تقارير

ضحك كالبكاء.. تراجيديا في حياة أعظم نجوم الكوميديا

 

سناء نصر الله

عادة ما تحاط حياة الفنانين بهالة من الأضواء تخلق انطباعا لدى الجماهير أن حياة هؤلاء خالية من المعاناة والحزن، لكن الحقيقة ربما تكون غير ذلك، فالمعاناة والفقر والنهايات المأساوية كانت ملازمة لعدد لا بأس به منهم.

ففي العصر الذهبي للسينما المصرية من الأربعينيات حتى نهاية الستينيات لمع عدد من نجوم الكوميديا وبلغوا أعلى درجات المجد والجماهيرية في زمن الفن الجميل، لكن قصصهم أثبتت أن الظلام قد يقبع أحيانا خلف أضواء الشهرة، وأن للسينما وجوها أخرى غير التي نراها، فالكوميديا أو الملهاة هي فن إعادة صياغة التلقائية وجعلها مقبولة لدى الناس، يتفاعلون معها ويضحكون على مفارقات الحياة وهمومها بقالب ساخر مرح دون تكلف.

في هذا الفيلم الذي تبثه الجزيرة الوثائقية، تطوف بنا الكاميرا للحديث عن الكوميديا في السينما العربية، وتستعرض حياة خمسة من نجومها، ممن رسموا الابتسامة على وجوه الجماهير لعقود طويلة، لكن فصول حياتهم اختفى وراء جدرانها كثير من الحزن والمأساوية.

في هذا الفيلم يتناول مجموعة من النقاد وأصحاب الاختصاص المصريين هؤلاء الممثلات الكوميديات وحياتهم وإنجازاتهم والمصاعب التي مرّوا بها والنهايات المأسوية التي حلت بهم. كما يتضمن الفيلم مشاهد تمثيلية لمجموعة من الممثلين من فرقة الورشة المسرحية، التي تعبر عن معاناة العمل الكوميدي، من الكاتب حتى المخرج وصولا للممثلين.

 

الكوميديا.. عبث الجدية دون تكلف

يحاول فنانو الكوميديا أن يرونا أكثر الأشياء جدية في حياتنا بإكسابها ثوب العبثية، فلقد عرفت الكوميديا زمن الإغريق وتعددت أنماطها وأشكالها، ولكنها لا تزال الأقرب للشعوب.

أما أشكالها فمنها الهزلية التي تسخر من واقع الحياة وكانت تعرض في باحات الكنائس والأسواق العامة، وهناك القائمة على الحماقات، وكذلك التي تهاجم الأفكار والعادات بشكل يتّسم بخفة الدم "السخرية"، إضافة إلى المحاكاة الساخرة، ومنها أيضا الكوميديا السوداء.

كانت الجوقات الكوميدية تستعين بأشخاص يتمتعون بصفات جسدية غريبة، كالنحافة أو السمنة أو القصر والطول المفرطين، لكن الكوميديا هي التي تختار أصحابها، فرغم موهبة الكثيرين من الممثلين وإبداعاتهم فهم لا يستطيعون أن يتجهوا نحو الكوميديا.

أما إجادتها فهي تتطلب أداء مقنعا، خصوصا عندما يقوم الممثل بأكثر من عمل، فيجب عليه أن يكون مُلمّا بالدوافع التي صنع لأجلها العمل، ولماذا كتب النص، والظروف السياسية والاقتصادية وقتها.

الفنان إسماعيل ياسين "أبو ضحكة جنان"

 

إسماعيل ياسين.. أبو ضحكة جنان

يستعرض الفيلم تجربة الفنان إسماعيل ياسين "أبو ضحكة جنان" ويقول المتحدثون إنه كان يستغل شكله وحركات جسده في إضحاك الناس، كما أنه كان يسمي نفسه "بقه/ بؤة" على اسمه في أحد أدواره.

