تقارير

شركس سوريا.. نسيج اجتماعي يحاول الالتئام في موطنه

سنان ساتيك

انتشر الشركس في معظم أرجاء سوريا وتوزعوا بين محافظاتها مثل محافظة القنيطرة

في جبال شاهقة مثلجة شمال القوقاز يقطن شعب يمتاز بالكمال الجسماني والأخلاق العالية، وبلون صاف يميزه عن غيره، يعيش فيها معتمداً على ما تجود به البيئة مسالماً لا يريد الحرب، يحلم بحياة آمنة.

 

عودة إلى الجذور

تتناثر الفسيفساء السورية في الحرب التي تدور حومتها منذ سنوات، حتى غادرها كثير من القوميات والأعراق التي كانت تسكن فيها، ومنهم الشركس الذين وصلوا إليها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

ومع اشتداد أوار الحرب في سوريا بدأ بعض الشركس الفرار من مناطق الاشتباكات، ونزحوا إلى مناطق أخرى، ومنهم من حاول ويحاول العودة إلى الوطن الأم، كما سعوا إلى تحصين أنفسهم وعدم دخولهم في هذا الصراع، يدغدغهم حلم العودة إلى الوطن الأصل، فشرعوا يبحثون عن طرق للخروج والنجاة، وحاولوا الحصول على تأشيرات من السفارة الروسية في دمشق للعودة، حتى نالوا قليلاً منها، ومن لم يفلح في ذلك لجأ إلى النزوح كغيره من السوريين الهاربين من جحيم الحرب، فطرق الهروب خطرة، والحدود مغلقة.

قبل الحرب اندمج الشركس بالمجتمع السوري بكل أطيافه السياسية والفكرية والثقافية، وفي كل مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية، كما شاركوا في الحياة العامة المتنوعة في سوريا، لذا انخرطوا في التيارات الثقافية والاجتماعية والسياسية، وانتسبوا إلى مختلف الأحزاب في سوريا، فنرى الشركسي البعثي أو الشيوعي، لأنهم لم يقدروا على تأسيس كيانات حزبية مستقلة تتعلق بهم.

ولقد تفاعلوا مع المجتمع السوري مشاركين في عاداته وتقاليده ومناسباته، لكن في المقابل حافظوا على طقوسهم الشركسية التقليدية، فأعراسهم لا تزال تقام بطريقة تقليدية وفق عاداتهم التي جلبوها معهم من وطنهم، مع بعض التأثيرات التي دخلت إلى حياتهم نتيجة سكنهم في البيئة السورية الثرية التي دخلت تفاصيلها إلى حياتهم وطقوسهم[1].

تقدر بعض الأوساط غير الرسمية عدد الشركس في سوريا بنحو 1% من السكان (100 ألف) في عام 2013

جزء سوري أصيل

انتشر الشركس في معظم أرجاء سوريا وتوزعوا بين محافظاتها مثل محافظة القنيطرة، حيث كانوا يشكلون 80% من الشركس الموجودين في سوريا، لكن الاحتلال الإسرائيلي للجولان دفعهم إلى النزوح ثانية والتشتت في المحافظات السورية الأخرى، كما يتركزون في حلب دمشق وحمص، وفي محافظات ومناطق أخرى.

توزعوا في بقاعها الجغرافية، وصاروا مكوناً لا يتجزأ من النسيج السوري، فقد حصلوا على الجنسية السورية وتمتعوا بكامل حقوق المواطنة، حتى إنهم وصلوا إلى البرلمان والوزارة والجيش، كما شاركوا في الثورة السورية الكبرى عام 1925 على الاحتلال الفرنسي، وأيدوا الجمهورية السورية التي تشكلت بعد الاستقلال.

عاشوا في سوريا دون أي مشاكل دينية أو إثنية، إذ إن كل حكم سياسي مر على سوريا لم يعادِ الشركس ولم يتعرض لهم بتمييز عدواني أو اجتماعي أو سياسي أو عرقي، لأن المجتمع السوري معتاد على القوميات والأعراق المتعددة التي تدخل في نطاقه، فمارسوا عاداتهم وتقاليدهم الفولكلورية بحرية من دون قيد أو شرط، متضامنين متراصين في تجمعاتهم مع عدم الانعزال، محتكين بالوسط المحيط، مؤثرين فيه ومتأثرين به.

