تقارير

طلاب بلا حدود.. المعلّم ثم المعلم ثم المعلم

 

في ذكرى اليوم العالمي للمعلم الذي يوافق الخامس من أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، تفتح الجزيرة الوثائقية سلسلة بعنوان ”طلاب بلا حدود“ تتتبّع تجربة تعليمية غير اعتيادية في ثلاثة بلدان أوروبية، حيث تختبر ثلاثُ مجموعات لطلاب مراهقين بصحبة مدرّسيهم الحياة المدرسية والنظم التعليمية في هذه البلدان ومقارنتها بالنظام التعليمي في بلادهم. وفي الحلقة الثانية من هذه السلسلة يراقب الفيلم اليوم الدراسي الأول لهؤلاء الطلاب في البيئات الجديدة.

خاص-الوثائقية

نتابع رحلتنا مع مجموعة من الطلاب الإيرلنديين الذين يخوضون تجربة تعليمية غير اعتيادية على مدار أسبوعين في ثلاثة بلدان أوروبية بغية اختبار الحياة المدرسية واستكشاف النظم التعليمية المختلفة فيها.

في الحلقة الثانية من سلسلة ”طلاب بلا حدود“ التي عرضتها الجزيرة الوثائقية نتابع حياة المجموعات الطلابية الثلاث الذين تم توزيعهم على ثلاثة بلدان أوروبية هي فنلندا وبولندا وإسبانيا.

بولندا.. أولوية تعليم ”الدين“

يستعد الفريق الضيف للتوجه إلى المدرسة، ها هو جون جو وصديقه المضيف بارت ينطلقان في جولة صباحية باردة جدا مشيا على الأقدام إلى المدرسة التي تبعد عن مكان سكناهم عشر دقائق.

يتحدث جون جو عن ليلته الأولى مع العائلة المضيفة، وكيف أنه قضى ليلة حافلة أكل فيها ما لذ وطاب من الطعام، ولعب السنوكر مع أصدقائه الجدد ثم اختتم ليلته بمشاهدة مباراة كرة قدم.

أما زميله الضيف الآخر بريان، فكان يشعر بالتوتر قليلا في ليلته الأولى في بولندا، لكن كرم الضيافة أزال عنه كل ذلك، ويقول ”لقد كانوا ودودين جدا، وأشعرونا بالترحاب الشديد وانسجمنا جميعا“.

أعدت إدارة المدرسة حفلا لاستقبال الضيوف، اشتمل على فقرات ترحيبة ورقص وموسيقى، وفي كلمته رحب عمدة البلدة بالضيوف كثيرا، وتمنى لهم إقامة سعيدة.

يقول أستاذ مادة الاقتصاد روبرت أورايلي المرافق للطلبة الضيوف، إنه كانت هناك مساهمة مجتمعية كبيرة من قبل السكان للترحيب بهم، ”كان حفل الاستقبال مبهرا، حتى إن العمدة شارك فيه“.

وأشار إلى أن الحفل يدلل على النظام التي تدار به المدارس الحكومية في بولندا، فالعمدة جزء مهم من العملية التعليمية، فهو الذي يمول المدارس، والحكومة المركزية تدفع رواتب المعلمين فقط، أما باقي الفعاليات فتكون على ميزانية البلديات والحكومات المحلية.

يلاحظ الطلاب الضيوف أن برنامج المدرسة بدأ بمادة التربية الدينية التي تعتبر أهم مادة في بلد تسيطر عليه الطائفة الكاثوليكية، وتبذل إدارة المدرسة جهدا كبيرا من أجل إنجاح هذه المادة، وينصبّ التركيز في حصص هذه المادة على دراسة الإنجيل، والأمر يختلف في إيرلندا التي تحتل فيها هذه المادة أهمية أقل، كما أن الطلبة يدرسون عن الأديان والطوائف الأخرى.

يدرس الطلاب يوميا ست حصص، مدة كل منها 45 دقيقة، ويفصل بين كل حصتين استراحة لمدة 10 دقائق، وهو ما شكل مفاجأة للضيوف الذين اعتادوا على الجلوس لثلاث ساعات أو أكثر في مدرستهم دون أي راحة.

أعدت إدارة المدرسة في بولندا حفلا لاستقبال الضيوف، اشتمل على فقرات ترحيبة ورقص وموسيقى

فنلندا.. لا زيّ موحدا

يستمتع الطلاب القادمون من إيرلندا بصباح أكثر رفاهية في فنلندا، حيث يتمتع المواطنون بأعلى معايير المعيشة في أوروبا، كما تعد المعايير التعليمية والمؤسسسات فاخرة جدا، وطبقا لبعض الاستطلاعات فإن فنلندا تتمتع بأفضل الأنظمة التعليمية عالميا.

يتفاجأ الضيوف أن المدارس الفنلندية لا تلزم طلابها بالزي الموحد، كما أنها تسمح لهم باستخدام هواتفهم النقالة وتوفر لهم شبكة إنترنت مفتوح، ويتمتع الطلاب بحرية عالية تسمح لهم بالتعبير عن آرائهم بسهولة، ويرى الضيوف أن المدرسة ”مكان مفعم بروح الاسترخاء، وهو مريح جدا للأعصاب“.

بُنيت المدرسة التي ارتادها الضيوف في عام 1982، وأضيف لها ملحق في 2004، وروعي فيها حجم الغرف الصفّية، كما يسمح تصميمها بدخول أكبر قدر من الإضاءة الطبيعية، وهناك مساحات كبيرة للطلاب للجلوس والحديث، وهو ما يختلف عن المدارس في إيرلندا حيث يجب على الطلاب الالتزام بالوجود في أماكن محددة.

