تقارير

كشمير.. خط التماس الذي يَشطُر البلد ويمزق أهلها

 

محمود العدم

في بلدة كيران في الجزء الهندي من كشمير، يغالب الجندي السابق "محمد أشرف جو" دموعا حارة في عينيه، تختزل شوقه الممتد على نحو ثلاثة عقود من الزمان لعائلته التي ينتمي إليها بوجدانه ويرحل إليها كل يوم بروحه، بعدما هُجّرت قسرا إلى الضفة الأخرى من الخط الفاصل.

وبينما ينجح جاره "رانغزيب خان" في التصبر أمام الكاميرا، فإنه يقرّ بانكساره من الداخل. يقول عن نفسه "لن أسمح لأحد أن يشعر بضعفي، ولن أخبر أحدا بما يكتنف صدري من الحزن والشوق للأحبة، لكن لن أبكي، فقلبي أصبح قاسيا كالصخر".

يعايش الفيلم الوثائقي الذي عرضته الجزيرة الوثائقية لأول مرة أمس 11 سبتمبر/أيلول تحت عنوان "كشمير.. خط التماس"؛ حياة عدد من العائلات في قرية كيران الهندية على الخط الفاصل بين كشمير الهندية والباكستانية، وكيف فصل الخط بينهم منذ عقود ولم يعد أمامهم من سبيل للقاء.

على جسر صغير يمتد خط أبيض بالعرض على يمينه دولة نووية يفوق تعداد سكانها المليار، وعلى يساره أخرى بنفس المواصفات لكنها أقل عددا من حيث السكان، ويقف على الجسر جنود تنتمي كل مجموعة منهما إلى اثنين من أقوى جيوش العالم.

ينتقل بعض الأفراد ممن سُمح لهم على طرفي الجسر الذي لا يتجاوز طوله بضع مترات، لكنه ينقلهم بين جنتين من الأرض الخصيبة على طرفي النهر، بينما يُحرم آخرون من هذه الميزة، فالأحبة حالت بينهم صروف السياسة.

 

حكايات القابضين على الجمر

يروي أشرف ظروف رحيل عائلته وسكان قرية كيران عنها، ويصف كيف جاء الجنود الهنود في أكتوبر/تشرين الأول 1990 وهددوا سكان القرية وطلبوا منهم الرحيل.

أما قصة بقائه في القرية، فيقول إنه كان خارجها عندما جاء الجنود، وعندما رجع بعد أربعة أيام وجدها خالية من السكان، فأصيب بصدمة تسببت بغيابه عن الوعي بضعة أيام.

عندما استعاد وعيه تدريجيا وجد نفسه وحيدا دون عائلته، وفقد اتصاله بالعائلة لعامين، إلى أن تمكن نجله من الاتصال به. كانت السلطات الهندية تسمح لهم برؤية بعضهم بعضا على ضفتي النهر فقط، ثم منعتهم من ذلك. كانوا يتبادلون الحديث والأشواق بواسطة ربط الرسائل الورقية على حجر وقذفه إلى الضفة الأخرى.

أما رانغزيب خان فيروي أنه حينما عاد من عمله إلى القرية لم يجد عائلته، وعلم فيما بعد أنهم رحلوا، فآثر البقاء وحيدا على أن يغادر بيته، كان يرجو منهم أن ينتظروه ويستشيروه قبل فرارهم، لكنهم فعلوا ولم يتركوا له خيارا إلا البقاء.

أما رفيق بهات فقد فَقَد ولده الوحيد ذا الـ14 ربيعا، لا يدري من قتله، أما أخوه فقد فر إلى الطرف الآخر من النهر في الجزء الباكستاني من كشمير، وانقطعت أخباره.

يقول الناس في تلك القرية "إنه لا يمكن لنا أن ننسى ماضينا، فهو الذي يمنحنا القوة لمستقبلنا"، ويقولون أيضا "من يموت منا يحظى بقبر تحت هذه الأرض، بينما الأحياء لا يحظون بشيء على ظهرها".