تقدر بعض الأوساط غير الرسمية عدد الشركس في سوريا بنحو 1% من السكان (100 ألف) في عام 2013، أما اليوم فلا توجد أرقام دقيقة لأعدادهم، ولا سيما أن الفوضى تعم الأراضي السورية ولا إمكانية لإجراء إحصاء دقيق لهم، وهم موجودون في سوريا بعد ثورة القائد "شامل" ضد الحكم القيصري وفشل تلك الثورة، وتكثفت هذه الهجرة في السنوات اللاحقة[2].

 

 

اتحاد الجمعيات الخيرية

أسس الشركس جمعيات شركسية تهتم بشؤونهم في دول الشتات، والتي شكلت الجمعيات الخيرية الشركسية بهدف العودة إلى البلد الأم، ولقد شُجع الشراكسة كي ينتسبوا إليها، لتكون سبيلاً لتأليف اتحاد الجمعية الشركسية العالمية التي يندرج تحت إطارها الجمعيات الشركسية، كما أنها تعقد مؤتمرات دورية لترتيب مطالب الشركس بالعودة إلى بلادهم.

ومن تلك الجمعيات الجمعية الشركسية في سوريا التي تأسست عام 1948 باسم المقاصد الخيرية الشركسية، وتدعو إلى دفع الاشتراكات الشهرية والتبرع لميزانية الجمعية لمساعدة الأسر الشركسية الفقيرة[3]. ولها فروع عديدة في مختلف المدن السورية.

 

معاناة تحت وطأة الحرب

بعد دخول المأساة السورية منعطفات خطرة من القتال والدماء وازدياد وتيرة العنف وسقوط الضحايا وارتفاع أعداد اللاجئين، عانت الأقليات ضمن المجتمع السوري، فصار أبناء الأقلية العرقية الشركسية يتعرضون لمضايقات كثيرة، وفي بعض الأحيان يُقتلون أو يُعتقلون أو يُضايقون كونهم شراكسة فقط، لأن الخراب يعم أرجاء البلاد فلا قوانين تحمي أحداً، وكان هذا الأمر طارئاً عليهم، إذ لم يسبق لهم أن تعرضوا لهذه المضايقات، فقد كان حقهم في المواطنة محفوظاً كسائر السوريين منذ وصولهم.

باتت أعداد لاجئيهم بالآلاف في تركيا والأردن ولبنان ومصر، لأن المئات من منازلهم وقراهم دمرت بأكملها، فراحوا يستذكرون المأساة التي سقط ضحيتها مئات الآلاف من الشراكسة إبان الاحتلال الروسي، باحثين عن ملجأ آمن، هاربين من جحيم الويلات التي ترافقهم أنى حلوا[4].

الحروب تقسم المجتمعات وتفككها، ولأن الشركس جزء من الحرب السورية فقد انقسموا في مواقفهم السياسية، كما أن من بقي في سوريا يعاني من الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يعانيها السوريون.

لم يحظ الشركس في سوريا بمزايا خاصة، فقد عاشوا في أجواء بسيطة، ولم يُميزوا عن غيرهم، مع وجود استثناءات منهم ممن بلغ مناصب رفيعة، مقارنة مع دول الجوار، ففي الأردن مثلاً لهم أربعة مقاعد في البرلمان، وقد اتخذ منهم حكام الأردن حرساً ملكياً خاصاً بلباسهم القوقازي التقليدي، حيث استقر معظمهم في عمان، وبنوا أول البيوت الطينية في منطقة تعرف بالمهاجرين. ويقدر عددهم بما يقارب 150 ألف نسمة، ولهم عدة مؤسسات تخصهم منها الجمعية الخيرية الشركسية في عمان ونادي الجيل الجديد، ويمثلهم المجلس العشائري الشركسي[5].

أسس الشركس جمعيات شركسية تهتم بشؤونهم في دول الشتات

الأصل واللغة

يطلق اسم شركس على جميع الشعوب التي تسكن في شمال القوقاز، قبائلهم متنوعة مثل "الداغستان، اللاز، الأباظ، الأنغوش، القرباغ، ناكورك، الجركس، الكولمنده".

ومن أسرهم أباظة، وهي تحريف لأبخازيا، وهو عرق من أبخازيا. كما أن هناك خلطاً بأن الشركس أتراك لأنهم هاجروا إلى تركيا واستقروا فيها، لكنهم عرق آخر منفصل وقومية مختلفة.

