تقارير

فخّ عبادة الأجساد.. جذور الهوس العالمي بالنحافة

 

رانية أسعدي

ليوناردو دافينشي يرسم لوحة الموناليزا والتي أصبحت اللوحة الأشهر في العالم وتظهر فيها تلك المرأة الأرستقراطية السمينة التي تبتسم ببرود لدافنشي في تعبير عن جمال المرأة في القرن 16

على مدى التاريخ كان الجمال ابن ثقافته، ففي الفن الأوروبي القديم تكاد المرأة النحيفة تغيب عن أشهر اللوحات الفنية لعظماء ذلك العصر. لقد لعب الفن دورا مهما في ترويج صورة المرأة المكتنزة كرمز للجمال الأوروبي.[1]

وعند العرب القدماء كانت النحافة معيبة للمرأة، فالشاعر لا يتغنى إلا بالمرأة البدينة، تلك التي يسمّونها "خرساء الأساور" كناية على رسغٍ ممتلئ لدرجة أنه يمنع ارتطام الأساور بعضها ببعض.

وفي جنوب شرق آسيا، كانت شعوب الصين واليابان وكوريا تعتبر اللحى رمزا للكسل وأحيانا لغياب النظافة.[2]

اليوم، لا تزال بعض الشعوب -التي اختارت العزلة عن العالم- تحتفظ بمعايير خاصة للجمال. ففي موريتانيا، يركض الرجل وراء المرأة الممتلئة، تلك التي تهتزّ من الشحم.[3] ومن الصحراء خرجت العبارة الشهيرة: "أعوذ بالله من زلّاء ضاوية (نحيفة)، كأن ثوبيها قد عُلّقا على عود".

وفي قبائل أفريقية، لا تزال المرأة تحفر ندوباً شديدة البروز في وجهها لوضع أقراط كبيرة في الشفاه، وهي التقنية الأكثر فعالية لإخضاع قلوب شباب القبيلة. كما بقيت بعض الشعوب في آسيا محتفظة بـ"اشمئزازها" المتأصل من اللحى والوشوم.

لقد كان الجمال ابن بيئته قبل أن تظهر السينما ودور الأزياء لتفرض على الناس مفهوما أحاديا لجمال المرأة، فأصبحت المرأة البدينة مستقبَحة، والأقراط الكبيرة في الأنف دليلا على التوحش والبداوة، وأضحت المرأة النحيفة ملكة رشيقة تلعب بقلوب أولئك الذين يفهمون الجمال ويبشرون به في مسابقات عالمية مثل "ملكة جمال الكون". فمنذ 1952، عملت مسابقات ملكات الجمال على صنع صورة أحادية للجمال الأنثوي المرغوب.

وقد تسببت صناعة الجمال في شكلها المعاصر بخلق مجتمع يعبد النحافة ويقهر كل الأحجام المختلفة. وسنويا، يقضي الآلاف بسبب الحِميات الغذائية القاسية والعمليات الجراحية الاختيارية.

في عام 1992، بلغ الحنق النسائي من هذه "العبودية المعاصرة" درجة جعلت الناشطة النسائية البريطانية ماري إيفنز يونغ تعلن السادس من مايو/أيار يوما دولياً لـ"اللاحمية العالمي" للتوعية بمخاطر اتباع الحميات الغذائية والسقوط في فخ "عبادة" الأجساد.

ليوناردو دافينشي يرسم لوحة الموناليزا والتي أصبحت اللوحة الأشهر في العالم وتظهر فيها تلك المرأة الأرستقراطية السمينة التي تبتسم ببرود لدافنشي في تعبير عن جمال المرأة في القرن 16

السمنة معيارا للجمال!

كانت أعمال الرسام الفلامنكي بيتروس باولوس روبنس (1577- 1640م) التجلي الأبرز لمعالم الجمال الأوروبي قبل ظهور السينما ودور الأزياء ومسابقات ملكات الجمال. لقد رسم روبنس ملكة فرنسا ونافارا وماريا دي ميديشي ونساء من المجتمع المخملي الأوروبي آنذاك.

