تقارير

فردوس الزهرة المفقود.. أحلام الإنسان على توأم الأرض الجميل الموحش

 

خاص-الوثائقية

لفت كوكب الزهرة بسطوعه أنظار البشر منذ زمن بعيد، فهو ثاني أكثر الأجرام سطوعا في الليل بعد القمر، وكان الناس يخلطون بين الزهرة ونجمي الصباح والمساء قبل أن يكتشفوا بأنها جميعا نفس الجرم، فهو لا يظهر في منتصف الليل بتاتا، ولذلك دارت حوله القصص والأساطير، وكانت الحضارات اليونانية والرومانية القديمة تربط بين الزهرة والأنوثة دائما. بينما كانت حضارة وسط أمريكا تتخيله الرجل المحارب ذا القوة الخارقة.

 

وقد تساءل البشر قرونا كثيرة عن ما إذا كان سطح الزهرة زاخرا بالأشجار والمياه والطير والوحوش، وعلى الجانب الآخر تخيلوا أن جميع الكواكب تشبه بعضها، لكن كوكب الزهرة من أولى الوجهات التي قصدها العلماء، وذلك لسطوعه وقربه من الأرض، ولكثير من الخصائص التي رأى العلماء أنها تشبه خصائص الأرض.

في هذه الحلقة من سلسلة "أسرار المجموعة الشمسية" التي بثتها قناة الجزيرة الوثائقية، سوف نسلط الأضواء على كوكب الزهرة، توأم الأرض الذي دارت حوله القصص والأساطير، ونطلع على جهود العلماء والباحثين في سبر أغوار هذا الكوكب الغامض.

"فينيرا-9".. الاتحاد السوفياتي يطوق كوكب الزهرة

كان للعلماء الروس قصب السبق في هذا المجال، وكان رائد العلم الحديث "لومونوسوف" أول عالم فلك يدرس الغلاف الجوي للزهرة، وتوصل إلى أن السطوع الشديد للزهرة وغياب معالمه عائد إلى أن السحب تغطي سطحه بالكامل. وبطبيعة الحال فإن السحب تشكلت من بخار الماء، وفي هذه الحالة سيكون الزهرة كوكبا وفير المياه، بل وتخيل البعض وجود زواحف عملاقة وديناصورات. والطريقة الوحيدة للتأكد من وجود ذلك على الزهرة هي الذهاب إلى هناك.

قبل 1975 لم يسيق لإنسان رؤية صورة ملتقطة على سطح أي من الكواكب بما فيها الزهرة، لكن مهمة روسية تدعى "فينيرا-9″، كانت في طريقها إلى هناك، ففي ذلك العام اقترب المسبار والمركبة من الكوكب، ثم انفصلا عن بعضهما.

الروس يتفوقون على الأمريكان في حرب الفضاء الأولى بإرسالهم "يوري غاغارين" كأول إنسان يبلغ الفضاء

 

اقترب المسبار من الزهرة وبدأ في مناورة لتخفيف سرعته للدخول في حقل جاذبية الكوكب وتكوين مدار إهليلجي خاص به حوله، ليكون أول جزء من صنع البشر يدور حول الزهرة، بينما دخلت المركبة غلاف الكوكب من الجهة الأخرى وأخذت تقيس أبعاد الغلاف الجوي، وترسل الصور إلى المسبار الذي يرسلها للأرض.

بعد الحرب العالمية الثانية أذهل الاتحاد السوفياتي العالم بإرسال "سبوتنك" إلى الفضاء سنة 1957، وبعدها بسنة أرسلت أمريكا مركبتها الأولى ليبدأ السباق المحموم إلى الفضاء بين قطبي الأرض، لم يكن سباقا تكنولوجيا فقط، بل علميا وتسليحيا وفكريا كذلك. ولا بد أن استكشاف الكواكب الأخرى جاء على أجنحة الحرب، فالصواريخ التي حملت المركبات كانت معدة أصلا لقصف المدن.

