تقارير

مجزرة رابعة.. يوم "النحر الأكبر" في مصر

 

أمين حبلّا

سبع سنوات مرت على الفاجعة وما يزال رنينها المهول يقرع مسامع التاريخ باعتبارها واحدة من أبشع المقاتل التي حُصدت فيه الأرواح تحت مطر رشاش من النيران الموجهة التي لم تفرق بين امرأة ولا رجل ولا بين مصحف ولا راكع ولا ساجد، إنها مجزرة ميدان رابعة العدوية بالقاهرة.

أخذت النيران الجماهير المحتشدة في رابعة على حين غرة، وسيّجت طريق الهروب فلم يعد من النيران ملجأ إلا إليها، ولا من الموت مفر إلا إلى نسخة أخرى منه.

ما يربو على 3000 قتيل، صعدت أرواحهم تحت زخات الرصاص المصبوب، قبل أن تتفجر دماؤهم لتشكل نيلا آخر، لا تزال أمواجه السياسية والاجتماعية هادرة في مصر.

على ضفاف النيل الأحمر، كتبت رابعة قصة الألم والحقد والصبر والنار التي أقسمت أن تأكل أبناء الكنانة المطالبين باستعادة الشرعية، التي قضى عليها الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي بعد أن أظهر كثيرا من الولاء للرئيس المعزول الراحل محمد مرسي، وتمسكن له كثيرا قبل أن يتمكن من الانقضاض عليه.

كان قتلى رابعة منهم القائم يصلي بخشوع، قبل أن تفصل رصاصة حارقة بينه وبين الصلوات والتسليم، ومنهم الشادي العازف على أيقونات الفن، يراقص أحلام مصر في استعادة شرعيتها المغتصبة من قبل زمرة من العسكريين برئاسة عبد الفتاح السيسي.

وكالمذاهب والأهواء والمشارب الشتى -التي تشكل منها الجمع- انهمر الرصاص من مسارب ومنافذ شتى.. لا شيء في الأفق غير النار ولا صوت يعلو أزيز الموت. كانت رائحة شواء الأجسام الزاكية تخترق مصر كلها، فقد كانت رابعة قلب مصر، وقد احترق القلب الدامي.

 

هكذا بدأت المجزرة

في الثالث من يوليو/تموز 2013 انقض السيسي بدعم من قوى عربية وغربية على حكم أول رئيس مدني منتخب لمصر، بعد نحو شهر من الاضطرابات والاعتصامات الموجهة، استعان الجيش في اقتلاعه لنظام مرسي بأوجه متعددة ضمت المسلم الأزهري والسلفي، والعلماني والمسيحي وحتى "الإخواني".

انطلقت المقاومة السلمية للانقلاب بعد ساعات قليلة من تسلم السيسي للحكم وإلقائه القبض على الرئيس الراحل وعدد من وزرائه وكبار قادة جماعة الإخوان المسلمين.

انطلق الآلاف في مسيرات متعددة في مختلف مناطق مصر، واحتشدت الجماهير في الميادين، ولم يطل صبر السلطة العسكرية وداعميها خصوصا من بعض دول الخليج العربي أو ما عرف لاحقا باسم معسكر الانقلاب، خصوصا بعد أن تحول ميدان رابعة بشكل خاص إلى محج مليوني لعشرات الآلاف من الرافضين لسلطة العسكر.

وفي المقابل توجه الإعلام الرسمي وحتى غير الرسمي أو ما عرف لاحقا بالإعلام السيساوي بشكل عنيف لاتهام المعتصمين في رابعة بتخزين السلاح وممارسة العنف واحتجاز المواطنين وتكوين مليشيات إرهابية، وخلال أيام قليلة وزع الإعلام المصري الرسمي وشبه الرسمي آلاف القصص والأخبار المكذوبة عما يقع في رابعة من اعتصام وتحشيد، وتم الحديث عن ممارسات عنيفة وأخرى شائنة، لكن شيئا من ذلك لم يفت في عضد المعتصمين الذين ازداد تمسكهم بمطالبهم مع إشراقة كل صباح رابعي.

كانت رابعة مسجدا للصلاة وميدانا للنضال وساحة لحفلات الزفاف والأفراح ويوميات اعتصام صارم ومهرجانات غنائية وسوق وخيم كثيرة للمعتصمين، تحولت رابعة في أيام قليلة إلى مصر بكل آمالها وآلامها، بنكتها وإصرارها، ورحابة صدرها وعفوية أهلها.

في يوم 14 أغسطس/آب وبعد أن ضاق النظام المصري الجديد ذرعا برابعة وبقية الميادين وبعد أن حصل على ضوء أخضر بل وضغط من دول عربية بشكل خاص لإنهاء الاعتصام، أخذ الرصاص في الكلام، وتهاوت آلاف الجثث تحت المطر الناري العنيف.

 

القتل بدماء باردة

أخذ القناصون المهرة مواقعهم على أسطح المنازل المحيطة برابعة، واقتحمت الدبابات والمصفحات التابعة للجيش والشرطة خيم المعتصمين، قبل أن تُسد المنافذ من كل جانب.

وبدأت أعداد الضباط والمجندين المصريين في إطلاق النار بشكل عشوائي وكثيف على كل متحرك، بل إطلاق النار على الحياة كلها، كانت أمواج النيران تعيد كل فار منها إليها.

تذكّر الفارون العبارة النبوية الخالدة "من دخل المسجد فهو آمن"، هرعوا إلى مسجد رابعة فاقتحمت عليهم النيران الحارقة وقتلتهم بين السواري وفوق سجاد المسجد. وحتى المشفى الاضطراري الذي أقامه المعتصمون سرعان ما تحول هو الآخر إلى نزيف.