لكن روبنس رسم أيضا لوحات فنية عارية لنساء من عامة الشعب. كان الرسم لدى هذا الفنان أداة لتصوير المرأة الأوروبية وفق الأسلوب الباروكي. تظهر المرأة في معظم هذه الأعمال مكتنزة، مثيرة للغاية ومتراخية إلى حد بعيد.

وعرف روبنس كيف يلعب بالوعي واللاوعي أيضا لتكريس نظرة الأوروبيين للمرأة في ذلك العصر.[4] فقد قدم لجمهوره -ومعظمهم من الذكور- فناً يركز على النموذج الكلاسيكي للمرأة المشتهاة. يُفضل البعض أن يصف هذا النوع من الفن ببرنوغرافيا عصره، لكن الحقيقة أن تسليع جسد المرأة لم يظهر بفجاجة إلا في القرن العشرين.

وعلى النقيض، قدم هذا الرسام الفلامنكي الرجال في شكل أبطال رياضيين أسطوريين بعضلات مفتولة وقوة عضلية هائلة. ويبدو رغم قوته البدنية وجبروته جذاباً، كما في تماثيل العصر الهلنستي والتقاليد الكلاسيكية.[5]

كانت هذه صورة الجمال الأوروبي في القرون الماضية. أما اليوم، فإن اسم روبنس وحده قادر على أن يحدث الاشمئزاز وسط عشاق الموضة في هذا العصر، فالركبتان المنتفختان والجسد الهائل بانبعاجاته ونتوءاته الكثيرة لم تكن في يوم من الأيام أقل جاذبية مما هي عليه اليوم. ورغم ذلك، ظلت الصورة المثالية للرجل الأوروبي كما كانت دائما، فالسينما تمجّد -كما كان الفن في القرون الوسطى- الجسد القوي العريض والعضلات النافرة والمنتفخة.

عظمة فنان مثل روبنس ستبقى دون منازع لقرون أخرى، لكن أعماله الفنية بدأت تفقد الإعجاب منذ النصف الثاني من القرن العشرين، فقد تحوّل الناس عن التباهي بالسمنة التي ميّزت زمانه. ولا يبدو أن الزمن سيرجع إلى الوراء مجددا ليعتنق مفاهيم جديدة عن الجمال في الوقت الحاضر.

تقول المؤرخة الأمريكية آن هولاندر (1930 – 2014) إن القرن العشرين فرض معايير صارمة مبنية على سَلْعَنَة المظاهر. فخلال الخمسين سنة الأولى من هذا القرن ظهر ذوق جديد يرفض بشكل مطلق البدن الليّن والمهلهل، أو بعبارة صريحة "الدهون".[6] وتضيف "خلال 400 عام تقريبا، ما بين 1500 و1900م، كانت الأحجام الجسدية الكبيرة أكثر جاذبية. طبعا، هناك اختلافات حسب البلدان، ولكن عموما كانت السمنة معيارا للجمال".[7]

تسرد هولاندر أهم الصفات المرغوبة للأناقة في الطبقات العليا للمجتمع، فتقول "نحافة الأيدي والقدمين أو الأنف، وأحيانًا الخصر الأنثوي. لكن الأنثى الحقيقية لا يظهر فيها عظم واحد. يجب أن تكون ممتلئة تماما". أما اليوم، فتعتبر النحافة والهزال باسم "الرشاقة" عُملة العصر، والمرأة النحيفة مرغوبة أكثر من أي وقت مضى.

اختراع الكاميرا أفسد حياة البدناء

يقول بعض المؤرخين إن الكاميرا قلبت الموازين، فهذه الآلة الجديدة عوّضت ريشة الفنان، فأفسدت حياة البدناء لأول مرة في التاريخ. ولئن كان البعض يعتقد أن الطب الحديث وتغير الذهنيات هي السبب الأساسي في تغيير الذوق من السمنة إلى النحافة، فالكثير من الدلائل تشير إلى دور السينما والإعلام في خلق صورة نموذجية محددة لما يجب أن تكون عليه المرأة والرجل.