يوم أطول من السنة.. يوميات كوكب يزحف إلى الخلف

يلزم علماء الصواريخ منذ البداية من أجل الوصول إلى كوكب الزهرة الاستفادة من تقارب الكواكب في فترة محددة، وهذا ما يحدث كل 19 شهرا، إذ يكون كوكب الزهرة حينها أقرب ما يكون إلى الأرض.

في بداية الرحلات الأرضية إلى الزهرة أدى اكتشافٌ تحقق من خلال تلسكوب راديوي أرضي عام 1961 إلى زيادة غموض هذا الكوكب، فقد ظهر أن نمط دوران الزهرة غريب الأطوار، وبدا أن الكوكب يدور حول نفسه ببطء إلى الخلف، حتى بات يوم الزهرة أطول من سنته.

الرادارات تكشف حقيقة أن كوكب الزهرة يخالف بقية الكواكب في دورانه حول نفسه من الشرق إلى الغرب

 

وفي النصف الثاني من عام 1962 امتلك الغريمان التقليديان كل الإمكانات للوصول إلى الزهرة، فانطلقت خلال شهرين خمس مهمات منها اثنتان أمريكيتان من خلال "مارينر"، وثلاث روسيات باسم (MV)، ولكنها باءت بالفشل جميعها، فبعضها لم يغادر مدار الأرض، بينما الأخريات انقطع الاتصال بهن دون الحصول على معلومات.

وفي ديسمبر/كانون أول 1962 نجحت "مارينر-2" في التحليق في مدار حول الزهرة، وأصبحت أول مركبة تعود بمعلومات مفيدة من كوكب آخر، فحرارة الغلاف الخارجي للزهرة تصل إلى 500 درجة، وبدا أن كوكب الزهرة ليس الفردوس الذي طالما حلم به الإنسان، وهناك اكتشاف آخر هو أن توأم الأرض ليس على ما يرام، فالأرض تملك مجالا مغناطيسيا بقطبين بينما لا يملك الزهرة مجالا ذا قيمة.

فردوس الخيال.. أحلام البشر تتبدد على سطح الزهرة المقفر

على ارتفاع 50 كم فوق سطح الزهرة أثبتت فينيرا-9 الروسية أن الظروف هناك مشابهة لنفس الارتفاع فوق الأرض، من حيث الحرارة والضغط الجوي، ولكن عند نزول المسبار داخل الغلاف شيئا فشيئا تزداد الحرارة ويتضاعف الضغط إلى 100 ضعف، وكأن المسبار يغوص في سائل.

هبطت "فينيرا" على سطح الزهرة، وأرسلت أول صورة لكوكب آخر إلى الأرض، لقد كان إنجازا تاريخيا بمعنى الكلمة. بعدها بعام واحد أرسلت مركبة "فايكنغ" الأمريكية صورا لسطح المريخ، ولكنه لم يكن بصعوبة ما أنجزه السوفيات على سطح الزهرة. وهكذا تبددت أحلام البشر من جديد حول وجود الغابات والينابيع على الزهرة.

أول صورة ترسلها "فينيرا9" الروسية لكوكب من كواكب المجموعة الشمسية؛ كوكب الزهرة 1975

 

ومثل ظروف كوكب الأرض المعقدة، فإنه لا يمكن الحكم على الزهرة من خلال قراءات ومعلومات عن موقع واحد هبط فيه المسبار، ولتكوين صورة أوضح عن ظروف الكوكب الكلية لا بد من الحصول على معلومات من كافة أقطار الكوكب ليلا ونهارا، عند الأقطاب وحول خط الاستواء، وذلك لتكوين صورة ثلاثية الأبعاد لحقيقة الكوكب.

وفي 1974 أقرت ناسا مهمة مزدوجة "بايونير" الزهرة لاستكشاف كوكب الزهرة من مداره ومناطق أخرى حوله، واشتملت على مركبة مدارية وأربعة مسابير، لدراسة مختلف أجزاء كوكب الزهرة، وأطلقت المركبة في مايو/أيار 1978، وتبعتها مركبة تحمل المسابير في أغسطس، وتبين من القياسات أن جميع أنحاء الكوكب تتعرض لحرارة شديدة وضغط كبير.

