تقارير

فكر قبل أن تنفق.. لماذا ننفق ما لا نملك؟

 

تدخل الجزيرة الوثائقية عالَم الأموال عبر سلسلة وثائقية من ست حلقات بعنوان "فكّر قبل أن تنفق"، وتتناول السلسلة بعض الأفكار ووجهات النظر إزاء تعامل البشر مع المال سواء أكانوا أطفالا أم بالغين، والطرق المثلى في الإنفاق والاستهلاك، وإذا ما كان بإمكاننا التعامل مع المعاني السامية على أنها سلع تشترى بالمال كالحب والسعادة وغيرهما، كما تشرح السلسلة لنا ما الذي يحكم سلوكنا مع المال، وبعض الحيل البسيطة التي يمكن أن نستخدمها جميعا لاتخاذ قرارات أفضل بشأن الأموال التي نحصل عليها بعد شقاء. وجاءت الحلقة الثالثة من السلسلة بعنوان "لماذا ننفق ما لا نملك؟" لتناقش ميل الناس نحو الإنفاق غير المبرر على سلع وخدمات قد لا تكون ضرورية في كثير من الأحيان، وما هي طرقهم في التحايل على أنفسهم لإنفاق ما لا يملكون.

حسن العدم

يتفاوت الناس في طريقة تعاملهم مع المال بين منفقٍ ومدخر، وهذان تصنيفان عامّان جداً تقع بينهما تقسيمات كثيرة.

ويحاول نايجل لاتا في هذه الحلقة التركيز على فئة المنفقين، ويناقش ميلهم نحو الإنفاق غير المبرر على سلع وخدمات لا تكون ضرورية لهم في كثير من الأحيان، وما هي طرقهم في التحايل على أنفسهم وإنفاق ما لا يملكون، حيث التسوق الإلكتروني والبطاقات الائتمانية وهما من أخطر المصائد، ثم يقدم بعض النصائح التي تدعو إلى التوازن في الإنفاق.

 

البطاقة الائتمانية.. مال لا تملكه

لدى استطلاع آراء عينة من الناس في نيوزيلاندا، وجد نايجل أن 60% منهم يميلون إلى استخدام البطاقات الائتمانية في مشترياتهم، أي أنهم في حقيقة الأمر ينفقون ما لا يملكون.

وقد تكون بعض السلع التي يشترونها ليست ضرورية لاستخداماتهم اليومية، ولكنهم يشترونها لكونهم قد وقعوا في فخ الخدع التسويقية الجذابة، وإذا سألتهم إن كانوا سيشترون نفس السلعة لو عرضت عليهم مقابل الدفع نقدا؛ فسيمتنعون عن شرائها بحجة أنها غير ضرورية، فالبطاقة الائتمانية إذن من أهم الوسائل التي تجعلك تنفق بغير حساب في كثير من الأحيان.

مسألة مهمة أخرى عرض لها نايجل في حلقته هذه تتعلق بالرقم الأول الذي تسمعه لدى تقييمك لسعر سلعة ما، ويسمى هذا الرقم الأول بـ"المرساة" لأنه يجذبك باتجاهه، ويجعل جل تفكيرك منصبا حول رقم قريب منه كثمن للسلعة، فمن المهم جدا أن تنتبه لهذا الرقم وتقيِّمه جيدا، ويجب أن تكون لديك بعض الأدوات الأساسية التي تستطيع من خلالها تقييم أسعار السلع والخدمات، واحذر أن تقع في مصيدة المسوقين والتجار، وكمستهلك يجب أن تكون لديك دراية بالقيمة الحقيقية لسلعةٍ ما أنت بحاجة إليها.

هناك جدلية أخرى يطرحها نايجل في هذا البرنامج، وهي هل الدولار مثلا يبقى دولارا في كل الأحيان أم أن قيمته تتغير بحسب ثمن السلعة أو الخدمة المقدمة؟

في السلع ذات الثمن المتدني كفنجان قهوة مثلا تكون قيمة الدولار عند بعض الناس عالية، ولذا فهو يحرص على توفيره ما أمكن، ويجهد نفسه في المقارنة بين متجر وآخر لتوفيره. أما إذا كان يشتري سلعة مرتفعة الثمن كالسيارة مثلا فستصبح قيمة الدولار متدنية في نظره، ولا يهمه أن ينفق عشرات الدولارات أكثر في سبيل الحصول على لون معين مثلا. وفي المقابل يصر البعض الآخر من الناس على أن الدولار هو الدولار دائما ويجب عدم التساهل في إنفاقه سواء أكانت السلعة غالية أم رخيصة.

