تقارير

طلاب بلا حدود.. التعليم لمواجهة الحياة

 

في ذكرى اليوم العالمي للمعلم الذي يوافق الخامس من أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، تفتح الجزيرة الوثائقية سلسلة بعنوان "طلاب بلا حدود" تتتبّع تجربة تعليمية غير اعتيادية في ثلاثة بلدان أوروبية، حيث تختبر ثلاثُ مجموعات لطلاب مراهقين بصحبة مدرّسيهم الحياة المدرسية والنظم التعليمية في هذه البلدان ومقارنتها بالنظام التعليمي في بلادهم. وفي الحلقة الخامسة والأخيرة من هذه السلسلة يتحدث الطلاب عن استنتاجاتهم التي خرجوا بها من هذه التجربة، وطرقا إبداعية في التعليم لم يعهدوها في بلدهم إيرلندا.

خاص-الوثائقية

نتابع رحلتنا مع مجموعة من الطلاب الإيرلنديين الذين يخوضون تجربة تعليمية غير اعتيادية على مدار أسبوعين في ثلاث بلدان أوروبية بغية اختبار الحياة المدرسية واستكشاف النظم التعليمية المختلفة فيها.

في الحلقة الخامسة والأخيرة من سلسلة "طلاب بلا حدود" التي عرضتها الجزيرة الوثائقية نتابع آخر الأيام التي قضتها المجموعات الطلابية الثلاث في فنلندا وبولندا وإسبانيا.

فنلندا.. دروس إبداعية

إنها الأيام الأخيرة من الرحلة الممتعة التي قادت المجموعة الطلابية من إيرلندا إلى فنلندا، وفيها تعرّف الطلاب على تجربة النظام التعليمي الذي يعد واحدا من أفضل الأنظمة التعليمية في العالم.

يُسجل الطلاب الأربعة القادمون من مدرسة سانت كياران الإيرلندية ومعلمتهم انطباعاتهم عن الأيام التي قضوها في كنف المدرسة الفنلندية، ويعبرون عن امتنانهم للمضيفين وحبهم لنظام التدريس المتبع.

تقول الطالبة الإيرلندية تارا "لقد أحببت هذه المدرسة كثيرا وأكره مغادرتها، نظام التعليم عندنا صارم ويتم التركيز على أشياء بسيطة كاللباس وطريقة الحديث مع المعلمين".

أما الطالب برايان فيقول إن "تدريس المواد الإبداعية ضروري لكل الطلاب للتعود على التعبير عن نفسه، في إيرلندا لا توجد مثل هذه المواد، ونضطر إلى عمل عروض ودروات لتعليم الناس كيف يقومون بالتعبير عن قلقهم وغضبهم ومشاعرهم".

وفي تقييمهم للتجربة، يقولون إنهم أعجبوا كثيرا بها ويتمنون تكرارها، كانت الأيام التي قضوها في فنلندا كافية للتعرف على تجربة التعليم في واحد من أفضل النظم التدريسية في العالم، وقد اندمجوا فيه تماما.

تقول مدرسة الحساب فيرونيكا أودونيل المرافقة للطلاب "كانت توقعاتي كبيرة عند قدومي، وأردت أن أتعرف إلى تجاربهم لأستخدمها في فصلي، وقد كنت متفاجئة جدا في الأيام الأولى من طريقة التعليم المسترخية، لكن في الأيام التالية عرفت أن هذا النجاح هو نتيجة للاحترام المتبادل بين الطلاب والمعلمين".

تدريس المواد الإبداعية في فنلندا ضروري لكل الطلاب للتعود على التعبير عن نفسه

لا امتحانات رسمية

نظام الامتحانات الرسمية غير متبع في فنلندا، لذلك فإن طرق التدريس تختلف عما هو متبع في إيرلندا، فما يتذكره الطلاب هو ما يحتاجونه في حياتهم، وقد برز ذلك خلال تقديم عروض الدروس الذي بدا واقعيا ومتناغما مع الحياة أكثر مما هو أكاديميا.

تتابع أودونيل أن أكثر ما يقلقها عند المقارنة أن المنهاج الإيرلندي كبير ولا يتيح الفرصة للمعلمين لتطبيق كل الأساليب المتبعة في فنلندا، "ولا أظن أننا قادرون على فعل ذلك بتلك الكفاءة، عندما أعود إلى بلدي سأكون أكثر تقبلا لاستقبال أفكار الطلاب عوضا عن مجرد إعطائهم التوجيهات دائما".