الأرض والزهرة.. بون شاسع بين التوأمين المائيين

تبين أن الزهرة مكان سيء، لا يتعدى الفرق في الحرارة درجتين في ليل أو نهار على خط الاستواء أو القطبين، وذلك بسبب الغلاف السميك ذي الضغط المرتفع الذي يوزع الحرارة العالية بانتظام على أنحاء الكوكب، مما يجعله غير صالح للحياة بتاتا، فلا الجو المشبع بثاني أكسيد الكربون ولا الضغط الذي يرتفع إلى 90 بار، ولا درجة حرارة 500 تشفع لمخلوق أن يعيش هناك.

الزهرة توأم الأرض حجما، وتاريخه جيولوجيا، خلا أنه لا يملك مجالا مغناطيسيا كحال الأرض

 

كان ذلك لغزا حيّر العلماء، فلماذا يختلف الكوكبان التوأمان عن بعضهما كل هذا الاختلاف؟

لقد تشكل كوكبا الزهرة والأرض في ظروف متماثلة، وهما مصنوعان من المادة نفسها، وبعد نشأة المجموعة الشمسية بـ600 مليون عام وقعت سلسلة من الصدامات واسعة النطاق، وشهدت كثيرا من نشاطات المذنبات والنيازك التي حملت الكثير من الماء إلى الأرض والزهرة.

وبعد استقرار المجموعة كان العامل الآخر الذي ربما ساهم بشكل كبير في حدوث الاختلاف، فالزهرة أقرب بكثير إلى الشمس من الأرض، وهو يحصل على ضعف الأشعة الشمسية التي تصيب الأرض. وبهذا تبخرت المياه عن سطح كوكب الزهرة واستقرت في غلافه، مما رفع درجة حرارته بشكل كبير أدى لتبخر ثاني أوكسيد الكربون من الصخور، الأمر الذي فاقم المشكلة.

ماء المطر.. كلمة السر بين الحياة والموت

إذن، فكيف نجا كوكب الأرض من ظاهرة الاحتباس الحراري التي أثرت على الزهرة؟

كلمة السر هي المطر، فعند هطول الأمطار فإنها تمتص ثاني أوكسيد الكربون من الجو، ويعود إلى الأرض ليتفاعل مع الصخور ويشكل الصخور الكربونية التي تنزلق خلال الطبقات التكتونية، لتنطلق فيما بعد من باطن الأرض على شكل براكين، بفعل الضغط والحرارة.

الزهرة هو الكوكب الدري الذي يرى بعيد غروب الشمس بالقرب من الهلال، وهو ثالث ألمع أجرام السماء

 

أما إذا كان السؤال: ماذا حدث للماء على كوكب الزهرة؟

فالإجابة تكمن في أشعة الشمس ورياحها المغناطيسية، فهي تفكك جزيء الماء إلى أوكسجين وهيدروجين ينطلق في الفضاء، وهكذا لا يعود للماء أي وجود أصلا في الزهرة، ولا حتى في الكواكب الأخرى الدائرة حول الشمس.

والسؤال الآخر: لماذا يكون غلاف الزهرة أكثر سماكة وضغطا وتشبعا بثاني أوكسيد الكربون؟

في مطلع الثمانينيات أطلقت ناسا مهمة جديدة؛ "رادار التصوير المداري للزهرة"، وكانت تحتوي على أدوات وهوائيات متعددة، ثم تقلصت إلى مهمة اقتصادية أطلق عليها "ماجلان"، وفي 1989 حملها المكوك "أتلانتس" إلى مدار الأرض الأدنى.

"ماجلان".. كنز بصري ثمين يكشف أسرار الجيولوجيا الزهرية

بعد انطلاق "ماجلان" إلى مدار الزهرة أخذت في التقاط الصور لمدة ساعة كاملة، تعود بعدها إلى مدار الأرض لتنقل الصور إلى مركز التحكم الأرضي، ثم تعود ثانية إلى مدارها حول الزهرة لالتقاط مجموعة أخرى من الصور، وهكذا حتى تجمّع للعلماء كنزٌ ثمين من الصور المدهشة للزهرة من أطرافها، فقاموا بتجميعها معا لترسم صورة جيولوجية متكاملة لسطح الكوكب.

