تقارير

طفل برتبة مجرم.. أطفال تحت سطوة الاحتلال

 

خاص-الوثائقية

جرت العادة منذ قديم الزمان أن تكون الغربة مرتبطة بالبعد عن الأوطان، فتلك أولى قواعد الاغتراب منذ الأزل، لكنها تكون في بعض الأحيان مختلفة عن ذلك. في القدس حيث تتخذ كل المظاهر طعما جديدا ولونا جديدا ورائحة جديدة؛ تتخذ الحرية أيضا طعما آخر مريرا ولونا قاتما ورائحة عفنة، وتتحول البيوت إلى سجون، والحقوق البسيطة إلى أحلام مستحيلة، وتصبح الطفولة جريمة، والوطن منفى.

في هذا الفيلم الذي أنتجته قناة الجزيرة الوثائقية بعنوان "طفولة أسيرة"، توثيقٌ لثلاث حالات حبسٍ منزليٍ لأطفال لم يكن لهم ذنب سوى أنهم مقدسيون فلسطينيون، عاشوا فترات من الحبس سُلبت فيها طفولتهم وذاقوا فيها الذل بأبشع صوره.

أنت فلسطيني.. إذن أنت مجرم

"مُسلَّم موسى عودة" طفل لا يتجاوز عمره الثالثة عشرة، هو ضحية الحبس المنزلي لعشر مرات حتى الآن، واجه في آخرها الحبس الفعلي، فقد تم إبعاده عن منزله في حي البستان في القدس المحتلة ليقضي فترة حبسه في منزل خاله بجبل المكبر.

تمضي أيامه طويلة ممنوعا من الذهاب إلى مدرسته أو حتى الخروج من المنزل للعب مع أقرانه في الحي. يهاتف والدته مثل رجلٍ قد اغترب عن وطنه، غير أن ما يشعر به مسلّم يضاهي الغربة بل أسوأ. يقول الطفل: لم تعد حياتي كما كانت سابقا. إن المنزل الذي يعني دفء العائلة والملجأ الآمن، قد يتحول إلى سجن مظلم عند الطفل المقدسي.

يعيش الطفل المحكوم عليه بالحبس المنزلي ألم فقدان حريته وتلاشي مظاهر البهجة في طفولته، ثم ألم العقوبات التي تنتظره وعائلته إذا ما خرق التعليمات القاسية المفروضة من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

يقول سمير الطرمان رئيس قسم الإرشاد والتربية الخاصة بالقدس: إن قرار الإقامة الجبرية هذا يأتي بعد عقد محاكمة، ويكون مرتبطا بتهديد الأب أو هدم المنزل أو غرامة مالية قد تصل إلى خمسة آلاف شيكل إذا تمت مخالفته.

"حسن العفيفي" طفل يواجه هو الآخر الحبس المنزلي لمدة 14 يوما على خلفية اتهامات ملفقة بمحاولته طعن أحد أفراد القوات الخاصة الإسرائيلية، وتستطيع أن تقرأ من تعابير وجهه والهالات الداكنة تحت عينيه وآثار الكدمات على رأسه كم كانت فترة التحقيق معه قاسية، إنه يستحث عقله على التفكير في أي شيء آخر؛ محاولا تشتيته عن هذين الأسبوعين الثقيلين، حيث يمضي فترة حبسه المنزلي.

حتى ذهاب حسن إلى مدرسته خلال هذه الفترة مقيَّدٌ بمرافقة أحد والديه وليس غيرهما، وهو يفتقد تلك الأوقات الجميلة التي كان يقضيها مع زملائه بعد انقضاء يومهم الدراسي، حتى إنه ممنوع من المشاركة في الرحلات المدرسية التي ينتظرها الطلاب على أحر من الجمر من وقتٍ لآخر.

الطفل "مُسلَّم موسى عودة" لا يتجاوز عمره الثالثة عشرة، وضحية الحبس المنزلي لعشر مرات

تحايل على المواثيق الدولية

يقول "عايد أبو قطيش" مدير برنامج المساءلة في الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال: الحبس المنزلي جاء في محاولة من السلطات الإسرائيلية لحفظ صورتها أمام المجتمع الدولي بتجنب الاعتقال الفعلي للطفل؛ ففرضت مع الحبس والإبعاد شروطا خانقة للطفل المقدسي وأُسرته على حد سواء.

أما "صهيب الأعور" من حي سلوان، فقد تعرض بين عامي 2010 و2012 للاعتقال ست مرات، وفي ثالث مرة اعتقل هو ومجموعة من أطفال الحي اتُّهموا بتعريض حياة الإسرائيليين في سلوان للخطر. يقول صهيب إن التحقيق معهم استمر عشرة أيام، تعرض خلالها لكل أنواع التعذيب الجسدي والنفسي والشتائم والألفاظ النابية، وانتهت بالحكم عليه بالإبعاد إلى منزل جده في جبل المكبر، وقد استمر هذا الإبعاد لأربعة أشهر ثم دخل مرحلة جديدة من الحبس المنزلي لمدة مفتوحة.

