تقارير

غانا.. بقايا الحضارة العتيقة على ساحل الذهب

 

يونس مسكين

هي خامس زوايا النجمة الأفريقية الخماسية المشاركة في نهائيات كأس العالم "قطر 2022″، إلى جانب المغرب وتونس والسنغال والكاميرون.

ستلمع "النجوم السوداء" في سماء دورة 2022 من نهائيات كأس العالم، للمرة الرابعة في تاريخهم، بعدما كان أول تأهل لهم في دورة ألمانيا 2006.

غانا أغنى دولة في العالم بالذهب لكن شعبها أحد أفقر الشعوب

 

فقد تأهل المنتخب الوطني الغاني إلى نهائيات كأس العالم "قطر 2022" بعد تفوّقه في مباراة الملحق الأفريقي على جاره وغريمه التاريخي منتخب نيجيريا. فقد تعادل المنتخبان في مباراة الذهاب التي جرت في غانا بصفر لمثله، ثم عادا ليتعادلا في مباراة الإياب بهدف واحد لمثله، مما منح التفوق للمنتخب الغاني، ليتأهل للمرة الرابعة إلى كأس العالم.

غانا.. أربع كؤوس أفريقية وصراع على كأس العالم

كان أول تأهل لمنتخب غانا في العام 2006، تلته مشاركتان في مونديالي 2010 و2014، أي أنها لم تغب إلا مرة واحدة منذ سنة 2006، لكن أفضل مشاركاتها على الإطلاق كانت في كأس العالم التي أقيمت في جنوب أفريقيا عام 2010، فقد تأهلت إلى دور الربع وخسرت التأهل إلى نصف النهائي في مباراة مشوقة ضد الأوروغواي، امتد التنافس فيها إلى غاية ضربات الترجيح.

تأهلت غانا لمونديال 2022 المنعقد في دولة قطر

 

وتعتبر غانا من أوائل الدول الأفريقية التي شهدت ظهور كرة القدم، وذلك ارتباطا بالوجود الاستعماري البريطاني، ويجري الحديث عن بداية ممارسة الرياضة في هذه الرقعة من أفريقيا في عشرينيات القرن الماضي.

وعلى العكس من حضورها المتأخر في نهائيات كأس العالم، فقد بصمت غانا على حضور قوي ومبكر في بطولات كأس أفريقيا للأمم، فقد شاركت 23 مرة في النهائيات، وتمكنت من الفوز بها أربع مرات، سنوات 1963-1965-1978-1982، بينما حل ثانيا بعد انهزامه في مباراة النهاية خمس مرات.

وقد استضافت غانا نهائيات كأس أفريقيا أربع مرات، لتكون إلى جانب مصر أكثر الدول الأفريقية تنظيما لهذه التظاهرة القارية.

"ساحل الذهب البريطاني".. بلاد التنوع العرقي والديني

تقع غانا في منتصف الساحل الأطلسي للقارة الأفريقية، وتتميز من الناحية السياسية بكونها كانت من بين أوائل الدول الأفريقية التي حصلت على استقلالها بعد عقود من الوجود الأوروبي، فقد تخلّصت من الاحتلال البريطاني عام 1957، وكانت حينها تعرف باسم "ساحل الذهب البريطاني".[1]

جغرافيا تمتد دولة غانا فوق نحو 238,500 كيلومتر مربع، بساكنة يفوق تعدادها الثلاثين مليون نسمة، يتوزعون بين أكثر من 100 مجموعة عرقية، لكل منها لغتها الخاصة. ويدين سكان غانا أساسا بالإسلام والمسيحية وبعض المعتقدات الوثنية المحلية، ويحمي الدستور الغاني حرية الاعتقاد وممارسة العبادات.

يمارس المسلمون في غانا شعائرهم التعبدية دون أية ضغوطات من أصحاب المعتقدات الأخرى

 

وكما هو الحال مع كثير من الدول الأفريقية، فقد ورثت غانا لغتها الرسمية الموحدة من المستعمر، إذ تعتبر اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية للبلاد. بينما تعتبر مدينة أكرا العاصمة السياسية وكبرى مدن غانا، ويعني اسم المدينة في اللغة المحلية النمل، وذلك بسبب الانتشار الكبير للنمل في المنطقة التي بنيت فيها المدينة.