لقد عوّض المصورُ الفوتوغرافي الفنانَ المحترف بسرعة هائلة، فهذه الآلة الجديدة أضحت على نحو متزايد مرتبطة بـ"الحقيقة الموضوعية". فالرسام يمكن أن يبدّل ويغيّر ويعدّل، لكن الكاميرا تُظهر الأمور كما تبدو في الأصل من دون أي تنميق.

ومع التقدم العلمي الحاصل في مجال التصوير، ظهرت الصور المتحركة التي سبقت الفيديو. وفي هذه الظروف، لم يعد بمقدور أي فنان منافسة هذا الوحش الجديد، فانتقل بعض الفنانين إلى اعتناق مدارس فنية جديدة، بينما بدّل آخرون الحرفة بالمرة، واختارت فئة أخرى ترك الرسم وامتشاق الكاميرا.

ومع مطلع 1920، أصبحت الصور الفوتوغرافية والأفلام الشعبية القصيرة تغوص أكثر فأكثر في كل مناحي الحياة اليومية للإنسان الغربي، وكان لابد لهذا الأخير أن يتكيف مع أسلوب الكاميرا. فالجسد يجب أن يتحرك بدقة شديدة وسلاسة حتى تستطيع العين التركيز وتمنح للدماغ حالة مستمرة من الدهشة والرغبة في مشاهدة المزيد. لكن هذا يحتاج إلى مهارات جديدة، فالرشاقة الآن صارت ضرورية للكاميرا، والملابس القروسطية الطويلة والثقيلة لا مكان لها هنا. وأمام هذه المتطلبات الجديدة، أصبحت السمنة "لعنة" لكل الحالمين بالظهور في الكاميرا. في المقابل، تحوّلت كل "لعنات" الأمس إلى "نِعمٍ" مرغوبة اليوم.

تدريجيا، أضحت متطلبات الشكل المثالي بالنسبة للمرأة تضم إظهار نحافتها من خلال عظام الجسد، فقد صارت عظم الفك السفلي وعظام الترقوة وأيضا القفص الصدري مصدر الأناقة بشعارها المعاصر.

ومع دخول السينما عصر الألوان وانتشار التلفزيون بشكل واسع في العالم، أصبح المثل الأعلى للجمال الأنثوي هو ما تخلقه هوليود ومصممو عروض الأزياء، ثم صناعة الأفلام الإباحية لاحقا.

لم يعد الجمال الأوروبي أو العربي أو الآسيوي مختلفا الآن، فباستثناء بعض المجتمعات القليلة التي أدارت ظهرها للعولمة، أصبح تعريف الجمال عالميّا، وقتلَ بذلك التنوع الذي اتّسم به طيلة التاريخ البشري.

خرافة الجمال.. تواطؤ هوليود والرأسمال

في 1990، أحدثت الكاتبة الأمريكية ناومي وولف ضجة كبيرة وسط المجتمعات الليبرالية الغربية بصرخة خرجت في شكل كتاب ينتقد ما سمّته "خرافة الجمال".

تقول في بداية كتابها "كلما ازداد تغلب المرأة على العقبات القانونية والمادية، ازدادت مفاهيم الجمال الأنثوية صرامة وقسوة بدرجة كبيرة (…) خلال العقد الماضي وصلت المرأة إلى السلطة، لكن في الوقت نفسه، ازدادت اضطرابات الأكل أضعافا مضاعفة، وأصبحت الجراحة التجميلية التخصص الأسرع نمواً".

