السير، ويشير شكلهم إلى انتمائهم لفئة السيخ تحديدا، وهو العنصر العسكري الذي كانت الإمبراطورية البريطانية تثق فيه كثيرا.

بالمقابل يظهر أشخاص من فئة الكولي وهم يقومون بالأعمال الشاقة من حمل الأثقال والمهام الفلاحية أو يجرون العربات التي يركبها الأشخاص الأغنياء المتأنقون، وهم أشخاص تتضارب الروايات حول أصولهم، بين الهند والصين.

أجبرت بريطانيا الصينيين على استهلاك الأفيون الذي مثل مصدر دعم مالي أساسي للإمبراطورية البريطانية لعقود طويلة

 

إدمان الأفيون.. بضاعة المستعمر التي قهر عليها الشعوب

تقع سنغافورة على بعد درجة ونصف درجة فقط شمال خط الاستواء، وهو ما يمنحها مناخا استوائيا، أي أمطارا غزيرة ورطوبة عالية. لهذا يرصد أحد الأفلام التي يعود تاريخها إلى العام 1925 مشاهد فيضان كبير ضرب سنغافورة وقتها، مما أدى إلى غمر الشوارع الكبرى والأزقة بالمياه، لكن ذلك لم يمنع الأطفال من اللعب والاستمتاع ببرك المياه، أما الآن فقد باتت البنية التحتية لسنغافورة تستوعب كميات كبيرة من مياه الأمطار وتمنع حدوث فيضانات.

كان البعض في سنغافورة يستعين في مواجهة مصاعب الحياة بالإقبال على مخدرات ذلك الوقت مثل الأفيون، وتظهر إحدى اللقطات التي تضمنها الفيلم رجلا يقوم بتدخين الأفيون الذي كان إحدى المواد الأساسية لشركة الهند الشرقية، حيث غزت بريطانيا الصين لإجبار الصينيين على استهلاك الأفيون، وهو ما كان يجعل الشركة أكبر عصابات المخدرات في العالم وقتها. وظل الأفيون يمثل مصدر دعم مالي أساسي للإمبراطورية البريطانية لعقود طويلة، ففي سنغافورة وحدها تقول الإحصاءات إن ربع العمال كانوا مدمنين على الأفيون.

يتعلق الأمر على الأرجح في جزء من الأفلام المستغلة حديثا، بفيلم جرى تصويره على يد عسكريين تابعين للبحرية الملكية البريطانية، خلال جولة قامت بها من بريطانيا إلى سنغافورة، بغاية دعائية كان الهدف منها إظهار مدى التقدم والنجاح الذي تحقق في هذه الجزيرة الآسيوية النائية، وتحويلها من قرية صغيرة لصيد الأسماك، إلى مركز تجاري عالمي، والتأكيد بالتالي على شرعية الوجود البريطاني فيها واعتبارها ملكا خالصا للإمبراطورية، وفي الوقت نفسه إظهار قوة البحرية الملكية من خلال المشاهد المصورة طيلة الرحلة التي طافت حول أفريقيا كلها قبل أن تصل إلى شرق آسيا.

فالعملية وقعت جريا على العادة التي دأبت عليها جل الإمبراطوريات عبر التاريخ منذ العهد الروماني، أي إظهار أنها وجدت لفعل الخير وتحقيق الرقي والازدهار.

موكب احتفالي كبير لجنازة رجل أعمال

 

احتفاء الجنائز.. حفل الانتقال إلى الحياة الأخرى

في مقطع جرى تصويره في العام 1913، يبدو تجمع غفير من الناس وقد تحلق في ملتقى طرق وسط المدينة. ورغم ما توحي به مشاهد الموكب الذي يمر وسط الجموع من أنه حدث احتفالي، يتبين أن الأمر يتعلق بجنازة، ولا غرابة في التشابه بين الأمرين، إذ تنص التقاليد المحلية على الاحتفاء بانتقال الشخص إلى الحياة الأخرى وزفه إليها بطريقة احتفالية.

يتعلق الأمر في هذا المشهد تحديدا برجل أعمال صيني راكم ثروة كبيرة بفضل تخصصه في أعمال الشحن البحري. وتسمح مشاهد هذا الفيلم بمشاهدة واجهات محلات تجارية، تعلن أنها توفر منتوجات صينية وأخرى أوروبية وأمريكية، مما يوحي بكون الأمر يتعلق بالحي الصيني المزدهر وقتها.

ما زالت العادات المحلية تستدعي توجيه طلب إلى السلطات لإغلاق الطرق بشكل جزئي من أجل تنظيم الجنائز، وأحيانا تكون كلفة تنظيم الجنازة تفوق ما سيرثه أهل المتوفى. أما حين يتعلق الأمر بشخص ثري، فإن الطبيعي هو تمتيعه بجنازة باذخة، قد تفوق العشرة آلاف دولار في ذلك العهد القديم.

ما زال بعض المعابد في سنغافورة بعد أكثر من قرن، يواصل تنظيم احتفاليات للمشي بالأقدام فوق الجمر

 

طقوس السير على الجمر.. تقاليد دينية لا تشيخ

في نفس العام الذي صور فيه الموكب الجنائزي الاحتفالي يرصد تسجيل آخر موكبا من نوع مختلف، وهو تسجيل سري كان يهدف إلى توثيق طقوس تعبدية بوذية.

وتظهر لقطات من الفيلم كيف استعد المصور لفعل ذلك، حيث ارتدى زيا هندوسيا، وقام بإخفاء الكاميرا تحت كمّه الواسع، قبل أن يقوم بالتصوير خلسة لمجريات احتفال ديني هندوسي يعود أصله إلى منطقة تقع جنوب الهند.

يقع الاحتفال بالمشي فوق قطع ملتهبة من الجمر بأقدام حافية. كما تظهر هذه اللقطات استعراض بقرة مقدسة، إلى جانب معزاة وقعت التضحية بها كقربان. ورغم قدم كل هذه الطقوس الدينية فما زال بعض المعابد في سنغافورة بعد أكثر من قرن، يواصل تنظيم احتفاليات مماثلة تشهد مشيا بالأقدام فوق الجمر.

 

المصادر

[1] /video/سنغافورة-في-فيلم/
[2]https://www.aljazeera.net/encyclopedia/countries/2014/11/3/%D8%B3%D9%86%D8%BA%D8%A7%D9%81%D9%88%D8%B1%D8%A9
[3]https://www.aljazeera.net/blogs/2017/8/20/%D8%B3%D9%86%D8%BA%D8%A7%D9%81%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA-%D9%88%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%A3%D8%B5%D8%A8%D8%AD%D8%AA
[4] https://www.youtube.com/watch?v=HFo49njWLFg
[5] https://www.youtube.com/watch?v=HFo49njWLFg
[6] https://www.youtube.com/watch?v=HFo49njWLFg
[7]https://www.aljazeera.net/blogs/2017/8/20/%D8%B3%D9%86%D8%BA%D8%A7%D9%81%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA-%D9%88%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%A3%D8%B5%D8%A8%D8%AD%D8%AA
[8] https://www.youtube.com/watch?v=HFo49njWLFg
[9] /video/سنغافورة-في-فيلم/
[10] /video/سنغافورة-في-فيلم/

ذات صلة