المعمّرة نور جاهان تتحدث في الفيلم عن ظلم المستبدين، وكيف دمروا حياة عائلتها المزدهرة

 

نساء كشمير

تُغني المعمّرة نور جاهان "جزء مني رحل وبقي الآخر معي.. اصطدمت المرآة بالصخرة".. سنوات عمرها الـ120 لم تمنعها من الترنم بهذه الكلمات، فهي تعبر بها عن حالها، جزء من عائلتها وأبنائها هجّروا إلى الطرف الآخر، وبقيت وهي الضعيفة تقاوم أعداءها الأقوياء؛ "اصطدمت المرآة بالصخرة".

تروي حكايات أبنائها الخمسة وبيوتهم الخمسة؛ كيف تفرقوا، كيف أصبحوا أطيافا في ذاكرتها التي لا تنسى. تتحدث عن أرض أبنائها وعن عملهم بها، حتى عن ماشيتهم ودواجنهم التي كانوا يملكونها، ثم تتحدث عن ظلم المستبدين، وكيف دمروا حياة عائلتها المزدهرة، لتغلبها الدمعة -وهي القوية- حين تذكر أحفادها.

يقول ولدها الذي بقي معها في الجزء الهندي، رضينا أن نبقى أوفياء لأرضنا الهند، لكن السلطات لم تأبه لنا ولم تعطنا شيئا، قالوا لنا سنعيدكم إلى أرضكم بعد ثلاثة أيام، وها نحن نعامل في أرضنا كاللاجئين منذ أكثر من ربع قرن.

ربما يسهل اقتلاع الناس من أوطانهم وتهجيرهم، ربما يسهل على المعتدي تشتيت شمل الأحبة وإبعادهم عن عائلاتهم وأوطانهم، لكن من المستحيل أن يُقتلع حب من قلب صاحبه.

ينجح محمد أشرف جو أخيرا في الحصول على جواز سفر ليعبر الخط الفاصل ويلتقي أحبته.

نص قرار التقسيم أن تنضم الولايات ذات الغالبية المسلمة إلى باكستان

 

كشمير.. عقدة الصراع

شكلت قضية كشمير عقدة الصراع بين الهند وباكستان منذ أن أصدر البرلمان البريطاني يوم 17 يوليو/تموز 1947 قانون استقلال الهند الذي أنهى الحكم البريطاني لها، ثم بعد ذلك بشهر قرار تقسيم شبه القارة الهندية.

نص قرار التقسيم أن تنضم الولايات ذات الغالبية المسلمة إلى باكستان وأن تنضم الولايات ذات الغالبية الهندوسية إلى الهند، على أن يكون انضمام الولايات وفقا لرغبة السكان، مع الأخذ بعين الاعتبار التقسيمات الجغرافية في كل إمارة.

وفي كشمير قرر حاكمها الهندوسي هاري سينغ الانضمام إلى الهند، متجاهلا رغبة الأغلبية المسلمة بالانضمام إلى باكستان ومتجاهلا القواعد البريطانية السابقة في التقسيم.

في كشمير قرر حاكمها الهندوسي هاري سينغ الانضمام إلى الهند

 

حروب وثورات

على خلفية ذلك اندلع أول قتال مسلح بين الكشميريين والقوات الهندية عام 1947 أسفر عن احتلال الهند لثلثي الولاية، ثم تدخلت الأمم المتحدة في النزاع، وأصدر مجلس الأمن قرارا يوم 18 أغسطس/آب 1948 ينص على وقف إطلاق النار وإجراء استفتاء لتقرير مصير الإقليم.

اقترحت الأمم المتحدة أن تنضم الأجزاء التي بها أغلبية مسلمة وتشترك مع باكستان في حدود للسيادة الباكستانية، وأن تنضم الأجزاء الأخرى ذات الغالبية الهندوسية ولها حدود مشتركة مع الهند للسيادة الهندية، لكن هذا القرار ظل حبرا على الورق ولم يجد طريقه للتنفيذ.