ولم ينقشع ظلام فجر اليوم الدموي إلا بعد أن أصبح المخيم أثرا للدم القاني والجريمة الوحشية وبعد أن تكدست الجثث وتطايرت الأشلاء واحترقت المصاحف، لتغني المأساة من جديد على أشلاء الضحايا.

ذوو القتلى الأبرياء يتوجهون بالدعاء على السيسي وجنده بأن ينتقم الله منهم

 

دماء الأبرياء.. نقمة على المجرمين

تباينت التقديرات بشأن لائحة القتلى فأوصلها بعضهم إلى 5000 قتيل سقطوا تحت نيران الجيش والشرطة المصرية في ساعات، بينما أكدت قيادات من الإخوان أن القتلى وصلوا إلى 3000، أما أطباء المشفى الميداني في رابعة فقد أحصى من نجى منهم من الرصاص المصبوب أكثر من 2600 قتيل وأكثر من 10 آلاف جريح، في حين تحدث تقرير وزارة الصحة المصرية عن 670 قتيلا ونحو 4400 مصاب. وأعلن المسؤولون عن الطب الشرعي بالقاهرة -في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2013- أن إجمالي عدد القتلى بلغ 377 قتيلا، من بينهم 31 جثة مجهولة الهوية.

أما منظمة هيومن رايتس ووتش فتحدثت عن "إحدى أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين سلميين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث".

وذكر شاهد عيان تحدثت للجزيرة فظاعة المشهد وصرامة الموت المطل من كل شبر من الأرض المحروقة "دخلنا الميدان حيث صوت الجرافات والرائحة الكريهة المنبعثة من الميدان، نتيجة الحرائق، والدماء، والجثث المحترقة، والجثث التي بدأت تتعفن، بجانب بدء حرق كل الخيام المتبقية".

لقد كانت المجزرة فوق خيال الوصف؛ فبينما كان الإعلام المصري غارقا في إنتاج سينمائي تغلب عليه الرومانسيات ومشاعر الحياة اللطيفة، كانت النار تأكل أجساد جزء آخر من مصر الكنانة.

اهتمت منظمة هيومن رايتس ووتش بالمجزرة وأصدرت في 2014 تقريرها الذي استغرق إنجازه سنة وجزمت فيه بأن ما وقع كان جريمة تفوق قدرات اللغة على الوصف، متهمة هرم السلطة المصرية بالمسؤولية عن المجزرة، ومما جاء في تقريرها أن ما حدث "لم يكن مجرد حالة من حالات القوة المفرطة أو ضعف التدريب، بل كانت حملة قمعية عنيفة مدبرة من جانب أعلى مستويات الحكومة المصرية".

 

خجل عالمي وصمت عربي

لم يرفع العالم الصوت عاليا تجاه المجزرة المؤلمة والمروعة، بل أكثر من ذلك تناغمت قوى عربية وغربية مع النظام المصري لإخفاء المجزرة، وكان لقناة الجزيرة السبق في تعرية الجريمة المروعة التي قرعت سمع العالم فأولاها الصماء من أذنيه.

نددت الولايات المتحدة الأميركية على لسان أوباما باستخدام السلطات المصرية العنف والقوة ضد المصريين، وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة بان كيمون كالعادة عن قلقه تجاه ما وقع في مصر.

كان الصوت التركي الأقوى والأبرز في التنديد بالجريمة وامتزج الغضب الشعبي بالرسمي في تركيا وخاطب الرئيس رجب طيب أردوغان النظام الجديد في مصر بعبارات التوبيخ الصارمة والاتهام الصريح بارتكاب المجزرة الأكثر دموية في تاريخ مصر بل والعالم العربي عموما.

عربيا كان الصمت الخجول لسان حال الجميع، فقد أوى الحكام إلى ركن مكين من تجاهل الدم الجارف الذي جاوز الحد وفاض على مصر كما يفيض النيل الغاضب، فماذا يشجبون أصلا الفعل الذي موّلته بعض الدول العربية ووقفت وراءه؟

 

رابعة الأيقونة

كما خُلدت رابعة العدوية في تاريخ الزهاد والعباد المتبتلين في محاريب الحب الإلهي، عادت رابعة المأساة والدم لتتحول بعد ذلك إلى أيقونة في أعماق لغة الرفض، لقد طاردت الأصابع الأربعة السلطات المصرية في أنحاء العالم ودخلت كل بيت وأصبحت الشعار الرسمي والعلامة المسجلة ضد الطغيان.

بسبب رابعة دخل السجن عدد كبير من الشخصيات السياسية والحقوقية العربية، ونالوا العقاب والتوبيخ من سدنة الإعلام الرسمي في مصر، واتهموا بالإرهاب.

لكن رابعة توغلت أكثر في ذاكرة الأيام، وأدبيات القوى النضالية والحركات الثورية الشبابية، دخلت رابعة الفن نشيدا جامحا يغني للمأساة، وريشة ترسم أعناق الحياة المسحوقة تحت جنازير الدبابات.

نهضت رابعة ماردا من رفض يتوغل كل يوم في أعماق مصر، رغم كل الحصار والتضييق الرسمي بأرض الكنانة على كل ما يرمز لرابعة والحرية والعدالة والضمير غير المستعبد.

بعد ست سنوات من مجزرة رابعة لا يزال الدم يطفو على السطح ولا تزال سطوة الموت تطارد السيسي باعتباره "مجرم حرب" ومرتكب واحدة من أفظع مجازر التاريخ المصري الحديث، ورغم التحصينات الأمنية والقانونية التي أحاط بها السيسي نفسه وشركاءه في الجريمة فإن رائحة الدم لا تزال تفور في كل أرجاء مصر.. وتؤكد أن رابعة نهر زلق سيغرق فيه الجناة مهما طال الزمن.

ذات صلة