وتضيف "خلال السنوات الخمس الأخيرة، أضحت الإباحية الجنسَ الإعلامي الأكثر بروزا، متقدما على الأفلام السينمائية والتسجيلات الصوتية مجتمعة. 33 ألف امرأة أمريكية أخبرن الباحثين أنهن يفضلن خسارة ما بين 4 و7 كيلوغرامات على تحقيق أي هدف آخر. تمتلك النساء اليوم المزيد من المال والسلطة والإمكانيات والاعتراف القانوني أكثر من أي وقت مضى؛ ولكن فيما يتعلق بكيفية شعورنا تجاه أجسادنا، فقد نكون في الواقع أسوأ حالا من جداتنا غير المتحررات".[8]

إن ما جعل كتاب ناومي وولف مثيرا للجدل ليس حديثه عن "وهم الجمال"، إنما التواطؤ الذي حصل بين كبار المنتجين في هوليود والشركات التجارية الكبيرة التي تتغذى من عذابات نساء يلهثن باستمرار وراء الكمال. فالمرأة أصبحت مجبرة على اعتنا�� أفكار غير واقعية عن الجمال غير موجودة إلا في الشاشات. وأصبح الرجل يبحث عن ممثلة سينمائية لا زوجة.

وقد أخذت صناعة البورنوغرافيا (تسليع المرأة) إلى أبعاد جديدة أفقدت فيها المرأة إنسانيتها، ودفعت الجنسين معا إلى هجر العلاقات العاطفية. ففي دراسة جديدة نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" هذا العام، فإن 18% من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 18 و30 عاما لم يمارسن الجنس خلال العام الماضي، و28% من الرجال قالوا إنهم لم يمارسوا الجنس في 2018.[9]

واعتبر الطبيب النفسي ليونارد ساكس أن "كثيرا من الذكور أصبحوا يفضلون قضاء الوقت في ممارسة الألعاب الإلكترونية أو مشاهدة الفيديوهات الجنسية على ممارسة الجنس".

تقع المرأة إذن ضحية أمام ضغط الإعلام والمجتمع الذي يريدها أقرب إلى جميلات الشاشة، ولكن أيضا زوجة خادمة طيّعة في البيت، وجبارة ناجحة في مهنتها. إنها أوصاف "الزوجة الخادمة، لكن بصفات ملاك"، بتعبير الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه.[10]

خلال العقود الماضية، حاولت الحركات المدافعة عن النساء فضح تواطؤ الرأسمال ضد المرأة، من خلال تفنيد الفكرة القائلة بوجود "المَلاك الحديدي"، وهي تلك المرأة الجميلة إلى حدود أسطورية، وقوية مؤمنة بقدراتها إلى درجة تجعل المجتمع يحترمها.

تعتبر الحركات النسائية أن مثل هذه المعايير جهاز تعذيب غير مرئي يستخدم لمعاقبة المرأة جسديا ونفسيا، فعندما تخفق في التماهي مع هذا النموذج تحصد الفشل المهني والزوجي وخيبات نفسية لا تندمل. وعندما تنجح قليلا، إما يقهرها الزمن أو تقع ضحية وساوس واكتئابات تنتهي بها وحيدة في مستشفى للأمراض العقلية أو منسية في ركن منزوٍ تتأبط العزلة.

وتعتبر الموضة والجمال أكثر الصناعات استغلالا للمرأة، فالترويج لصورة "الملاك الحديدي" عبر دور الأزياء يدفع المرأة إلى حالة تشنج داخلي يشبه صراع الروح مع الجسد، إذ تتمنى الروح لو تحظى بجسد يليق بها. هذا التنكر للذات يدفع الكثير من النساء إلى خوض صراع مرير من أجل البقاء: إما جسد مقدود بحلاوة وصدر نافر ووسط ضيّق وساقان جميلتان، أو الانسحاب من السباق نهائيا واحتقار الذات إلى النهاية.

وقد أدت هذه المعادلة القاسية إلى ارتفاع معدلات الانتحار وسط النساء، بينما تفضل أخريات صراعا أبدياً من أجل إرضاء المجتمع في شكل تعذيب يومي للذات بالرياضة المفرطة والحِمْيات الضارة وعمليات تخسيس مكلفة بدنيا وجسديا مثل ربط المعدة أو قصها أو غيرها.