كان هذا الفنان يصف نفسه بأنه مثل مركب تائه وسط البحر لا يجد البرّ ليرسو عليه، فقد كان والده رجلا غنيا لكن حياة العبث جعلته مفلسا لا يملك قوت يومه، وماتت والدته من الحزن الشديد. ولما كان الأمر كذلك، فقد أخذ إسماعيل ستة جنيهات من جدته وهرب إلى القاهرة، وهناك قيل له إن صوتك جميل، فكانت أول محطة له بالقاهرة في المعهد العالي للموسيقى، لكن في ذلك اليوم الذي ذهب فيه وجده مغلقا، ووجد نفسه ضائعا في شوارع القاهرة، فما كان منه إلا أن لجأ الى السيدة زينب المكان الذي كان يقصده عابرو السبيل.

كان إسماعيل يحلم كباقي جيله، أن يصبح مثل الموسيقار محمد عبد الوهاب فقد كان صوته جميلا، لكن نصحه من حوله بالإقلاع عن تلك الفكرة، لأن شكله أقرب للكوميديان، فقد كان يتمتع بشكل كاريكاتوري يليق بإلقاء المنولوجات التي نبغ فيها فيما بعد.

انطلق إلى عالم المسرح وانضم لعدة صالات مهمة، منها صالة بديعة مصابني وبابا عز الدين، وشارك في المونولوجات والاسكتشات والعروض المسرحية، وفي ذلك الوقت ظهرت السينما وكانوا يحتاجون لوجوه سينمائية، وحالفه الحظ بأن كان من أولئك الذين حظوا بفرصة، فكانت أدواره تتلخص في دور الشخص الطيب خفيف الظل المغلوب على أمره، الذي يقع في كثير من المطبات وبعد ذلك يستطيع تحقيق بطولات فردية.

لقد غدا نجما كبيرا وأصبح اسمه علامة تجارية في صناعة السينما، وحملت أفلامه اسمه مثل فيلم إسماعيل ياسين في الجيش وإسماعيل ياسين في السينما، وغيرها.

يقول الناقد كمال رمزي: كانت أدواره تمثل الطفولة الكبيرة للإنسان الطيب، وقد قام بكثير من الأدوار منها دوره كامرأة في فيلم الآنسة حنفي، لقد مثل في 360 فيلما منها الكثير الذي لا يزال يعرض حتى الآن.

أما عن سبب نجاحه، فيقول أحمد نجل الكاتب أبو السعود الإيباري إن والده رافق إسماعيل يس في مشواره الفني، وكتب له مجموعة من الأفلام التي تليق به وبموهبته، كان الإيباري مؤلفا مسرحيا وسبق أن التقى بإسماعيل ياسين في مسرح بديعة مصابني، وكان يرى فيه مشروع فنان ناجح.

قام الثلاثي إسماعيل ياسين والإيباري والمخرج فطين عبد الوهاب بعمل أفلام للجيش ولثورة 1952، وقد نجحوا معا بصناعة منتَج فني جيد يعيش لتلك اللحظة حتى لو نزع من سياقه التاريخي.

ويشير الناقد عماد خلاف إلى أن إسماعيل ياسين والإيباري شكلا فرقة مسرحية استمرت 12 عاما، وعملوا جوقة فنية انتسب إليها الكثير من الفنانين الكبار، من بينهم محمود المليجي وتحية كاريوكا.

كان عشقهم الأول المسرح فكانوا يعرضون كل يوم مسرحية، وكتب على باب المسرح "كل يوم رواية".

الممثل رياض القصبجي، هرب من الثأر ليصبح ممثلا

 

رياض القصبجي.. الشاويش عطية

لم تكن أدوار إسماعيل ياسين لتكتمل دون رياض القصبجي أو الشاويش عطية وشكّلا معا ثنائيا مميزا، وكان القصبجي يأخذ دور السنيد في كل تلك الأفلام. يقول ابنه فتحي رياض القصبجي: كان والدي جرجاويا واكتشف أن هناك من يطلبه بثأر، وأن عليه أن يهرب بعيدا فهرب حتى وصل إلى الإسكندرية وانضم للسكة الحديد.