لم يتمكن صهيب طوال هذه المدة من الذهاب إلى مدرسته إلا بعد استصدار تصريح مكتوب من المحكمة للسماح له بذلك وبمرافقه أحد والديه حصرا في الذهاب والإياب. غير أن المدرسة قررت فصله بشكل كامل بعدما تسببت فترات اعتقاله وإبعاده في تغيبه مدة شهرين عن مقاعد الدراسة.

هذه التعقيدات والتبعات من شأنها أن تثقل كاهل الطفل المقدسي، وهذا بالفعل ما تسعى له السياسات الإسرائيلية، إلا أن صهيب ومثله الكثير يأبى إلا أن يواجه هذه التحديات بكثير من الصلابة والثبات.

وبالعودة إلى الطفل مسلَّم فإن اللحظات التي تمر بطيئة وهو على إحدى شرفات منزل خاله يتأمل حركة المرور الرتيبة، ويرى السعادة على وجوه أطفال الحي وهم يلعبون، بينما هو محروم من أبسط حقوق الأطفال. ولا تسأل عن سعادة مسلّم وفرحته عندما تزوره أمه أو أخته في منزل خاله، في مشهد لا يختلف كثيرا عن زيارة الأهل لذويهم في سجون مشددة الحراسة.

الطفل "حسن العفيفي"يواجه الحبس المنزلي لمدة 14 يوما

حين يكون المنزل سجنا جماعيا

لا يقتصر الحبس المنزلي فقط على عدم خروج الطفل من منزله، لكن يصاحب ذلك الأمر على مرارته تغييرا كاملا في روتين عائلة الطفل أو العائلة التي تستضيفه من أقاربه. يقول خال مسلم أنه غير قادر على أداء واجباته الاجتماعية كما في السابق، خاصة التي تتطلب منه مغادرة بيته؛ خوفا من ألا تستطيع روح الطفولة في مسلّم كبت جماحها للخروج من المنزل، فهذا الفعل يعد جريمة الآن وله عواقبه الظالمة، وبذلك يصبح الحبس المنزلي بمثابة عقوبة مزدوجة للطفل وأسرته؛ تلك المفارقات المضحكة المبكية، الوالد سجّان ولده.

تترك عقوبة الحبس المنزلي جرحا عنيفا في نفس الطفل المقدسي، فها هي أم حسن تسرد التغييرات الكثيرة التي طرأت على شخصية طفلها خلال فترة الإقامة الجبرية، مثل الهدوء غير المعتاد والأرق وحتى فقدان الشهية، كلها تحديات تحتم عليها التعامل مع طفلها بحذر علاوة على واجباتها الكثيرة الأخرى، أما والدة صهيب فتلخص مرارة هذه التجربة بقولها: الطفل يرى الحرية لكنه محتم عليه ألا يعيشها.

يدرك صهيب الآن أكثر من أي وقت مضى التفرقة في المعاملة، والتي تسعى السلطات الإسرائيلية لإرسائها بين الطفل العربي والإسرائيلي، فالعرب -كما يزعمون- "خُلقوا للقتل أو الاعتقال"، وهاجس الاعتقال الفعلي يلازم الطفل المحكوم عليه بالإقامة الجبرية، فيصبح التفكير به جزءا لا يتجزأ من يومه الذي يقضيه بين جدران منزله.

إن ما يواجهه الطفل الفلسطيني والمقدسي على وجه الخصوص من انتهاكات صارخة، تأتي وفق ضوء أخضر من القانون الإسرائيلي المطبق في القدس، والذي يترك هامشا يستغله المحقق والسجان الإسرائيلي للتنكيل بالطفل المقدسي، حيث تتمثل هذه الانتهاكات بالضرب والتهديد والتعذيب الجسدي والنفسي وبتلفيق التهم الجاهزة للأطفال.

حسن العفيفي تعرض للضرب الوحشي قبل حبسه منزليا

الكف والمخرز

وفي الوقت الذي تبذل منظومة الاحتلال الإسرائيلي الكثير من طاقاتها في ابتكار إجراءات لاستنزاف طاقات الشعب الفلسطيني بكل أشكالها، وذلك في محاولة يائسة منها لتكريس احتلالها للأرض والإنسان، فإن المصير الحتمي لهذه الإجراءات هو أنها تتهاوى أمام صمود الطفل الفلسطيني الذي يفهم جيداً أن معركته أمام الاحتلال هي معركة صبر ونفس طويل وليست معركة بطش وقوة مزيفة.