تقارير

كارلوس غصن بعد اعتقاله.. ما مصير تحالف رينو/نيسان/ميتسوبيشي؟

 

مراد بابعا

شكل اعتقال كارلوس غصن الرئيس التنفيذي السابق لتحالف شركات "رينو" و"نيسان" و"ميتسوبيشي" في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي ثم عزله من منصبه بعد ذلك، صدمة في قطاع صناعة السيارات في العالم.

فغصن الذي تولي قيادة التحالف الذي ضم في الأول رينو الفرنسية ونيسان اليابانية؛ يوصف بأنه مهندس "عملية إنقاذ نيسان من الإفلاس" عام 2000 حين وصلت ديون الشركة إلى 20 مليار دولار.

واستطاع غصن تحويل الشركة من وضعية الإفلاس إلى إحدى أقوى المنافسين في السوق بأرباح تضاهي كبريات الشركات في المجال.

وفي 2001 –وهي السنة التي تولى فيها رجل الأعمال اللبناني الأصل الحامل للجنسيتين البرازيلية والفرنسية منصب الرئيس والمدير التنفيذي- كانت نيسان تبيع نحو مليون سيارة فقط حول العالم، لكنها انتقلت في 2015 إلى بيع أكثر من خمسة ملايين سيارة.

جاء هذا التحولٌ بفضل القيادة التي وصفت بالمتميزة لغصن وبعد التحالف مع شركة رينو الفرنسية التي امتلكت أكثر من 43% من نيسان، في مقابل امتلاك الشركة اليابانية 15% من رينو، ليتوسع التحالف بعد ذلك في 2016 بانضمام "ميتسوبيشي موتورز"، وهو تحالف ثلاثي استطاع في 2017 بيع أكثر من 10 ملايين ونصف مليون سيارة وتشغيل 470 ألف عامل في مختلف دول العالم.

وخلال القمة الأخيرة لمجموعة العشرين التي انعقدت باليابان، أبدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تمسكه بتحالف رينو الفرنسية مع نيسان مدافعا عنه بالقول "يجب أن يكون أقوى من ذي قبل".

فما هي إذن خلفيات سقوط كارلوس غصن من على عرش تحالف "رينو/نيسان/ميتشوبيشي"؟ وكيف تحول مصيره من نجم في عالم صناعة السيارات إلى معتقل ينتظر قرار المحكمة اليابانية؟ وما مصير التحالف الفرنسي الياباني بعد الإطاحة بعقله المدبر؟

السقوط المدوي لغصن

في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، نزل خبر اعتقال كارلوس غصن في اليابان كالصاعقة على جميع وكالات الأنباء ومنصات الأخبار الاقتصادية، وأول تهمة توبع بها آنذاك هي "استغلال النفوذ والتصريح بمدخول أقل بالنصف من مدخوله الحقيقي للسلطات خلال إقامته في اليابان، وبتحويل خسائر مالية شخصية إلى حسابات نيسان خلال الأزمة المالية".

وبحسب تقديرات السلطات القضائية اليابانية، فإن كارلوس غصن (64 عاما) أخفى عن مصلحة الضرائب اليابانية نحو 50 مليون دولار بين يونيو/حزيران 2011 ويونيو/حزيران 2015.

أودع غصن في مركز احتجاز في "كوسوغي" شمال العاصمة طوكيو الذي أمضى فيه نحو ثلاثة أشهر رغم المحاولات المتعددة للإفراج عنه بكفالة، والتي تكللت أخيرا بالنجاح بعدما وافقت محكمة طوكيو على الإفراج عنه بكفالة قدرها تسعة ملايين دولار وبشروط صارمة.

وصرح الرئيس السابق لتحالف رينو/نيسان/ميتسوبيشي مباشرة بعد خروجه من السجن بأنه "بريء" وسيدافع "بقوة" عن نفسه في مواجهة اتهامات "لا أساس لها" بمخالفات مالية ضده في اليابان.

لكن فرحة غصن بهذا الإفراج المشروط لم تدم طويلا، فسرعان ما أعيد اعتقاله مجددا بداية شهر أبريل/ نيسان الماضي بسبب قضية جديدة قيل إنها تتعلق بمدفوعات مريبة قدمتها نيسان لوكيل لها في سلطنة عمان خلال تولي غصن رئاسة الشركة.

لكن الاعتقال هذه المرة جاء قبل يوم واحد من مؤتمر صحفي كان سيعقده غصن "لعرض قضيته وقول الحقيقة" بشأن مزاعم الفساد الموجهة إليه، وهو ما جعل عددا من المتابعين يربطون الاعتقال الجديد برغبة نيسان في إخراس صوت مديرها السابق وثنيه عن كشف حقائق قد تغير مجرى القضية.