كما تنقسم اللغة الشركسية إلى لهجتين أساسيتين، إحداهما "الأديغية" وهي اللهجة التي يتحدث بها الشركس الذين يعيشون في الشرق الأوسط، والأخرى "قبردينية"، لكنهم بدؤوا يفقدون هذه اللغة عند عيشهم في أوساط جديدة لا تستخدم لغتهم المحلية، إذ لا توجد في سوريا مدارس لتعليم اللغات القوقازية، ولكن البيت الشركسي هو الذي يضطلع بهذه المهمة فيعلم هذه اللغات للأبناء، ولا يزال 80% من الشركس في سوريا والأردن يتكلمون بلغاتهم الأم حتى الآن، كما أن أحفادهم صاروا يتمثلون اللغة المحيطة كي تساعدهم في أمورهم الحياتية.

ويحافظ الشركس على عاداتهم وإرثهم الفولكلوري العريق، ويعملون على نقلها إلى الأبناء من جيل إلى آخر، لكنهم نظرا لقلة عددهم وتبعثرهم لم يكن بإمكانهم إصدار صحف بلغتهم أو حتى فتح مدارس خاصة بهم، وهذا ما أدى بكثير منهم إلى نسيان لغتهم الأصلية، وعدم استطاعتهم التحدث بها.

 

رحلة العذاب

يتراوح عددهم في العالم بين 8 و10 ملايين نسمة، قسم كبير منهم في هنغاريا، ويقيم في تركيا نحو ستة ملايين نسمة، أما في الوطن الأم فلم يبق منهم إلا ما بين 500 و600 ألف نسمة[6].

ففي 21 مايو/أيار من عام 1864 أعلنت القوات الروسية نهاية العمليات العسكرية في القوقاز لتنتهي حرب استمرت أكثر من مئة عام دافع فيها الشركس عن وطنهم، ولتبدأ بعدها قصة تهجيرهم.

يمتلئ التاريخ الشركسي بالحروب، فهم كانوا دائماً هدفاً لأطماع المجاورين، ولا سيما روسيا، وقد شجعت الدولة العثمانية هجرتهم من مناطقهم والقدوم إليها ليكونوا جنوداً في جيشها، حتى تدفق آلاف المهجّرين الشركس إلى سوريا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر هرباً من الحرب.

ولم يتوقف وصول أفواجهم، مستمراً حتى مطلع القرن العشرين بأعداد متراجعة، وكانت آخر موجة شركسية دخلت سوريا مجموعة الهاربين من المرحلة الستالينية، وكان عددهم لا يزيد على 251 شركسياً، وكان وصولهم إلى سوريا سنة 1948، حيث استشهد بعضهم دفاعاً عن الأرض العربية الفلسطينية في حرب الإنقاذ[7].

يتميز زي المرأة بالزخارف الفنية، مرتبطاً بالمنزلة الاجتماعية والعائلة والقبيلة والمناسبة

زي الرجل والمرأة

يعتز الشركسي بأرضه ويرتبط بها، لذا يحافظ على ما يذكّره بها وبتراثه، فالرمز هو صلة الوصل معها، لذا يرافق معظمهم "القبلق" (طاقية الرأس الأبخازية) التي لا يجوز خلعها أبدًا في المناسبات لأن ذلك ينم عن قلة احترام للحضور، كما أنها لم تعد مجرد لباس فلكلوري[8].

يتألف زي الرجل من "القبلق"، وهو قبعة مصنوعة من الصوف الأسود للشباب أو الصوف الأبيض لكبار السن، والزنار الجلدي القوي مع "الساشقوا" وهو الخنجر الشركسي، و"الساكوا" وهو المعطف السميك الخارجي، ويكون أسود للمحاربين أو الراقصين الذين يأخذون دور المحاربين، أو الأبيض السكري لكبار السن وأصحاب الدرجة الرفيعة وزعماء الفرق الراقصة، أو الخمري لأصحاب الدرجة المتوسطة بين الأسود والأبيض، والبنطال الأسود المدكوك بالحذاء ذي الرقبة الطويلة، وغطاء الرأس الذي يلف ويتدلى وقد يصل إلى الركبتين.

أما زي المرأة فيتميز بالزخارف الفنية، مرتبطاً بالمنزلة الاجتماعية والعائلة والقبيلة والمناسبة، ويتألف من "الساي"، وهو الرداء الخارجي المفتوح من الأمام والأسفل، والقميص الذي يغطي الصدر، والثوب الذي يُلبَس تحت القميص، والحزام المصنوع من المعدن المغطى بنقوش ذهبية، وغطاء الرأس المصنوع من الحرير، والذي يغطي الطربوش، وينزل من الخلف إلى الركبة، أما الحذاء فقد يكون من الخشب المنقوش أو من الجلد الرقيق المدبوغ والملوَّن[9].