هناك الكثير ليتعلمه الطلاب عن الأنظمة التعليمية في فنلندا، فالرعاية الصحية متوفرة، ووجبات الطعام وبرنامج الرحلات مجاني، كما توفر المدرسة مساكن دون مقابل لأولئك الذين يسكنون بعيدا عنها.

صباح هذا اليوم، رُتب حفل خاص لاستقبال الطلاب الضيوف وكسر الحواجز بينهم. تقول المعلمة المرافقة أودونيل إن النظام التعليمي في فنلندا يقدم أفضل الطلاب في أوروبا، كما تستمد الكثير من الدول الأوروبية التجربة والأفكار من التعليم في فنلندا.

يسمح نظام التعليم المستقل في المدارس الفنلندية بتوفير تنوع هائل للمناهج التعليمية، وبالتالي فإن هذه الدول تعتبر مصدرا للإلهام في طرق التدريس على مستوى القارة الأوروبية والعالم.

يسمح نظام التعليم المستقل في المدارس الفنلندية بتوفير تنوع هائل للمناهج التعليمية

فنلندا.. التعويل على المعلّم

كانت حصة مادة الزراعة هي الأولى التي شارك فيها الطلاب الضيوف، الصفوف هنا مختلفة تماما عما هي عليه في إيرلندا، المنهج محدد، لكن الحرية متاحة للمعلمين لاختيار الطريقة الخاصة لتقديمه للطلاب.

لاحظ الضيوف أن الطلاب ينادون المعلم باسمه دون ألقاب، ثمة اختلاف كبير في طريقة التدريس، وهنا تقدم مواد خاصة مثل التدبير المنزلي والنجارة، ويدرس الطلاب بلغتين.

في فنلندا لا يتعرض الطلاب للتوتر الناجم عن الامتحانات، فليس هناك امتحانات إلزامية، وإنما يخضع الطلاب لعملية تقييم مستمرة طوال العام، ويهدف النظام التعليمي لتلبية احتياجات كل طالب، وخلق جو مختلف داخل الفصل.

على كل معلّم أن يكون حاصلا على درجة الماجستير في تخصصه، وهناك لا يحق التقدم لنيل درجة الماجستير إلا لـ10% من الطلاب، مما يدفع إلى تقدير المعلم بشكل كبير في فنلندا.

في حصة مادة الزراعة قررت إحدى الطالبات أن تغادر قبل نهاية الوقت بعشر دقائق، اندهش الطلاب الضيوف من الطريقة التي اتخذ فيها المعلم القرار، لقد لجأ المعلم إلى استخدام القرعة.

تعبر المعلمة المرافقة للضيوف أودونييل عن إعجابها بطرق التدريس في فنلندا، وتقول إن مهمة المعلم هي استخراج أفضل ما لدى الطلاب، ”وإذا شعرتُ أن تغيير أسلوبي يلزم لتحقيق ذلك فلن أتردد“.

وتضيف أنه ”من الصعب في بلادنا أن نشعر أننا نقوم بعمل ذي قيمة، فنحن نتعرض للضغط بشكل مستمر للحصول على نتائج عالية في الاختبارات، ولا يوجد وقت كاف للتعرف على الطلاب كما هو الحال في فنلندا، لذا فإننا لا نتلقى القدر نفسه من احترام الطلاب لنا“.

يتكون اليوم الدراسي في إسبانيا من ست حصص وكل حصة 55 دقيقة، وبين كل حصتين فترة للاستراحة

إسبانيا.. المعلّم ثم المعلّم

ننتقل إلى مدرسة ”إنستيوت سينخوان باوتستا“ ثنائية اللغة في مقاطعة سيوداد لينيال الإسبانية (7 كيلومترات عن قلب العاصمة الإسبانية مدريد). تفاجأ الطلاب الضيوف من صغر حجم الملاعب والساحات المخصصة للعب في المدرسة، لكن البداية كانت مشوقة، فقد كانت فقرة الترحيب بهم كفيلة بإضفاء جو من الراحة والمتعة.

تقول المُدرسة المرافقة للطلاب الضيوف إيما أوبراين ”أظن أن هناك تشابها كبيرا بين النقاشات التي تحدث في إسبانيا وإيرلندا عن أنظمة التعليم وضرورة تطويرها، هناك تحديات كثيرة في كلا البلدين، ولا بد من الالتفات في هذه الزيارة إلى المرافق المتوفرة في هذه المدرسة مثل المكتبة والمعامل الإلكترونية والمختبرات وغرفة المعلمين.. وغيرها“.

كانت البداية مع حصة للغة الإنجليزية عن الروائي آرنست همنغواي، كانت المُدرسة التي قدمت الحصة متمكنة جدا من المادة ومسيطرة عليها، وكان أداؤها حيويا للغاية، مما شكل انطباعا إيجابيا لدى الضيوف.

كانت الانطباعات عن الحصة ممتازة، وعبر الطلاب الضيوف عن استفادتهم كثيرا خصوصا أن المعلمة قدمت المادة بطريقة إبداعية مبتكرة، واعتمدت فيها على مشاركة الطلاب وعمل ورشة عمل أثناء الحصة.

المدرسة ثنائية اللغة، لذا لم يواجه الضيوف صعوبة في التواصل مع زملائهم فيها، ويتكون اليوم الدراسي من ست حصص وكل حصة 55 دقيقة، وبين كل حصتين فترة للاستراحة.

يدرك القائمون على العملية التعليمية أنها تتوقف على المعلم، وأنه هو الحلقة الأقوى بها، وكلما زاد الاهتمام به أدت هذه العملية إلى أفضل النتائج.