الانقلاب الشامل

كارلوس غصن الموجود في اليابان قيد الإقامة الجبرية بعد الإفراج عنه مرة أخرى بكفالة في انتظار قرار المحكمة النهائي؛ عُزل من جميع المناصب التي كان يتقلدها رئيسا ومديرا تنفيذيا للتحالف الثلاثي رينو/نيسان/ميتسوبيشي، وأيضا من على رأس الشركات الثلاث بإجماع أعضاء مجالس إداراتها، وذلك على الرغم من أن رينو الفرنسية تشبثت به في البداية رئيسا ومديرا عاما للشركة.

وتعقدت الأمور أكثر بالنسبة لغصن بعد إعلان رينو الفرنسية -التي كانت تسانده- أيضا عن متابعته قضائيا، إثر اكتشافها "نفقات مشبوهة" بقيمة 11 مليون يورو داخل فرع مشترك بينها وبين نيسان اليابانية مقرّه هولندا، وهي الدعوة التي أكدت الحكومة الفرنسية بأنها ستدعمها من خلال وضع كل العناصر التي تملكها رهن إشارة القضاء، على اعتبار أن الدولة تملك 15% من رأسمال رينو.

دخول رينو على خط المتابعة القضائية أَضعف موقف غصن الذي ظل يؤكد أنه ضحية مؤامرة دبرتها نيسان لتمنع الاندماج الكامل الذي كان يخطط له بين الشركتين اليابانية والفرنسية، والذي من المفترض أن تشدد من خلاله فرنسا القبضة على ثاني أكبر شركة لصناعة السيارات في اليابان وأيضا على ميتسوبيشي التي تملك فيها نيسان نسبة 34%.

هل يستمر التحالف؟

عدد من مسؤولي شركة نيسان -وعلى رأسهم رئيسها الحالي "هيروتو سايكاوا"- عبروا علانية عن أن البنية الحالية للشراكة مع رينو لا تترجم الوزن الفعلي لنيسان داخلها، وتريد الشركة اليابانية مزيدا من التحكم في التحالف وفي قراراته باعتبارها الحلقة الأقوى التي أصبحت الشركة الفرنسية تستفيد منها أكثر.

في المقابل عبرت فرنسا عن تشبثها بالتحالف كما هو، ونفى وزير الاقتصاد برونو لومير بشدة دعوة الدولة الفرنسية إلى اندماج كامل بين رينو ونيسان، مضيفا أن سيناريو الاندماج التام بين شركتي تصنيع السيارات "ليس مطروحاً للنقاش".

وعلى هامش قمة مجموعة العشرين الأخيرة، اعتبر الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون أن الفرنسيين واليابانيين يجب أن يعملوا "معاً" على جعل التحالف "أقوى في مواجهة المنافسة الدولية".

ولم يأت ماكرون على ذكر اسم كارلوس غصن الذي سممت قضيته التحالف الياباني الفرنسي، كما كلفت قضيته الشيء الكثير لحاملي أسهم شركة رينو، إذ تراجعت أسهمها في البورصة لتصل إلى أدنى مستوياتها في حدود نحو 55 يورو، وفي أقل من سنة واحدة فقدت الشركة ثلث قيمتها المالية.

بحث عن تحالفات أخرى

استمرار أزمة غصن زادت من معاناة المصنع الفرنسي مع المنافسة الشرسة في السوق والتقلبات التكنولوجية التي تستلزم استثمارات ضخمة في المحركات الكهربائية وفي البطاريات دون أي ضمان للمردودية. لكن تجربة رينو مع نيسان خصوصا في السيارات الكهربائية التي تعتبر مستقبل هذه الصناعة؛ فتحت شهية شركات أخرى.

فقد أعلنت "رينو" أواخر شهر مايو/أيار الماضي وبشكل مفاجئ أنها ستدرس "باهتمام" اقتراح "فيات كرايسلر" الإيطالية الأمريكية للاندماج مناصفة.

نزل الخبر كالصاعقة على نيسان خصوصا أن الشراكة تعني إنشاء ثالث أكبر مجموعة عالمية لصناعة السيارات بقيمة سوقية تزيد على 30 مليار يورو، وتمنح "فيات كرايسلر" إمكانية الوصول إلى تكنولوجيا رينو/نيسان للسيارات الكهربائية.

لكن الحكومة الفرنسية دخلت على الخط بحسب عدد من المتابعين حفاظا -على ما يبدو- على التحالف مع نيسان الذي استمر عشرين سنة، واشترطت بالأساس "الحصول على دعم صريح من نيسان" المرتبطة مع رينو بشبكة معقدة من المساهمات.