 

الرقص والموسيقى

حضارة عريقة تمتد لآلاف السنين، تهوى الفن والموسيقى، لذا نشطا فيها في الزمن القديم تضرعاً وابتهالاً للآلهة، حتى تحول الرقص إلى رقص استعراضي، فمن رقصاتهم المعروفة: قافا، زفاكؤ، إسلامية، زغالات، تلباتشأس، ودج.

ويتشابه الرقص الشركسي مع الرقص الأوروبي، وفي نواح أخرى مع الرقص العربي، ولا سيما الدبكة الشعبية. ويتشارك الشاب والفتاة الرقص، وتحيط بهما الموسيقى. أما المتزوجات والأرامل والمطلقات فلا يشتركن فيه.

يشكلون حلقات ودوائر يتقدم فيها الشبان والفتيات للرقص بالتراتب، ولكل من الشبان والفتيات عريف يقودهم ويرفع صوته عالياً في المناداة على الراقص ليستثيره ويبث الحماس فيه مع ارتفاع في الأنغام الموسيقية، فهم أمة تحب الفن والموسيقى وتلجأ إليهما لتربية الأمة الشركسية.

ومن آلاتهم الأكورديون والكمان والبجمي، وهو مزمار يستعمله الرعاة عادة، والأبخيارستا التي ترافق المغنين، كما لديهم القيثارة والناي والشيكابشنه، وهي آلة وترية يعزف بها على ذنب الخيل، وهناك أداة تصدر صوتاً يشبه صوت حوافر الخيول أثناء الجري السريع.

من أشهر الطقوس لدى الشركس طقس الزواج الذي يعتمد على "الخطيفة" المستندة إلى قصص وحكايا شعبية في الموروث العرقي

طقس الخطيفة

من أشهر الطقوس لدى الشركس طقس الزواج الذي يعتمد على "الخطيفة" المستندة إلى قصص وحكايا شعبية في الموروث العرقي تحكي قصة شابة غنية لم تسمح لها أسرتها بالزواج من حبيبها الفقير، فتهرب الشابة وتحاول الانتحار، فيتدخل حبيبها وينجح في إنقاذها وإعادتها إلى أسرتها؛ هنا تتراجع العائلة وزعماء القبيلة، إذ إن الفتاة المستعدة للانتحار من أجل حبيبها لا يجب أن تموت، بل يجب السماح لها بالزواج به، فقرروا ابتكار تقليد جديد يقوم على أن يخطف الشاب الشابة (توافقاً)، وإذا نجحت المهمة فسيكون على عائلتها السماح لهما بالزواج.

وتعد ابنة العم مثل الأخت، لذا يعد عيباً الزواج بها، مع بعض الاستثناءات التي تحدث بين زمن وآخر.

في سنوات ما قبل الحرب السورية لم يكن الشركس يتخلون عن الجنسية السورية، فهذا ضرب من المستحيل، لأنها احتضنتهم عندما هجرهم الروس، وفي جيشها حاربوا منذ إنشائه، ومعه حققوا انتصارات كبيرة كما الحال مع الكتيبة الشركسية في العام 1948[10]، لذلك ما زالوا ينتظرون الأمل بعودة السلام إليها، ليحيوا فيها بسلام آمنين كما كانوا سابقاً.


[1] راجع الرابط: https://bit.ly/2WAvjaI

[2] "الشركس في سوريا.. أقلية أجبرها العنف على الرحيل"، العرب، 13/8/2013، شوهد في 28/5/2019، في: https://bit.ly/2HEzQzY

[3] راجع الرابط: https://bit.ly/2Kdy23t

[4] راجع الرابط: https://bit.ly/2WFxAS3

[5] راجع الرابط: https://bit.ly/2FfNDvp

[6] "جريمة إبادة ارتكبت بحقهم.. ماذا تعرف عن يوم الحداد الشركسي؟"، روزنة، 21/5/2018، شوهد في 28/5/2019، في: https://bit.ly/2W6lNvX

[7] عادل عبد السلام، "د. عادل عبد السلام (لاش): تهجير الشركس إلى سوريا وتوطينهم في شريط الليمس التركي"، شوهد في 28/5/2019، في: https://bit.ly/2MgvFyC

[8] نغم ناصر، "شركس سوريا.. حنين لأرض الأجداد ووفاء للوطن"، الجزيرة، 28/9/2008، شوهد في 28/5/2019، في: https://bit.ly/2MdvRPc

[9] "ماذا تعرف عن الشركس"، سوريتنا، 25/10/2015، شوهد في 28/5/2019، في: https://bit.ly/2VQsMUF

[10] ناصر.