وتشير إلى أهمية تطوير علاقة اجتماعية مع الطلاب لأن ذلك مهم لكل معلم كي يشكل في النهاية صورة كاملة عنهم، "سأحاول أن أعاملهم بطريقة تراعيهم كأفراد، وينبغي لي النظر إلى كل طالب بشكل فردي".

المنهج في إيرلندا فهو مفروض على المدرسين والطلاب ولا يملكون الاجتهاد فيه

فابو.. عيد التعليم

يحتفل الفنلنديون بالقيم التعليمية في الأول من مايو/أيار من كل عام، ويطلق على ذلك العيد "فابو" وهو عيد قومي يعتمر فيه كل المتخرجون من الجامعة قبعة بيضاء، ويضم كافة طبقات المجتمع.

عدد الخريجين يخبر عن مدى أهمية ورُقيّ النظام التعليمي في فنلندا، وهو يؤثر على أنظمة التعليم في أوروبا، ويعود ذلك إلى أن المجتمع الفنلندي له أثر كبير على التدريس ويساهم في بنائه بسبب ثقافتهم وأنشطتهم الأسرية، فهو نظام تعليمي متحرر جدا، لكنهم يقدرونه كثيرا.

أما المنهج في إيرلندا فهو مفروض على المدرسين والطلاب ولا يملكون الاجتهاد فيه، وما هم -كما تقول المعلمة الضيفة- إلا مساهمون في توصيل العلم، ويجب أن يأتي التغيير من الحكومة نفسها إذا أرادت إحداث تغيير كبير.

في إسبانيا المعلمة ترسل المعلومات عبر البريد الإلكتروني

إسبانيا.. وسائل تدريس

ننتقل إلى الطلاب من مدرسة "كيرسنت كوليدج كومبريهينسيف" الإيرلندية الذين يقضون أيامهم الأخيرة ضيوفا على مدرسة "إنستيوت سينخوان باوتستا" الثنائية اللغة الإسبانية.

أكثر ما أثار إعجاب الطلاب الضيوف، هو اعتماد المعلمين على كثير من الوسائل التعليمية المساندة خلال شرح الدروس، من المسابقات إلى عروض الفيديو والألعاب وغيرها، وهو ما يضفي جوا من البهجة والمتعة على الدرس.

يقول الطالب الضيف ليام: تعرفت على أكثر من مجرد تجربة التعليم هنا في إسبانيا، كنت أتوقع أن الأمور تشابه ما عندنا في إيرلندا، لكنها في الواقع تختلف تماما.

يتابع: مثلا درس الأحياء أقرب إلى الجغرافيا، واعتمدت المعلمة على وسائل كثيرة ساعدت في فهمنا للمادة بسهولة، لقد قدمت شكلا مختلفا من العرض ولا حاجة للكتابة خلال الحصة، فالمعلمة ترسل المعلومات عبر البريد الإلكتروني، وكل ما يلزم هو متابعة الدرس والمشاركة في فعالياته الشيقة.

في إسبانيا يعتمد المعلمين على كثير من الوسائل التعليمية المساندة خلال شرح الدروس

معلم على مقعد الدرس

تعبر معلمة اللغة الإسبانية إيما أوبراين المرافقة للضيوف عن مشاعرها خلال الرحلة التعليمية، وتقول إنها خلال جلوسها في الصف "تذكرتُ معنى أن أكون طالبة تجلس في نهاية الفصل من جديد، وهو أهم ما تعلمته في هذه التجربة، نحن ننسى شعور الطالب في الفصل، ونركز كمعلمين فقط على إنهاء المنهج، هذه الأمور تشغلنا عن التفكير في مشاعر الطلاب".

وتتابع: كل ما يقلق المعلم هو أن ينهي المنهاج، لذا فإنه لا يلتفت خلال العملية التعليمية إلى الشق المهم فيها وهم الطلاب، ننسى ما يشعرون به في الفصول، لقد أعطتني هذه الرحلة تجارب كثيرة لجعل الفصل أكثر نشاطا، وأنا أتطلع لمشاركة كل ما تعلمته مع طلابي وزملائي في بلدي.