وطلبت فرنسا بالتالي مهلة من خمسة أيام لضمان دعم كافة الأطراف لمشروع الاندماج، وهو ما رفضته المجموعة الإيطالية الأمريكية، محملة مسؤولية هذا الفشل للحكومة الفرنسية على اعتبار أن "الشروط السياسية" لم تتوفر في فرنسا "لإتمام مثل هذا التقارب".

وصف كارلوس غصن بأنه مهندس "عملية إنقاذ نيسان من الإفلاس"

غصن.. مثير للجدل بمسار متميز

صورة "الأجنبي القوي" الذي تمكن من إنقاذ شركات يابانية من الإفلاس والتي رسمها كارلوس غصن لنفسه في اليابان؛ سرعان ما تبخرت بعد خبر اعتقاله بسبب التهرب الضريبي. وتضررت صورته أكثر بعد إعلان التلفزيون الياباني الرسمي "آن إتش كي" أن نيسان دفعت "أموالا هائلة" لتزويد غصن بمنازل فخمة في ريو دي جانيرو وبيروت وباريس وأمستردام.

يضاف إلى ذلك تقاضيه راتبا هائلا بالمعايير اليابانية وصل في المجموع إلى 13 مليون يورو سنويا، وهو راتب تسبب له في انتقادات حتى على مستوى الحكومة في فرنسا.

كانت هذه التطورات بمثابة ضربة قوية لرجل الأعمال الفرنسي من أصل لبناني الذي ولد في البرازيل قبل 64 عاما، وبدأ مسيرته المهنية عام 1978 في شركة "ميشلان" الفرنسية المرموقة لتصنيع الإطارات.

فقد تمكن غصن خلال فترة قصيرة من الترقي في المناصب قبل أن يعود إلى مسقط رأسه في البرازيل لحلّ المشكلات الصعبة التي كان يواجهها مصنع ميشلان هناك، ويصبح لاحقا مديرا عاما للشركة تشمل صلاحياته كل دول أمريكا الجنوبية وهو لم يتجاوز بعد الثلاثين من العمر.

نجاحه في تثبيت أقدام الشركة بالمنطقة دفع برؤساءه إلى اختياره لرئاسة قطاع عمليات ميشلان في أميركا الشمالية عام 1989. لكن مسيرة غصن مع ميشلان انتهت بعد اصطدامه برغبة رئيسها "فرانسوا ميشلان" بتعيين نجله لخلافته على رأس الشركة، واضعا حدا لطموحات غصن الذي تلقفته شركة رينو وعينته عام 1996 في منصب نائب رئيس تنفيذي مكلف بتطوير عمل الشركة وفتح أسواق جديدة لها، كما كلف أيضا برئاسة قطاع الشركة في أمريكا الجنوبية.

كارلوس غصن (64 عاما) أخفى عن مصلحة الضرائب اليابانية نحو 50 مليون دولار بين يونيو/حزيران 2011 ويونيو/حزيران 2015

قاتل النفقات

بعدما انضم إلى فريق رينو أواسط التسعينيات كانت الشركة الفرنسية للسيارات تعاني من خسائر مستمرة، فكان أول قرار اتخذه غصن إعادة هيكلة جذرية للشركة، وإغلاق مصنعها في بلجيكا، وتسريح 3300 عامل. وقد أعاد هذا القرار الانتعاش الاقتصادي إلى الشركة وزادت مبيعاتها خلال فترة قصيرة، ومن هذا التاريخ أصبح كارلوس غصن يوصف بـ"قاتل النفقات".

وتأكد هذا الوصف مع شركة نيسان اليابانية التي استحوذت رينو على 45% من رأسمالها، وأوفدت غصن سنة 1999 إلى اليابان لتولي مجلس إدارتها هناك بعد أن راكمت الشركة اليابانية ديونا بلغت قيمتها 20 مليار دولار نتيجة الخسائر المستمرة خلال السنوات السبع السابقة.

باشر غصن بسرعة برنامجا قاسيا لإعادة الهيكلة وخفض الكلفة، فأغلق خمسة مصانع وسرّح 21 ألف عامل وجعل اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية في الشركة، مما حوّل مجموعة نيسان من شركة على وشك الإفلاس إلى شركة رابحة بلغ رقم أعمالها السنوي نحو مئة مليار يورو.

وفي 2005 عُين كارلوس غصن رئيسا لشركة رينو، مع احتفاظه بمنصب الرئيس التنفيذي للشركة، ومنصبه على رأس نيسان، ليصبح بذلك أول شخص في العالم يدير شركتين في قائمة "فورتشين غلوبال 500" في وقت واحد.