عمل القصبجي سمكريا في السكة الحديد، وكان يذهب إلى القاهرة بحكم عمله وهناك كان يذهب لسينما علي بابا، فلقد كان محبا للسينما، وبعد فترة انتقل إلى العباسية في القاهرة عند أخته واشترك بنادي الملاكمة، وفي تلك الأثناء كانوا يصوَّر فيلم "سلّفني ثلاثة جنيه"، وقد اختاره المخرج "ألكسار" ككومبارس في هذا الفيلم، واعتبر أنه كان الدرجة الأولى في سلم نجوميته.

يقول الناقد كمال رمزي: لقد انتقل القصبجي لفرقة "ألكسار" واستمر بالفرقة وقتا طويلا، وكان دائما يلعب دور المعلم أو رجل العصابات، فقد تميز بتركيبة جسمانية وتركيبة شعبية جعلته ينصهر بسهولة في تلك الأدوار، فوجهه يبدو مليئا بالقسوة ثم ينتقل مباشرة للابتسام.

ويرى الناقد عمر دوارة أن ملامح وجه القصبجي تنتقل من قمة الطيبة لغاية الشراسة والتجهم، وأنه قد أجاد في توظيفها في السينما، وكانت السر وراء نجاحه، وعندما التقى بإسماعيل ياسين نجح كثيرا بدور الشاويش عطية.

الممثل عبد الفتاح القصري، ترك العائلة وسار خلف حلمه في الفن

 

عبد الفتاح القصري.. المعلم حنفي

يقودنا الفيلم للحديث عن المعلم حنفي، وهو عبد الفتاح القصري من الجمالية، وكان من أسرة ثرية، فوالده تاجر ذهب، أما عن التحاقه بالفن فيقول الناقد عمر دوارة إن فرقة فؤاد الجزايرلي العريقة كانت لها عروض مسرحية في منطقة الدرب الأحمر، وقد شاهدها القصري بإعجاب وشغف وأراد الالتحاق بعالم الفن والتمثيل.

كان القصري يحاول التمثيل بأي طريقة، فذهب إلى جورج أبيض وهو صاحب مسرح جادّ يتطلب إجادة اللغة العربية، وبالفعل مثل في المسرح، لكنه طُرد بسبب ملامحه الشكلية، التي لا تتوافق مع جلال المسرح التراجيدي.

تقول نجلاء ابنة أخيه إن العائلة رفضت عمله كممثل، لكنه ترك العائلة والأمان الأسري وسار خلف حلمه رغم الكلفة العالية من الإقامة بالشارع والتنقل والمعاملة غير الإنسانية التي تعرض لها.

تخرج القصري من المدرسة الفرنسية وبالرغم من ذلك أجاد دور المعلم، فمثّله بطريقة مختلفة، فكان مرّة يمثّله ببدلة ومرة أخرى بجلّابية، وقد تميز القصري بحجمه وشعره الناعم وحول في عينيه، وعندما طلب منه عمل عملية رفض وقال إنها مصدر رزقه، وهناك علامات مميزة له كطريقة نطقه للحروف وأدائه، وقد مثّل في 63 فيلما، وكان أول أفلامه "سي عمر" وآخرها "سكر هانم"، ومن الطريف ذكره أنه في يوم كان مع حسن البارودي ولم يكن معهما نقود لشراء الطعام فقاما بسرقة رغيف خبز وتقاسماه.

الفنانة زينات صدقي.. تركت أهلها وعاشت وحيدة

 

زينات صدقي.. كتا كيتو بني

أما الفنانة زينات صدقي فيقول عنها الناقد طارق الشناوي إنها كانت أفضل كوميديانة ظهرت في حياتنا، وهي "الأكثر تلقائية والأكثر سخونة"، عاشت حياة كفاح.