التوازن بين الموارد والإنفاق يجب أن يقاس بميزان دقيق جدا

 

الإنفاق على ما لا أحتاجه

يحاول نايجل وفريقه أن يساعدوا بعض الأشخاص الذين يسرفون في الإنفاق على أشياء لا يحتاجونها، ولديهم أولويات كان بإمكانهم القيام بها لولا إسرافهم في الإنفاق على الأشياء غير الضرورية.

السيدة "كورتني" لديها طموح أن تزور الولايات المتحدة في العام القادم، ولكنها لم توفر المبلغ المطلوب حتى الآن مع أنها تكسب كثيرا، وهي في الوقت ذاته تسرف في الإنفاق على الملابس والشوكولاتة والأغذية غير الضرورية.

نصحها نايجل وفريقه أن تعرض كثيرا من الفساتين المكدسة في خزانة ملابسها للبيع عبر الإنترنت. ترددت في البداية، فهي تحب ملابسها حتى وإن لم تستخدمها منذ اشترتها من سنوات، ولكنها في النهاية وافقت على العرض.

صار الفريق يتتبعها في الأسواق والسوبر ماركت ويحاول بشتى السبل أن يمنعها من شراء ما لا يلزم. كانوا ينجحون أحيانا ويخفقون كثيرا، ولكن مع مرور الوقت صارت "كورتني" تشعر أن الفريق يراقبها دائما، وصارت تعيد حساباتها في كل مرة تتناول فيها سلعة عن الرف، وأصبحت تدرك أن حلمها بزيارة أمريكا بات قريبا الآن.

البشر متفاوتون في نظرتهم للمال، ومتفاوتون أيضا في كيفية إنفاقه

 

كُلفة الفرصة

ماهو مفهوم كُلفة الفرصة؟ في البداية لا بد أن نصنف الناس من حيث الإنفاق والادخار إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول المنفقون، والثاني المدّخرون، أما الصنف الثالث فهم الـ"بين بين".

قام نايجل وفريقه بالتجربة التالية لتوضيح مفهوم كُلفة الفرصة؛ فقد عرضوا اثنين من أجهزة الهاتف النقال للبيع، الأول بمواصفات معينة، ولنقل إن سعره يبلغ 900 دولار، أما الثاني فسعره 1100 دولار لأن ذاكرته ضعف الأول وشاشته أكبر بقليل.

في الشق الأول من التجربة كانت النتائج كما هو متوقع؛ فالمنفقون اختاروا الهاتف الأعلى سعرا، والمدخرون اشتروا الهاتف الأقل سعرا لأنه يفي بمتطلبات استخدامهم ولا يرون أنهم بحاجة لمواصفات زائدة، أما المترددون فقد اختار بعضهم الهاتف الأعلى سعرا، واختار الباقي الهاتف الأقل.

أما الشق الثاني من التجربة فكان مخصصا للمنفقين، ولكن هذه المرة بشيء من التفصيل. وبالطبع فإن المنفقين كما ذكرنا اختاروا في البداية الهاتف الأغلى ثمنا، ولكن لدى مناقشتهم عن مدى حاجتهم للمواصفات الزائدة أو ما إذا كانت لديهم مشاريع أخرى يمكن أن ينفقوا الـ200 دولار الزائدة عليها، أو ببساطة يمكن أن يدخروا هذا المبلغ الزائد للمستقبل عسى أن يستفيدوا منه في شراء سلعة أخرى، كانت المفاجأة أن كثيرا منهم غير قناعاته واختار الجهاز الأرخص على أمل أن يستفيد من فرق السعر، وهذا ما يسمى كُلفة الفرصة.

في النهاية، البشر متفاوتون في نظرتهم للمال، ومتفاوتون أيضا في كيفية إنفاقه، وهناك مدارس فكرية عميقة في تقييم ثمن السلع والخدمات، وتقدير قيمة المواصفات الإضافية لسلعة ما ومدى حاجة الناس إليها. والفيصل في ذلك كله أن الإنسان دليل نفسه، وأن التوازن بين الموارد والإنفاق يجب أن يقاس بميزان دقيق جدا.