في البرنامج الدراسي الأسبوعي تخصص 13 حصة لمادة الرياضيات في إسبانيا

درس الرياضيات

تتميز دراسة مادة الرياضيات في إسبانيا بأنها تقدم على مستويين: الأول بسيط ويقدم للطلاب الذين يختارون دراسة مواد العلوم الإنسانية، والثاني للطلاب الذين يعتزمون دراسة المواد العلمية فتكون مادة الرياضيات أصعب.

وأيضا تقدم في هذا المجال على ثلاثة مستويات، فطالب الأحياء لا يكون منهاج الرياضيات عنده مثل الطالب الذي يعتزم دراسة تخصصات الهندسة.

وتجدر الإشارة إلى اهتمام المناهج التعليمية في إسبانيا بهذه المادة والتركيز عليها، ففي البرنامج الدراسي الأسبوعي تخصص 13 حصة لمادة الرياضيات، مقابل ثماني حصص في إيرلندا.

وخلال حفل بسيط في غرفة المديرة في المدرسة الإسبانية، يعبر الجميع عن سعادتهم بهذه التجربة، ويعقدون العزم على تكرارها، فقد كسرت الصورة النمطية عن المدرسة والتدريس، وسيحمل الطلاب من خلالها فكرة سليمة عن العملية التعليمية بشكل عام.

تعليم اللغات الأخرى في بولندا متقدم جدا على ما هو في إيرلندا

بولندا.. دراسة حتى اليوم الأخير

حال المجموعة الطلابية من مدرسة بالينامور الإيرلندية التي تزور بلدة سمارت دفايس البولندية لا يختلف عن سابقيهم، فقد أعجبوا كثيرا بالتجربة وتعلموا منها أفكارا جديدة لمواصلة مشوارهم العملي، كما استفاد معلم الاقتصاد روبرت أورايلي المرافق لهم من الأساليب التعليمية الجديدة عليه.

وعلى الرغم من أن هذا اليوم هو آخر يوم دراسي قبل موسم الامتحانات، فإن الدراسة تسير بشكل اعتيادي في المدرسة، وحولت معلمة اللغات الحصة الأخيرة لها في هذا الفصل إلى لعبة تنافسية بين الطلاب.

يعبر الأستاذ أورايلي عن إعجابه بهذه الطريقة، ويقول: حولت المعلمة الدرس اليوم إلى فصل مليء بالحيوية، وطبقت خلاله الكثير من أساليب التعليم المختلفة، من العمل والتنافس بين الزملاء إلى التعاون فيما بينهم من خلال المجموعات التي قسمتها. لقد نجحت تجربتنا هنا وأحب الطلاب أسلوبها. لقد كان درسا ممتعا.

أقامت المدرسة في بولندا حفلا وداعيا كبيرا للطلاب الضيوف وتفاعل معه الجميع

التعليم بالحفظ

أكثر ما لفت انتباه الطلاب الضيوف خلال رحلتهم إلى المدرسة البولندية، هو مقدار التعاون بين الطلاب والمعلمين والمجتمع، فالنظام الاجتماعي يظهر بشكل رائع في المدرسة. تقول كايلا: العمل الجماعي واضح بشكل كبير هنا، علينا أن نطبق هذه الأفكار في بلدنا.

أما بريان فيشير إلى أن تعليم اللغات الأخرى في بولندا متقدم جدا على ما هو في إيرلندا، "فهم يتقنون اللغات غير لغتهم من خلال الدراسة، بينما نحن أقل إتقانا منهم، يهتمون كثيرا بتعلم لغة أخرى ويخصصون مثلا لتعلم الإنجليزية أربع حصص أسبوعية ويبدؤون بها في المرحلة الابتدائية".

يختم المدرس الضيف بتعليق على طبيعة التدريس في بلاده فيقول: أنا معارض للتعليم بالحفظ أو التعليم لغرض الامتحان فقط، فالطلاب يحتاجون لن يفهموا حاجتهم للتعليم، وعليهم أن يحاولوا تطوير فهمهم للتعليم بدلا من أن يتعلموا فقط من أجل الاختبار ثم ينسون كل شيء بعده.

أقامت المدرسة حفلا وداعيا كبيرا للطلاب الضيوف وتفاعل معه الجميع وبدا التأثر عليهم إلى حد البكاء، فطبيعة النظام الاجتماعي والترحيب الكبير الذي قوبل به الضيوف جعلهم يشعرون أنهم بين عائلاتهم.