كانت عاشقة للفن، وقد تميزت برشاقتها؛ فعرفت كراقصة ومونولجست، وهي ابنة الإسكندرية، سافرت مع صديقتها خيرية صدقي إلى الشام هاربة من أسرتها، فذهبت في البداية إلى بيروت هاربة من ضغوط المجتمع. يقول الشناوي: كان الفن وقتها مرتبطا بالانحلال والانفلات، لذا عارضت أسرتها ذلك.

لفتت زينات الأنظار في بيروت واشتغلت كراقصة ومونولجست في البداية، قدمها نجيب الريحاني وأسند إليها دورا تراجيديا في مسرحية فقلبته إلى كوميديا، وطُردت نتيجة لذلك، وبعد فترة أرجعها الريحاني بدور كوميدي وعملت بفرقته مدة طويلة، وبعد وفاته انضمت لتلك الفرقة.

كانت تقدم الشخصية بشكل متطور لا تكرر الجمل والإفيهات وبطريقة متوهجة، وبذلك أجادت أخذ الدور الفني باتجاه واحد، مثل دورها في فيلم "شارع الحب" التي ظهرت فيه بدور المحبة حتى أن العقاب عندها كان بالحب، وكثير من القفشات الكوميدية خاصة بها مثل "كتا كيتو بني"، لقد لعبت الأدوار بتلقائية دون تكلف، ولم يشعر المتلقي بأنها تمثل، وهذا هو سر نجاحها واستمراريتها.

الممثل عبد السلام النابلسي رفيق فريد الأطرش وعد الحليم حافظ

 

عبد السلام النابلسي.. حسب الله السادس عشر

ننتقل إلى الشيخ عبد السلام النابلسي كما كان يعرف، فقد وُلد لأسرة عُرفت بتديّنها، فكان والده أديبا وقاضيا في مدينة نابلس في الضفة الغربية، وعندما كبر بعثه للدراسة بالأزهر الشريف، وهناك حفظ القرآن، ولكن أثناء دراسته بالأزهر أسس فرقة مسرحية جذبت الأنظار. يقول الناقد كمال رموي: التقى بيوسف وهبي الذي وجد فيه قدرا كبيرا من الثقافة، واشتغل معه على خشبة المسرح، وقدّم عروضا مسرحية باللغة العربية الفصحى، وتنقل بين الفرق المسرحية ثم اتجه نحو السينما.

في بدايته لم يعمل ككوميديان، لكنه تقمّص دور الشاب العابس، وعندما تقدم قليلا في فترة الثورة كانت السينما تحتاج لشخص يلعب دور الأرستقراطي الذي ضاعت ثروته، فأجاد النابلسي هذا الدور حتى أنه لُقّب بالكونت، وعندما كان يعمل حفلات في بيته كان يرتدي زي كونت.

شارك النابلسي في 170 فيلما، وكان يرافق فريد الأطرش صديقه الوحيد، وعمل كذلك مع الفنان عبد الحليم، ومثّل في الكثير من أفلام الأغاني كدور ثاني.

يعتبر طارق الشناوي أن النجومية وبطل الشباك تحتاج لأبطال بشكل معين، وهي محبة غير مشروطة ولا تخضع للعلم، وقد يأتي الناس من أجل اسم نجم معين، فمثلا في فيلم "شارع الحب" كان الجمهور يأتي لأجل عبد الحليم وهو المستفيد، لكن الناس لا تنسى شخصية حسب الله السادس عشر التي قام بها النابلسي، وهو حقيقة من كان يُمتّعهم.

مع ظهور جيل جديد من الممثلين، بدأ نجم الجيل السابق بالأفول

 

مقاييس الكوميديا.. حرب ضد الجيل القديم

ومن المفارقات أن النجوم الخمسة الذين يرافقوننا في هذا الفيلم كانت أدوارهم هي "دور السنيد" وليس البطولة الأولى باستثناء إسماعيل ياسين، لكن كان لكل منهم بصمته الخاصة التي تفرد بها.