تشكل عرقية "أكان" القسم الأكبر من سكان غانا الحالية، وتعتبر أكرا العاصمة السياسية لها، ويتألف العلم من ثلاثة أشرطة أفقية، أعلاها شريط أحمر (يرمز لدماء الشهداء)، وأسفلها شريط أخضر (رمز الأراضي الخصبة)، ويتوسطهما شريط أصفر (رمز الذهب) ونجمة سوداء، رمز الوحدة الأفريقية.

تقول إحدى فقرات الفصل الثاني من الدستوري الغاني: إنّ دولة غانا ذات السيادة عبارة عن جمهورية موحدة تتألف من الأراضي الإقليمية في المناطق التي كانت -مباشرة قبل دخول هذا الدستور حيز التنفيذ- موجودة في غانا، بما في ذلك المياه الإقليمية والمجال الجوي.

مملكة غانا التاريخية.. موطن إحدى الحضارات الأفريقية العريقة

كان اسم غانا يطلق على البلاد الواقعة جنوب الصحراء، قبل أن تقتصر هذه التسمية على البلاد التي تحدها الصحراء شمالا ومنطقة الغابات الكثيفة جنوبا، والتي تمتد حتى المحيط الأطلسي، وتضم البلاد الواقعة غرب بحيرة تشاد. وتعني كلمة "غانا" -وفقا للغة "السوننك" المحلية- القيادة العسكرية، ومن هنا أطلقت هذه الكلمة على المدينة التي كانت فيها القيادة.[1]

وتفيد المصادر التاريخية الموثوقة أن دولة غانا القديمة تأسست في القرن الرابع للميلاد، على يد أول ملوكها، ويسمى "كاز". وتوسّعت هذه المملكة إلى أن امتد مجالها الترابي من نهر النيجر إلى الساحل الأطلسي، وتعاقب على حكمها في عهد الأسرة الحاكمة الأولى حوالي 44 ملكا، من القرن الرابع إلى القرن الثامن للميلاد.

ازدهرت مملكة غانا في القرن الحادي عشر للميلاد حتى دخلها المرابطون فاتحين

 

وبينما تتضارب المصادر التاريخية في تحديد تاريخ تأسيس مملكة غانا، تؤكد جميع الدراسات أن المملكة عاشت مرحلة أوجها في القرن الحادي عشر للميلاد، وكان مركز حكمها يقع في المنطقة الحدودية بين دولتي مالي وموريتانيا الحاليتين.

وبعكس ما كرّسته الكتابات الأوروبية على مدى قرون، لم يكن تاريخ أفريقيا جنوب الصحراء مجرد فصول من الاقتتال والتشرذم القبلي، بل شهدت القارة السمراء قيام دول وإمبراطوريات قوية ومزدهرة، من بينها مملكة غانا.

إقليم غانة.. أضواء عربية كاشفة للتاريخ الأفريقي

لا يجد الباحثون والمؤرخون تفاصيل أخبار الدول والممالك الكبيرة التي شهدتها أفريقيا في مصادرهم العلمية، بل إن جل المعطيات الموثوقة والدقيقة توجد في مصادر عربية، بحكم التواصل المباشر الذي كان قائما بين العمق الأفريقي وبين المسلمين، خاصة منهم الذين عاشوا في أفريقيا الشمالية والأندلس.

فقد ورد أول ذكر لمملكة غانة من طرف بعض العلماء والمؤرخين العرب، ومنهم العالم الفلكي محمد إبراهيم الفزاري الذي تحدث عن بلاد أفريقية منها إقليم غانة، واصفا إياه ببلاد التبر، ثم العالم الجغرافي محمد بن موسى الخوارزمي الذي حدد غانة في خريطته التي نقلها عن بطليموس. بينما أورد المؤرخ الذي عاش في العصر العباسي أحمد اليعقوبي وصفا لملك غانا يقول فيه: ملك عظيم، وفي أرضه معادن التبر، وهـو صاحب عدة ممالك كثيرة.[2]

وبعد التوسع والازدهار اللذين شهدتهما دولة المرابطين، كان من الطبيعي أن يصطدموا بدولة غانة في السودان الغربي، خاصة أن فترة الازدهار المرابطي صادفت فترة انحطاط في المملكة الغانية، وهو ما سهّل زحف جيوش المرابطين على بلاد غانة التي كانت مصدرا أساسيا لثروات ذلك العصر.