"ماجلان" تكتشف أن كوكب الزهرة يعج بالبراكين كما كانت الأرض عليه قبل مليارات السنين

 

تبين أن البراكين بمختلف أنواعها قد انفجرت على كافة أنحاء الكوكب، وهذا يفسر وجود كثير من طبقات البازلت على سطح الزهرة، وهذا يفسر أيضا تزايد كثافة ثاني أوكسيد الكربون الذي يتدفق إلى سطح الكوكب منذ مليارات السنين. وقد ظهر أن جفاف الكوكب وخلوّه من الماء قد يكون سببا رئيسيا في فقدان المجال المغناطيسي حوله.

دارت "ماجلان" حول الزهرة من أغسطس/آب 1990 وحتى أكتوبر/تشرين الأول 1994، وقد غطت خلالها 98% من سطح الزهرة، وساهمت في فهم أعمق للعمليات الجيولوجية التي شكّلت سطح الكوكب، وذلك قبل أن تتفكك المركبة في أعماق الغلاف السميك لكوكب الزهرة.

"فينوس إكسبرس".. قمر صناعي أوروبي يرصد طقس الزهرة

بعد رحلة "ماجلان" أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية مهمة "فينوس إكسبرس"، ومثلت أول قمر اصطناعي يرسله البشر لدراسة طقس كوكب آخر، وقد قدّم لنا صورة واضحة عن ما كان يحدث للغلاف الجوي حول الزهرة، وسجّل أفلاما لنشاط الغلاف على أعماق مختلفة وأظهر أنه شديد النشاط، ويدور حول نفسه كل أربعة أيام وينقلب انقلابا كاملا.

كوكب الزهرة -بالتلسكوب- يرى كأطوار القمر كونه كوكبا داخليا يدور بين الأرض والشمس

 

تهب الرياح على ارتفاعات كبيرة حول خط الاستواء، وبسرعة عاتية تقدر بـ360 كم/ساعة، وتنعدم هذه السرعة حتى تصل إلى الصفر تقريبا عند القطبين، وتغطي السحب الكوكب كاملا، وهي محملة بقطرات من حامض الكبريتيك، وهي أسوأ حالات المطر الحمضي في المجموعة بأسرها.

المدهش أن سرعة الرياح عند سطح الكوكب منخفضة جدا، وإذا قدّر لبشر أن يهبط على السطح فسيجد أن الإضاءة مختلفة تماما عنها في الأرض، والسبب هو هذا الغلاف السميك الذي يعمل مثل المرشّح (الفلتر)، وقد يكون الضوء أحمر معتما، وسيكون الإحساس بالمحيط غريبا، والحركة بطيئة كأنك تتحرك في سائل لزج كثيف.

مذنبات استعادة الفردوس على الكواكب.. حلم بعيد المنال

يتساءل العلماء عن ما إذا كان في مقدور الزهرة أن تعود -كما كانت- كوكبا عامرا بالمياه والحياة، والحقيقة أن هذا الخيال بعيد جدا ولا يمكن تصوره في المستقبل القريب، ولن تكون هناك فرصة لحدوث هذا إلا إذا تلاشت الشمس، وساعتها ستتحول إلى ذلك الوحش الأحمر الذي سيبتلع الزهرة نفسها وباقي الكواكب.

أليس من الأفضل استصلاح الأرض والبقاء عليها على محاولة الهجرة لاستصلاح الكواكب الفاقدة لأية مقومات؟

 

أما فكرة استصلاح الكوكب صناعيا بإرسال المذنبات والنيازك التي تساعد في تفكيك الغلاف، والسماح لدورة المياه بالعودة إلى السطح، فهذا حلم بعيد المنال أيضا، فلو كان باستطاعة البشر فعل ذلك لكان كوكبهم الأرض أولى بهذه المبادرات الحميدة، بدل أن يستثمروا في الكواكب الأخرى. وتبقى الأرض هي ملاذنا الأخير وأمّنا الحانية الرؤوم.

ذات صلة