يوم اللاحمية.. التوعية بمخاطر الحِميات

في 1992، قررت الناشطة النسائية البريطانية ماري إيفنز يونغ إعلان السادس من مايو/أيار يوما لـ"اللاحمية العالمي" لتوعية النساء وباقي المهووسين بصناعة الجسد المثالي بمخاطر اتباع حميات غذائية قاسية، وأيضا من أجل التذكير بدور الشركات التجارية في التلاعب بعقول البشر مستخدمة السينما ووسائل الإعلام والموضة.

فعلى مدى عقود، لاحظت الكثير من الناشطات النسائيات أن ضحايا الهوس بالجمال تزداد باستمرار، مما يتسبب سنويا بأمراض مثل اضطراب الأكل وسوء الهضم أو الإصابة بمرض فقدان الشهية.

لكن المخاطر لا تتوقف هنا، إذ تؤدي العمليات الجراحية التجميلية إلى وفاة الآلاف سنويا، ففي عام 2017، وجد فريق عمل خاص بالجراحة التجميلية أن ثلاث عمليات تجميلية ضمن كل مئة تنتهي بالوفاة.[11] وفي الولايات المتحدة، وجدت إحدى الدراسات أن الأخطاء الطبية التي يمكن الوقاية منها تودي بحياة 400 ألف كل عام وهي السبب الرئيسي الثالث للوفيات في أمريكا. وتحدث العديد من هذه الأخطاء القاتلة خلال القيام بعمليات جراحية اختيارية مثل الجراحة التجميلية.[12]

ماري إيفنز يونغ نفسها عانت من مرض فقدان الشهية العصبي، وألّفت كتابا تنصح من خلاله السيدات بعدم الانجرار وراء النزعة التجارية للريجيم المعاصر، وتقبّل مختلف الأجساد، في محاولة لقلب المفاهيم حول الجمال.

بعد أن عانت شخصيا من فقدان الشهية، عملت ماري إيفنز على مساعدة الناس على تقدير أجسادهم. وقامت ببلورة فهمها من خلال تجربتها الخاصة عندما تعرضت للترهيب في المدرسة لكونها سمينة، ومن خلال الحديث إلى المئات من النساء خلال دورات تدريبية تحاول من خلالها كسر المفهوم المتداول عن "الرشاقة كقيمة اجتماعية".

أصبحت مارلين مونرو رمزا للجمال الذي صنعه هوليوود

 

في كتابها "كسْر الحمية.. تناول كل شيء دون الاضطرار إلى اتباع نظام غذائي"، ذكرت ماري كيف شعرت خلال إحدى هذه الدورات في عام 1991 بالغضب بسبب محادثة خلال استراحة لشرب القهوة عما إذا كانت السيدات سيأكلن بسكويت أم لا. تقول إن البشر يُضيعون أوقاتهم في أشياء غير جديرة بالاهتمام ويشعلون حروبا نفسية للتنافس على معايير وضعها آخرون للربح المادي.

وتتحدث ماري في الكتاب عن رغبتها في فضح عدم جدوى الأنظمة الغذائية القاسية بعد حصول حادثتين متتاليتين كان لهما الأثر النفسي البالغ في نفسيتها:

في الحادثة الأولى، تقول إنها شاهدت برنامجا تلفزيونيا يصوّر ثلاث نساء أجرين عملية تدبيس المعدة (جراحة تصغير المعدة) في محاولة لإنقاص أوزانهن، وتضيف أن السيدات في هذا البرنامج التلفزيوني لم يتلقين الاستشارة الضرورية قبل خضوعهن للعملية لدرجة أن إحداهن خضعت لثلاث عمليات كلها فاشلة. وجدت ماري أن البرنامج مؤسف، لكنها تدرك في نهاية المطاف -وهي نفسها عانت من كره عميق لجسدها في وقت من الأوقات- أن نساء العالم وقعن ضحايا الصورة الملتصقة بالأذهان عن الجمال.

الحادثة الثانية، تقول ماري، صادفتها بعد نحو شهر من البرنامج التلفزيوني، إذ قرأت في الصحافة أن مراهقة أقدمت على شنق نفسها لأنها تعرضت لما يشبه الاضطهاد بسبب شكلها البدين.