لقد حفظ الجمهور العربي جملهم "الإفيهات"، لقد كانت كوميديا "الستيريو تايب" أو الشخصية التي كانت مُتّبعة في ذلك الوقت، تعتمد على ملامح الشخصية الواحدة المتكررة التي يريد المشاهد رؤيتها، كما أعيدت الكثير من الأفلام الناجحة على شكل مسرحيات مثل مسرحية "عمتي فتافيت السكر".

يقول الناقد عصام زكريا: طالما كانت الإيرادات جيدة سيبقى الممثل الكوميدي يعمل نفس الدور، وإذا رفضه الجمهور تبدأ نجوميته بالانحسار.

وهنا لا بد من الإشارة كما يقول الناقد الشناوي، إلى أن ياسين كان بحاجة لعقل يدير هذا النجاح، فالكوميديا والموهبة بطبعهما متغيران، ويأتي زمن آخر بمقاييس أخرى ونجوم جدد فتنقلب الصفحة، لكن النجوم لا يستطيعون استيعاب الأمر فينتهوا، فرغم كثافة الإنتاج السينمائي وغزارة العمل المسرحي مات إسماعيل ياسين مدينا.

ظهرت موجة أخرى من الأفلام والمخرجين، ولم يستطع النجوم القدامى التأقلم معها لأن الجمهور وصل لنوع من التشبع، لذا ظهر نمط جديد من الكوميديا المُسمّاة فرق التلفزيون، حيث بدأ عصر فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي ومحمد عوض، ومِن بعدهم سعيد صالح وعادل إمام، واعتبر إسماعيل ياسين أن ذلك كان موجة عابرة. يقول كمال الشناوي: كان ياسين يشعر أن هناك حربا ضده، والمأزق الآخر هو أن يطوف به المطاف ليعود إلى نقطة الصفر، لقد عاد فقيرا مدينا.

بعد العزّ والأبّهة والشهرة، يموت الممثل وحيدا غريبا ولا يترك خلفه سوى الذكريات

 

"قديمة يا سمعة".. مغامرات الضياع والإفلاس

لم يستطيع إسماعيل ياسين أن يكوّن ثروة رغم عمله الدؤوب والغزير، أخذت الضرائب تلاحقه وكان مطالبا بمئة ألف جنيه، وهو رقم مهول في ذلك الزمن، بعد كل هذا التاريخ يعود يتسوّل لأجل العمل، ورغم أنه كان مادة جاذبة للجمهور، فقد قيل له وهو يُلقي أحد منولوجاته "قديمة يا سمعة"؛ هذه الجملة كسرته، فقرر بعدها القيام بجولة في الوطن العربي، لكنه أنفق ما بقي معه من الأموال وعاد مفلسا تماما.

يقول آدم مكيويان: أنفق إسماعيل ياسين الكثير على مغامراته النسائية وزواجاته، ولم تحقق مغامراته الفنية له النجاح بل سحبت من رصيده، وتحوّل لممثل ثانوي، فظهوره في فيلم "الرغبة والضياع" يؤكد عمق المأساة التي حلّت به.

يقول زكي مصطفى إنه سأل إسماعيل ياسين باستغراب: هل يُعقل أنك عدت للكبريهات؟ فقال نعم. وأصبحت أجرته 20 جنيها بالليلة، حاول شكوكو مساعدته بشارع الهرم لكن الحياة أغلقت أبوابها في وجهه حتى توفاه الله.

خبر وفاة إسماعيل ياسين؛ أشهر مونولوجست في تاريخ مصر

 

عمًى على المسرح.. نهايات مأساوية

لقد لاقى عبد الفتاح القصري نفس المصير، فالرجل الذي كان ينتج 16 فيلما في السنة ورغم أرشيفه المسرحي الكبير، فقد سحب البساط من تحت أقدامه، وعندما أرادت الدولة تكريمه سمّت شارعا بالسويس باسمه.