أخلاق المسلمين.. دين التجار يسبي الأمراء وينعش الاقتصاد

كانت الوثنية ديانة مملكة غانا، لكن الاحتكاك الذي جرى بين هذه المملكة الأفريقية ومسلمي شمال القارة، أدى إلى انتشار الإسلام في صفوف نخبتها السياسية، إذ يؤكد المؤرخ الأندلسي أبو عبيد الله البكري في وصفه لهذه المنطقة، أن أغلب وزراء دولة غانا خلال القرن الـ11 من الميلاد كانوا مسلمين. بينما تعايش معتنقو الإسلام مع السكان الوثنيين، لدرجة كانت معها عاصمة الحكم كومبي صالح تنقسم إلى حي إسلامي وآخر وثني.[3]

دخل الإسلام إلى غانا عن طريق التجار المسلمين القادمين من شمال أفريقيا

 

فرغم أهمية الدور العسكري، لا يمكن إنكار دور التجار المسلمين الذين كان أغلبهم علماء يزاوجون بين مهمة التجارة ونشر الإسلام، وعن طريق سلوكهم الشخصي القويم وأمانتهم استطاعوا أن يتعايشوا مع الأهالي، وأن يؤثروا فيهم، إضافة إلى اعتناق الإسلام من طرف ملوك غانا ودوره في ازدهار الإمبراطورية، فقد ساهم الإسلام في تجنب المواجهات العسكرية بين المسلمين والغانيين، فانتشار الإسلام في هذه البقاع أتاح ربط علاقات تجارية وثقافية مع البلدان الإسلامية.[4]

وقد عاشت مملكة غانا مراحل ازدهارها الاقتصادي والسياسي بفضل التجارة التي كانت تمارسها مع مسلمي شمال أفريقيا، فقد كانت القوافل تنطلق محملة بمواد أهمها الذهب والملح والعبيد، بينما كان التجار المغاربيون يأتون إلى غانا محملين بالأقمشة والجواهر والمنتجات الحرفية.[6]

كومبي صالح.. عاصمة عظمى في مهب الريح

تربط بعض المصادر سقوط مملكة غانا بوصول النفوذ المرابطي إلى مجالها الترابي ابتداء من سنة 1076 من الميلاد، إذ لم يعد لهذا الكيان السياسي -الذي كان يوجد على حوالي 800 كيلومتر إلى الشمال من غانا الحالية- ذكر في تاريخ المنطقة، إلا كملحقة بباقي الكيانات السياسية المجاورة.

لقد تطلب تحديد مكان العاصمة السياسية لمملكة غانا التاريخية بحثا أثريا طويلا، خلص في النهاية إلى الوقوف على آثار مدينة كومبي صالح الواقعة على بعد 500 كيلومتر إلى الجنوب من مدينة تمبوكتو التاريخية في مالي. وأكدت نتائج الأبحاث الأثرية ما خلفته بعض الكتابات العربية عن عاصمة مملكة غانة التي كانت تنقسم إلى شطرين، واحد إسلامي وآخر وثني.[7]

وتؤكد جل المصادر التاريخية أن قبائل الـ"سوننك" (السرغلّة باللهجة الحسانية) هي أهم مكون قبلي لسكان غانا التاريخية. وتعتبر هذه القبائل من فروع مجموعة الماندي، أي من مجموع الشعوب أو القبائل المتكلمة بلغة الماند. وتتميز مجموعة السوننك عن بقية فروع الماند الأخرى، بصفات جسدية وتقاليد اجتماعية معينة.[8]

"كوامي نكروما".. مناضل الاستقلال ومستبد السلطة

استعمر البريطانيون ساحل غانا منذ العام 1901، جاعلين من الذهب والكاكاو تجارتهم الأساسية. وقد احتلت البلاد بعد فصول من الصراع بين مملكة "أشانتي" القائمة حتى نهاية القرن الـ19 من الميلاد، وبين المستعمرة البريطانية التي أقيمت في الساحل لإدارة التجارة بين هذا الإقليم الأفريقي والمملكة المتحدة، وذلك بعد تردد طويل للأوروبيين على الأرض الغانية، كما كان الحال مع جل السواحل الأفريقية، ويعود أول وصول للمستكشفين الأوروبيين إلى القرن الـ14 من الميلاد، وكان ذلك على يد البرتغاليين.[9]