يسعى يوم اللاحمية العالمي إلى تذكير الناس بأنهم مجرد بشر، وأن السعادة يمكن أن تتحقق خارج التصور الهوليودي للجمال الحسي.

لاحظت الكثير من الناشطات النسائيات أن ضحايا الهوس بالجمال تزداد باستمرار، مما يتسبب سنويا بأمراض مثل اضطراب الأكل وسوء الهضم 

 

طبعا، إذا توفر الغذاء من الأفضل –على الدوام- تناول الخضراوات وكميات أقل من الأطعمة السكرية والتخفيف من الأطعمة المقلية، لكن عندما يفعل الشخص ذلك يجب أن يكون بناء على قناعة نابعة من رغبة في الأكل الصحي، وليس خوفا من نظرة المجتمع.

لمدة قرون كان صراع البشر مع ندرة الطعام، لكن في العقود الماضية أصبح الصراع من أجل الجوع وتقييد السعرات الحرارية أقوى من أي وقت مضى. يريد الإنسان جسدا رشيقا يتحدى الشيخوخة كطريق للسعادة، لكن الطريق محفوف بالتعاسة والكثير من الأمراض. وربما ليس هناك شيء أعجب من أن يخصص العالم عطلة دولية تذكّر الناس بأن عليهم أن يأكلوا وأن لا يعذبوا أجسادهم.

واليوم، مع انتشار تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام، صار التسابق محموماً من جديد للحصول على الأجساد المثالية من أجل افتعال السعادة والابتسامات المزيفة لنيل رضا الآخرين. وقد أدركت الشركات التجارية تعطّش الناس لأن يكونوا أشخاصا آخرين غير أنفسهم، فوفّروا تقنيات المرشِّحات أو الفلاتر الفوتوغرافية لإزالة العيوب وردم الحفر وزرع الشعر الإلكتروني، وغيرها من الخدع الجمالية.

تقول الكاتبة الأمريكية نعومي وولف إن الجمال ليس كونيا، موحّدا أو غير قابل للتغيير، على الرغم من أن الغرب يتظاهر أن مصدر الجمال الأنثوي ينبع من صورة مثالية وضعها أفلاطون، كما أنه ليس دليلا على تطور الأجناس البشرية كما جاء في كتاب "أصل الأنواع" لتشارلز داروين.[13]

المصادر:

[1] https://www.nytimes.com/1977/10/23/archives/when-fat-was-in-fashion-abundant-flesh-was-a-thing-of-beauty-to.html
[2] https://academic.oup.com/beheco/article/23/3/481/221987
[3] http://www.nbcnews.com/id/18141550/ns/health-health_care/t/mauritania-struggles-love-fat-women/
[4] https://www.jstor.org/stable/431556?seq=1#page_scan_tab_contents
[5] https://www.encyclopedia.com/history/dictionaries-thesauruses-pictures-and-press-releases/gender-art
[6] https://www.nytimes.com/1977/10/23/archives/when-fat-was-in-fashion-abundant-flesh-was-a-thing-of-beauty-to.html
[7] https://www.nytimes.com/1977/10/23/archives/when-fat-was-in-fashion-abundant-flesh-was-a-thing-of-beauty-to.html
[8] http://www.alaalsayid.com/ebooks/The-Beauty-Myth-Naomi-Wolf.pdf
[9] https://www.washingtonpost.com/business/2019/03/29/share-americans-not-having-sex-has-reached-record-high/?utm_term=.5999bba645b2
[10] https://nationalvanguard.org/books/Thus-Spoke-Zarathustra-by-F.-Nietzsche.pdf
[11] https://www.usatoday.com/story/opinion/voices/2019/01/31/plastic-surgery-brazilian-butt-lifts-florida-death-column/2374585002/
[12] https://journals.lww.com/journalpatientsafety/Fulltext/2013/09000/A_New,_Evidence_based_Estimate_of_Patient_Harms.2.aspx
[13] http://www.alaalsayid.com/ebooks/The-Beauty-Myth-Naomi-Wolf.pdf