في عام 1965 عاد التوتر بين الجانبين، وحاولت باكستان دعم المقاتلين الكشميريين، لكن الأحداث خرجت عن نطاق السيطرة، ودار قتال مسلح بين الجيشين النظاميين الهندي والباكستاني ولم يتحقق فيه نصر حاسم لأي منهما.

كما دارت حرب جديدة عام 1971 مال فيها الميزان العسكري لصالح الهند وتمكنت من تحقيق انتصارات عسكرية على الأرض، مما أسفر عن انفصال باكستان الشرقية عن باكستان لتشكل جمهورية بنغلاديش.

وفي أبريل/نيسان 1987 اندلعت انتفاضة مسلحة في كشمير إثر "تزييف" الهند الانتخابات 1987، وسرعان ما اتجهت هذه الانتفاضة إلى الكفاح المسلح.

وشهد عام 1990 بداية التمرد ضد الحكم الهندي على أيدي مقاتلين كشميريين شباب كانوا مدفوعين بفكرة تحقيق استقلال كشمير ومدعومين عسكريا وسياسيا من باكستان، وقاموا بعمليات نوعية عديدة ضد الجيش الهندي الذي رد باستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين في كل مرة.

جرى الإعلان عن اتفاقات عديدة بين البلدين لتسوية كل الملفات العالقة بما فيها قضية كشمير، لكن في يوليو/تموز 1999 عادت الأمور إلى نقطة الصفر، حيث تمكن مسلحون كشميريون من التسلل إلى الجزء الهندي من كشمير واحتلوا قمم كارغيل، واعتبرت الهند الحادثة "طعنة في الظهر"، وحشدت قواتها في المنطقة وتمكنت من استعادتها.

شهد عام 1990 بداية التمرد ضد الحكم الهندي على أيدي مقاتلين كشميريين شباب

 

وضع خاص

ومؤخرا ألغت الحكومة الهندية التي يقودها حزب بهارتيا جاناتا القومي المتشدد الوضع الخاص لإقليم كشمير في مسعى لدمج المنطقة ذات الأغلبية المسلمة مع بقية أجزاء البلاد.

وقال وزير الداخلية أميت شاه أمام البرلمان إن الحكومة الاتحادية ستلغي المادة 370 من الدستور التي تمنح وضعا خاصا لمنطقة كشمير المتنازع عليها مع باكستان، وهذه المادة تتيح لولاية جامو وكشمير الخاضعة لسيطرة الهند وضع قوانينها الخاصة.

وأضاف "سيتم تطبيق الدستور بأكمله على ولاية جامو وكشمير" مما ينهي حقوق الولاية في وضع قوانين خاصة بها، وأقر الرئيس الهندي والبرلمان الهندي لاحقا التغييرات التي أجرتها الحكومة.

تمثل كشمير أهمية إستراتيجية للهند جعلتها شديدة التمسك بها

 

أهمية كشمير

تمثل كشمير أهمية إستراتيجية للهند جعلتها شديدة التمسك بها، فهي تعتبرها عمقا أمنيا إستراتيجيا لها أمام الصين وباكستان، وتنظر إليها على أنها امتداد جغرافي.

تخشى الهند إذا سمحت لكشمير بالاستقلال على أسس دينية أو عرقية، أن تفتح بابا لا تستطيع أن تغلقه أمام الكثير من الولايات الهندية.

أما بالنسبة لباكستان، فتعتبر كشمير منطقة حيوية لأمنها، وذلك لوجود طريقين رئيسيين وشبكة للسكة الحديد في سرحد وشمالي شرقي البنجاب تجري بمحاذاة كشمير.

ذات صلة

"انظر ما وراء الصورة".. الظلم بعيون ثلاثة أجيال من نساء كشمير
نقد سينمائي

"انظر ما وراء الصورة".. الظلم بعيون ثلاثة أجيال من نساء كشمير

ثلاث نساء من ثلاثة أجيال يختصرن الظلم الذي يعانيه شعب كشمير في مواجهة نظام قمعي لا يرحم. وتبدأ الحكاية في فيلم "انظر ما وراء الصورة" مع الخالة موغلي -كما يسميها جيرانها تحببا- والملقبة بـ"أم كشمير الوحيدة".