ويعود مرة أخرى من حيث بدأ، كانت تفاصيل مأساته مريعة، لقد فقد البصر وهو على المسرح، فأخذ يقول إني لا أرى، فحسب الناس أنه جزء من الحدث الدرامي، فأخذوا يضحكون وهو يصرخ ويبكي.

لكن إسماعيل ياسين أدرك ما أصابه في تلك اللحظة، فأدخله الكواليس. تقول نجلاء ابنة أخيه: إن زوجته استغلته أسوء استغلال، فقد جعلته يتنازل عن كل أملاكه، وتزوجت ابنه بالتبني، وعاشت حياتها سهرات وحفلات.

أصبح يبحث عن مكان للرزق فعمل على عربة يد لبيع الكبدة أمام الأوبرا، لم تكن هناك نقابات فنية ولا راتب تقاعد من الدولة، وكانت نظرة الناس له نظرة دونية، ثم أصابه الزهايمر، وبمبادرة شخصية حاولت ماري منيب ونجوى سالم مساعدته فاصطحبتاه للمستشفى، وعندما هُدم بيته أعطياه شقة وهكذا انتهت حياته.

يقول زكي مصطفى عن نهاية حياة رياض القصبجي: لم تكن نهايته المأساوية بسبب المال، ولكن بسبب تراجع صحته وإصابته بالشلل النصفي، لذا تكالبت عليه مصاريف العلاج، وحاول حسن الإمام مساعدته وأعطاه دورا بفيلم الخطايا، وقد فرح القصبجي كثيرا لأنه سيعود للكاميرا، ووقف وحفظ الدور لكنه وقع وألغي دوره.

خبر وفاة الفنانة زينات صدقي وحيدة بعيدة عن زملائها

النابلسي وزينات.. نهايات مأساويات

أما نهاية النابلسي فكانت مشابهة، فقد حوكم قضائيا بسبب التهرب الضريبي، فهرب إلى بيروت وهرّب زوج نجاح سلام المغني محمد سلمان نقوده في دمية.

ثم أودع نقوده في بنك في لبنان لكنه استولى عليها، يقول الناقد محمود قاسم: في لبنان لم يجد المال فقام بأدوار تافهة، وكان يكتب مقالات غير معروف هل هي شعر أم نثر أسماها بوليسيات.

لقد أصيب النابلسي بعد ذلك بمرض وكان الألم الذي عانى منه مبرحّا، حتى أن المُغنيّة صباح قالت: كان يفتح صنابير الماء في غرفته حتى لا يُسمع صوت أنينه، وسريعا غادر الحياة.

تشاركت زينات مصطفى معهم نفس المأساة، ولكن بشكل مختلف، فكان آخر أفلامها عام 1967 ثم انقطعت العروض عنها، حتى ظهرت في سنة 1975 في فيلم مع سهير رمزي.

انقطعت عنها الأدوار وبقيت في بيتها وأنفقت كل نقودها، لقد أغلقت الستارة عليها. يقوم كمال رمزي: اتصل بها الدكتور رشاد صدقي، وأخبرها أن الرئيس السادات يريد أن يكرمها، فاعتذرت لأنها لا تستطيع شراء فستان، وعندما سمع السادات بذلك صرف لها راتب تقاعد، وحضرت الاحتفال بملابس بسيطة، وتوفيت بعد عدة شهور ودفنت في مقابر الصدقات.

يختم مدير فرقة الورشة بقوله: إن طبيعة الضحك مشروط بالإدراك والعقل، فلن تستطيع الضحك على نكتة دون فهمها، في حين أن التراجيديا تلعب على المشاعر، لذا تعتبر الكوميديا أكثر صعوبة، فمن السهل أن تُبكي إنسانا، لكن من الصعب أن تضحكه.