وقد برزت التطلعات الاستقلالية بقوة في غانا عقب الحرب العالمية الثانية، واكتسبت هذه التطلعات قوة أكبر مع تأسيس حزب الزعيم الوطني "كوامي نكروما" لحزب وكني سنة 1949، وهو ما انتهى بحصول غانا على الاستقلال سنة 1957، واعتلاء الزعيم "كوامي نكروما" مقاليد الحكم كوزير أول ثم كرئيس للجمهورية سنة 1960، لكن الميل الدكتاتوري الذي ظهر لدى هذا الزعيم أدى إلى الإطاحة به عام 1966، لتدخل البلاد في حالة عدم الاستقرار وتوالي الانقلابات العسكرية.[10]

الزعيم الوطني كوام نكروما وأول رئيس لغانا بعد استقلالها سنة 1957

 

فبمجرد الحصول على الاستقلال، قام أحد الآباء الأوائل لحركة التحرر في أفريقيا، الزعيم الغاني "كوامي نكروما"، بتغيير الاسم الرسمي للبلاد، مسترجعا لقب "غانا" التاريخي، في سياق اتسم بمشاركته في تأسيس اللبنة الأولى لمنظمة الوحدة الأفريقية، من خلال حضوره اجتماع ما يعرف بـ"جمعية الدار البيضاء"، وهو لقاء قمة جرى عام 1961 في المغرب، وقد ضم قادة مصر والمغرب وليبيا ومالي والجزائر وغانا وغينيا، وشكّل ذلك خطوة نحو تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية في 1963.[11]

جرى التغيير السياسي تحديدا يوم في 24 فبراير/شباط 1966، بينما كان "كوامي نكروما" في الصين، حين قاد مجموعة من الضباط انقلابا أطاح بحكمه، ليجد الزعيم الوطني ملاذه في غينيا، حيث استضافه صديقه الرئيس أحمد سيكو توريه.[12]

اكتشاف الذهب الأسود.. طريق غانا إلى نادي النفط

رغم اشتهارها بإنتاج وتصدير الذهب، يشتغل قرابة 40% من سكان غانا في الفلاحة، ويعتبر الكاكاو أحد أهم المنتجات الفلاحية للبلاد، مما يجعلها ثاني أكبر مصدر لهذه المادة بعد ساحل العاج. ويعتبر الاقتصاد الغاني واحدا من أكثر الاقتصادات نموا في العالم.

اكتشفت في غانا حقول نفطية باحتياطي كبير لتصبح دولة الذهبين الأصفر والأسود

 

ويظل الذهب الثروة الوطنية ورمز الأمة الغانية بلا منازع، إذ تعتبر غانا أول منتج للذهب في أفريقيا والسابع عالميا بما يقارب المئة طن من الذهب في السنة. لكن غانا دخلت مرحلة بترولية منذ اكتشافات كبرى انطلقت سنة 2007، ويقدر احتياطي النفط في غانا بقرابة 700 مليون برميل، مما يجعل هذا البلد الأفريقي مرشحا ليصبح ساحل الذهبين: الأصفر والأسود.[13]

 

المصادر

[1] https://hebdo.ahram.org.eg/NewsContentP/51/36392/Panorama-africain/Le-Ghana,-une-histoire-mill;naire.aspx
[2] https://www.noonpost.com/content/23165
[3] مجلة الأديب – العدد (1 – 2) – 1 يناير 1981 م. – (ص26 – 29)
[4] https://www.kartable.fr/ressources/histoire/etude-de-cas/lempire-du-ghana/5116
[5] أنس بوسلام، امبراطورية غانا دراسة في التاريخ السياسي وبنية الحكم والتنظيمات، مجلة مدارات تاريخية، المجلد الأول، العدد الرابع، ديسمبر 2019
[6] https://www.kartable.fr/ressources/histoire/etude-de-cas/lempire-du-ghana/5116
[7] أنس بوسلام، امبراطورية غانا دراسة في التاريخ السياسي وبنية الحكم والتنظيمات، مجلة مدارات تاريخية، المجلد الأول، العدد الرابع، ديسمبر 2019
[8] https://www.noonpost.com/content/23165
[9] https://www.cosmovisions.com/ChronoCoteOrGhana.htm
[10] https://www.cosmovisions.com/ChronoCoteOrGhana.htm
[11] https://hebdo.ahram.org.eg/NewsContentP/51/36392/Panorama-africain/Le-Ghana,-une-histoire-mill;naire.aspx
[12] https://eferrit.com/%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%B2-%D9%84%D8%BA%D8%A7%D9%86%D8%A7/
[13] https://hebdo.ahram.org.eg/NewsContentP/51/36392/Panorama-africain/Le-Ghana,-une-histoire-mill;naire.aspx

ذات صلة